Arab
في ظل الحرب الإسرائيلية الأخيرة وما رافقها من استهدافات للطواقم الطبية وصعوبة الوصول إلى المناطق الخطرة، واجه الصليب الأحمر اللبناني تحديات إنسانية وميدانية استثنائية، فيما واصل مسعفوه ومتطوّعوه تنفيذ مهماتهم في الإسعاف والإغاثة ونقل الجرحى والضحايا في مختلف المناطق اللبنانية. في هذا الحوار مع "العربي الجديد" يتحدث الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني جورج الكتاني عن واقع العمل الإنساني خلال الحرب، وتحديات الحماية، وآليات التنسيق للوصول إلى المناطق المستهدفة، والدروس التي فرضها التصعيد الأخير على عمل الطواقم الطبية والإنسانية، ومبدأ الحياد والإنسانية.
1. ما هي المهمات الأساسية التي يقوم بها الصليب الأحمر اللبناني بشكل عام، خصوصاً أثناء فترات النزاعات؟
الصليب الأحمر اللبناني جزء من الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، التي تضم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والجمعيات الوطنية، وتتّخذ المؤسّستان الدوليتان من جنيف مقراً لهما. وقد تأسس الصليب الأحمر اللبناني في التاسع من يوليو/تموز عام 1945. يعمل الصليب الأحمر اللبناني في مجالَين أساسيّين: الصحة والإغاثة. ففي المجال الصحي، يتولّى دوراً ريادياً في الإسعاف والطوارئ عبر خط الطوارئ 140، وتشمل خدماته مختلف أنواع الإسعاف، ومن بينها خدمات البحث والإنقاذ التي تشهد توسعاً ملحوظاً في ظل الحرب. ويضمّ الصليب الأحمر أيضاً قطاع نقل الدم، إذ يمتلك مراكز ووحدات مطابقة للمعايير الدولية. كما يوفّر خدمات الرعاية الصحية الأولية، والعيادات النقالة، وأدوية الأمراض المزمنة، والخدمات الطبية الأساسية، والدعم النفسي، فضلاً عن خدمات المياه والصرف الصحي والإصحاح، وتوزيع المواد التموينية والغذائية ومواد التنظيف، والمساعدات النقدية، ولمّ شمل العائلات. كما يتعامل مع نقل الضحايا والجثامين خلال الحروب والأزمات والكوارث. ويؤدّي الصليب الأحمر اللبناني مهمات إنسانية متعددة، تشمل التوعية بالقانون الدولي الإنساني، والتدريب على الإسعاف والبحث والإنقاذ، فضلاً عن مختلف الأنشطة والخدمات التي ينفّذها. كما ينظّم تدريبات متخصّصة ويعتمد مناهج تعليمية، إلى جانب وجود إدارات تعليمية وطبية تتابع مختلف المهمات، فضلاً عن اختصاصيين وتقنيين مدعومين من الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. ويُعدّ الصليب الأحمر اللبناني عضواً في الهيئة الوطنية لإدارة مخاطر الكوارث، كما يشارك في جهود إدارة المخاطر على مستوى المحافظات في لبنان، نظراً إلى علاقته المباشرة بالمجتمع المحلي، إذ يُعتبر المجتمع المحلي خط الاستجابة الأول، فيما يشكل الصليب الأحمر جهة الاستجابة الداعمة. كما يضمّ فرقاً متخصصة في التعامل مع "المخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية" (CBRN)، وهو مدرّب على الاستجابة لمختلف الحوادث الكيميائية أو الإشعاعية أو النووية وغيرها، ويتولّى تنفيذ مختلف المهمات والخدمات التي تُطلب منه.
2. كيف يحافظ الصليب الأحمر اللبناني على استمراريته رغم تراجع الدعم الدولي والتمويل للجمعيات بشكل عام؟
يشكّل عامل الثقة نقطة قوة كبيرة بالنسبة إلينا، لأننا نستند إلى المبادئ السبعة (الإنسانية، وعدم التحيّز، والحياد، والاستقلال، والخدمة التطوعية، والوحدة، والعالمية)، وإلى اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الإضافيين (ينظّمان حماية المدنيين والجرحى والطواقم الطبية خلال النزاعات المسلحة)، ما يضمن حيادنا واستقلاليتنا وعدم تحيّزنا، ويسمح بتأمين مسارات إنسانية. بالتالي، فإن ثقة المجتمع الدولي، وخصوصاً الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر وبعض الجمعيات الوطنية، بالصليب الأحمر اللبناني، سمحت لنا بالحفاظ على نوع من الاستدامة. وهذا يُعدّ من أبرز التحديات التي نعمل عليها حالياً لمحاولة تأمين هذا الاستمرار، إذ لا ينبغي أن تقتصر الجهوزية على فترات الحرب فقط، بل يجب الحفاظ عليها أيضاً في أوقات السلم من خلال تنمية القدرات وتعزيز الإمكانات. فالصليب الأحمر لا يعمل فقط على الاستجابة، بل يعمل أيضاً على الاستدامة، من خلال تقييم كل حدث واستخلاص نقاط القوة والضعف والدروس المستفادة لتحسين الأداء وتطوير آليات العمل. ولدينا في لبنان نحو 21 جمعية وطنية ضمن الحركة الدولية للصليب الأحمر والاتحاد الدولي تدعم عملنا، كما نطلق نداءات تمويلية. ورغم عدم تأمين كلّ الاحتياجات بشكل كامل، فإننا ما زلنا قادرين على متابعة مهماتنا لأنّ جزءاً كبيراً من شبكتنا يرتكز على العمل التطوعي. لكن ضعف التمويل يؤثر بطبيعة الحال على المجتمع بأكمله، سواء على المستشفيات أو الأدوية أو الخدمات الأساسية. ومع ذلك، ما زلنا نؤمن بقدرتنا على الاستجابة بطريقة منظمة وعلمية وطبية وإنسانية، بما يمنح المواطنين الأمل بأننا ما زلنا إلى جانبهم.
3. ما هي أبرز التحديات التي يواجهها الصليب الأحمر اللبناني اليوم؟
التحديات الأساسية التي نواجهها اليوم تتمثل في الحماية، أي احترام القانون الدولي الإنساني، وحماية الشارة، وتأمين مسارات آمنة، وحماية المصابين كي لا يتحولوا إلى أهداف، فضلاً عن حماية طواقمنا. وهذه هي التحديات الكبرى بالنسبة إلينا.
4. كيف تعملون على مواجهة التحديات المتعلقة بالحماية؟
بعد استشهاد مسعفين اثنين ووقوع إصابات، تقدّمنا بشكوى إلى وزارة الخارجية اللبنانية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وما زلنا نتابع هذا الملف مع الدولة اللبنانية. نعتمد بشكل أساسي على ما يُعرف بتفادي التضارب (Deconfliction)، أي تأمين وقف لإطلاق النار على المسار المحدّد للمهمة. أحياناً تنجح هذه الآلية، وأحياناً لا تنجح، لكننا ما زلنا موجودين على الحدود، سواء على "الخط الأزرق" (الذي رسمته الأمم المتحدة بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000) أو "الخط الأصفر" (خط القرى الحدودية الأمامية التي احتلتها إسرائيل منذ 2 مارس الماضي، ويشمل أيضاً ما احتلته عام 2024). وتعني آلية تفادي التضارب التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، أو الميكانيزم (لجنة مراقبة وقف إطلاق النار في لبنان، وهي آلية دولية للتنسيق الأمني والإنساني في جنوب لبنان، وتأمين مرور الطواقم الطبية والإغاثية في مناطق النزاع)، والتحرك في حال الحصول على الضوء الأخضر. وما أتحدث عنه هنا يتعلق بخطوط الجبهة ومناطق النزاع. أما في المناطق الأخرى، فنحن نتحرك وفق مؤشرات ميدانية. وهذه المهمات تُعدّ من الأكثر خطورةً، لأن الحماية ليست مضمونة بنسبة مئة في المئة، ولأن القانون الدولي الإنساني بات يتعرّض لانتهاكات متزايدة.
5. إذا أردنا مقارنة التحديات والاستجابة بين عامَي 2024 و2026، فما الذي تغيّر؟
يبقى التحدي الأساسي هو الحماية. فهَمّنا الأوّل يتمثل في احترام القانون الدولي الإنساني، وتأمين مسارات آمنة، وحماية الشارة والطواقم الطبية والمصابين، استناداً إلى اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الإضافيين، واحترام مبادئ الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. هناك فرق واضح اليوم. فقد عشتُ الحروب منذ الحرب الأهلية اللبنانية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان عمري بين 14 و16 عاماً، وأستطيع القول إنّ الحروب باتت أكثر خطورة وأكثر فظاعة، فيما يتراجع احترام القانون الدولي الإنساني بشكل كبير، وتتراجع معه الحماية. لذلك، يجب على الحكومات والأمم المتحدة أن تتشدّد أكثر في تأمين الحماية للطواقم الإنسانية والطبية. أما على مستوى العمل الميداني والاستجابة لحاجات الناس، فهناك تركيز دائم على تقييم كل حدث، واستخلاص الدروس المستفادة، وبناء القدرات وتفادي تكرار الأخطاء (المتعلقة بانتهاك القانون الدولي الإنساني). وهذا ما يُعرف بالخطة الاستباقية التي تشمل الموارد البشرية والتمويل وكل العناصر الداعمة للاستجابة، بما في ذلك القطاعات العملياتية والدوائر الداعمة والوحدات الميدانية. وبالتأكيد، تزداد الصعوبات مع ارتفاع حجم المخاطر، لكن الصليب الأحمر يواصل تطوير خبراته من خلال التدريبات المتواصلة، وتعزيز المعرفة والمهارات، فضلاً عن التوعية والمتابعة والتنسيق المستمر، استناداً إلى الخطة الوطنية الصادرة عن الهيئة الوطنية لإدارة مخاطر الكوارث في السراي الحكومي، وبالتنسيق مع الحكومات وكل الجهات المعنية، وخصوصاً الأجهزة الأمنية والوزارات والمجتمع المحلي والبلديات وغيرها.
6. أشرتَ سابقاً إلى الأخطاء المتعلقة بالحماية، هل يمكنكَ إعطاؤنا مزيداً من التفاصيل؟
الأخطاء الأساسية تتعلق بالحماية كما ذكرتُ سابقاً. اليوم، باتت المخاطر أكبر عند تنفيذ المهمات، وقد خسرنا شهداء ووقع عدد من الجرحى، وأصبحت الطواقم أكثر عرضة للخطر. لذلك نعمل، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وقوات "يونيفيل"، وآلية الميكانيزم، والجيش اللبناني، على تأمين حماية أكبر أثناء المهمات الإنسانية بهدف إنقاذ مزيد من الأرواح.
هدفنا هو إنقاذ الأرواح والحفاظ على كرامة الإنسان، وإعطاء الأمل للمواطن بأننا موجودون لمساعدته والوقوف إلى جانبه بحياد واستقلالية ومن دون تحيّز، بما يسمح بتأمين مسارات آمنة. وعندما استشهد مسعفونا، كانت كلّ الإحداثيات قد أُبلغت إلى الميكانيزم، وكان نظام التنسيق بأكمله يعمل، كما كانت الجهات المعنية كافة على عِلم بالمهمة، ومع ذلك حصل خطأ أيضاً في هذا السياق. ورغم ذلك، نستمر في عملنا من صور (جنوب) وشبعا (جنوب شرق)، ومن دون تغيير في انتشارنا أو مهماتنا اليومية، سواء في النبطية (جنوب) أو الزهراني (جنوب) أو البقاع الغربي والبقاع الشمالي (شرق) وضاحية بيروت الجنوبية، فضلاً عن المهمات الاعتيادية المتعلقة بالإسعاف والدم والعيادات النقّالة وغيرها.
7. هل أثّرت حوادث استشهاد المسعفين في المتطوعين أو حجم المهمات؟
لا يوجد شخص لا يشعر بالخوف، وأعتقد أن الجميع في هذا البلد يحتاجون إلى دعم نفسي، وهذه نقطة أساسية. لكن، في المقابل، أصبح المسعفون أكثر حماسة، لأنهم يشعرون بأهمية المهمة التي يقومون بها. كما نعمل على وضع ضوابط وآلية موحّدة للاستجابة بهدف تخفيف المخاطر وحماية فرقنا. وتتمثل هذه الآلية في خطة داخلية عملياتية تُنفّذ بالتنسيق مع الأجهزة المعنية، وتشمل خطط الاستجابة وتأمين المخزون الاحتياطي والتمويل والمحروقات والمعدّات الإسعافية والأدوية، بحيث تتكامل الموارد البشرية مع الاستجابة واللوجستيات والتمويل.
8. كيف تتعاملون مع الحالات التي تتعرض فيها الفرق الطبية لإطلاق نار؟
لدينا ثلاث قنوات أساسية للتنسيق: الميكانيزم، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وقوات "يونيفيل". ونحن لا نتواصل مباشرة مع الطرف الخارجي. وبعد تفادي التضارب (Deconfliction)، نتحرك إمّا بمفردنا، أو بمواكبة من "يونيفيل"، أو بالتنسيق مع الجيش اللبناني، وذلك بحسب طبيعة المهمة والظروف الميدانية. وبشكل عام، لم نتوقف عن العمل رغم المخاطر والتحديات الميدانية. أمّا خلال الغارات التي تستهدف ضاحية بيروت الجنوبية، فنستجيب وفق تقييم ميداني للظروف الأمنية وإمكانية الوصول الآمن إلى المكان. وفي حادثة الصحافية آمال خليل في بلدة الطيري (جنوب)، تمكنت فرق الصليب الأحمر اللبناني أولاً من إجلاء الصحافية زينب فرج وهي مُصابة، فضلاً عن نقل جثتين من الموقع، بعد ساعاتٍ من التنسيق عبر الميكانيزم وقوات "يونيفيل" والجيش اللبناني. وواجهت فرق الإسعاف صعوبات كبيرة في الوصول بسبب استمرار الاستهداف، كما تعرضت إحدى سيارات الإسعاف لإطلاق نار وقنبلة صوتية تحذيرية، ما اضطر الفريق إلى الانسحاب مؤقتاً قبل العودة مجدداً لاستكمال عمليات البحث والإنقاذ. وقد جرت عمليات الإجلاء والبحث في ظروف ميدانية شديدة الخطورة، رغم إبلاغ الجهات المعنية مسبقاً بمسار المهمة وأرقام الآليات بشفافية كاملة، لذلك تزداد العمليات خطورة يوماً بعد يوم.
9. كيف تتعاملون مع "المناطق الحمراء" وآليات الوصول إليها؟
آلية الوصول إلى المناطق الحمراء أو مناطق القصف شديدة التعقيد، تواجه أحياناً رفضاً أو تأخيراً كبيراً في الوقت. ففي بعض الحالات، نحصل على ثلاث ساعات فقط للتحرك. أحياناً نحصل على الموافقة، وأحياناً لا نحصل عليها نتيجة القصف. أما بالنسبة للتحديات الميدانية، فالوصول إلى القرى والمناطق المعزولة يواجه صعوبات كبيرة، أبرزها إغلاق الطرقات ووجود معوّقات تمنع الوصول، ما يضطرنا أحياناً إلى اعتماد طرق بديلة. يُشار إلى أنّ آلية "تفادي التضارب" لا تُستخدم فقط لنقل الإصابات، بل أيضاً لإدخال المواد التموينية والغاز والمعدات الطبية والمازوت، وهذه العمليات قد تستغرق يوماً أو يومين أو أكثر لاستكمال الإجراءات، ما يشكّل تحدياً إضافياً. ونحن نضع دائماً خططاً بديلة ونبحث عن مسارات أخرى ونقوم بالتنسيق اللازم وفق الوقت المطلوب لكل مهمة.
10. كيف تقيّمون استجابة المجتمع الدولي والحكومة اللبنانية لمطالب الحماية؟
يختلف الأمر بحسب الجهات وقدراتها، لكن يمكن القول إنّ المجتمع الدولي متجاوب جداً، وخصوصاً على مستوى السفراء. فنحن نجتمع معهم باستمرار، وهم يطالبون بتأمين الحماية ويساعدوننا بشكل كبير. أما الحكومة اللبنانية، فهي تعمل على إعداد ملفات تتعلق بالخروق والانتهاكات. لكننا نتحدث هنا عن دبلوماسية إنسانية للحماية، لا عن السياسة، بل عن مبادئنا الإنسانية وإنقاذ الأرواح. وبالتأكيد، تقوم الحكومة بدورها، لكنني لا أتحدث باسمها، بل أتحدث عن واجباتي وتحدياتي واقتراحاتي وكيفية معالجة هذه القضايا. وأستطيع أن أؤكد أن هناك تجاوباً كبيراً في التعاطي مع هذا الملف، سواء من الحكومة أو من مختلف الأطراف أو من السفراء.
11. كيف توثقون الحوادث أو الاعتداءات على الطواقم؟
لدينا لجنة تحقيق داخلية، إلى جانب اللجان الدولية، كما توجد دائرة قانونية وعلاقات عامة تعمل على توثيق كل حادثة تحصل. نوثق كل شيء، حتى الأضرار البسيطة مثل تحطم الزجاج، مع تسجيل التاريخ والوقت والأسباب وكل التفاصيل الممكنة. وبعد ذلك نتابع الملف عبر الآليات الدبلوماسية المعتمدة ضمن الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. ولا يقتصر الأمر على إرسال التقارير فقط، بل تُتابَع الملفات من خلال اجتماعات دورية مع الجهات المعنية والبعثات الدائمة في جنيف. وأنا شخصياً عضو في اللجنة الدائمة للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وهي من أعلى الهيئات ضمن الحركة الدولية، ولذلك تُتابَع هذه الملفات بشكل مباشر.
12. كم يبلغ عدد المتطوعين في الصليب الأحمر اللبناني؟
لدينا نحو 12 ألف متطوع، من بينهم 5200 متطوع في قطاع الإسعاف. ونحن قادرون على استقطاب مائة ألف، وخصوصاً من فئة الناشئين والشباب، ومن العاملين في إدارة الكوارث والحد من المخاطر وسائر القطاعات والفروع. نحرص على أن يكون المتطوع حيادياً، لذلك يُدرَس ملفه، بحيث لا يكون متحيّزاً أو صاحب موقف سياسي، لأن الحياد المقبول مجتمعياً هو أساس الثقة، وإذا غابت الثقة غاب القبول. وهذه الثقة هي مصدر قوتنا وانتشارنا في مختلف الأراضي اللبنانية، ولا سيّما أن خدماتنا، خصوصاً الإسعاف وخدمات الدم وغيرها، تُقدَّم مجاناً.
13. هل اضطررتم إلى زيادة عدد المتطوعين خلال الحرب؟
لدينا عدد كافٍ واكتفاء ذاتي، ولا نحتاج إلى إرسال متطوّعين إلى الجنوب من مناطق أخرى. فلدينا اكتفاء داخل الجنوب نفسه، لكن في بعض الحالات قد نلجأ إلى نقل فرق من الجنوب إلى بيروت أو إلى البقاع. لبنان يعيش باستمرار في ظل الأزمات، ولذلك غيّرنا نظام العمل وباتت لدينا خطط واضحة. لم نعد نعتمد على إرسال فرق من منطقة إلى أخرى بشكل عشوائي. فمثلاً مدينة طرابلس (شمال) لديها اكتفاء ذاتي ومدعومة بأقضية الكورة وزغرتا والبترون (شمال). وفي الجنوب لدينا 11 مركز إسعاف، فضلاً عن بنوك الدم والمستوصفات واللجان وفرق الناشئين والشباب وقطاع الحد من المخاطر وإدارة الكوارث.
14. هل غيّرتم بروتوكولات حماية المتطوعين؟
هذا الأمر عملاني وميداني بالدرجة الأولى، وهو جزء أساسي من سياستِي كأمين عام مع فريق العمل. فحماية المتطوعين تبقى أولوية. لقد حصل خطأ في حادثة استشهاد مسعفينا، لكن الخطأ لم يكن من جانبنا. ومنذ ذلك الوقت نعمل على تخفيف المخاطر قدر الإمكان، حتى لو لم يكن بالإمكان إلغاؤها بالكامل. ومن بين الإجراءات التي اعتمدناها، أنّه في بعض الأوقات، إذا لم يكن ممكناً تفادي التضارب في مناطق الجبهة، فإننا لا نتحرك، لأن التحرك في هذه الحالة قد يجعل الطواقم هدفاً مباشراً. وفي بعض الأحيان نضطر إلى تأخير عمليات الإنقاذ حفاظاً على سلامة الفرق، لأن المنطقة قد تتعرض لضربة ثانية. لذلك نأخذ التوقيت المناسب ونتحرك بحذر أكبر لتفادي خسائر إضافية.
15. ما هي الإحصاءات المتعلقة بالمهمات اليومية وطبيعتها؟
عادةً ما يقدّم الصليب الأحمر اللبناني بين مليون ومليون ومئتَي ألف خدمة سنوياً في الأيام العادية، أما خلال الحرب فيتجاوز العدد ذلك بكثير، نتيجة النزوح وارتفاع أعداد الإصابات والضحايا، وزيادة عمليات نقل المرضى والحالات التي لا يمكن نقلها بوسائل مدنية عادية، بسبب الحواجز والمعابر وإجراءات الحماية. كما ازداد الطلب علينا مع تفاقم الأزمة وتراجع وجود بعض الجمعيات الدولية والمحلية، إلى جانب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والصحية الصعبة التي يمر بها لبنان.
16. هل أُغلقت مراكز أو توقفت خدمات خلال الحرب؟
لم نُغلق، بل نقلنا عند الضرورة. فإذا أصبح أحد المراكز مهدداً، لا نغادر المنطقة بالكامل، بل ننقل النقطة إلى مكان أكثر أماناً ونُبلغ الجهات المعنية بذلك، ثم نتابع العمل. في بعض المناطق، مثل النبطية، اضطررنا أحياناً إلى الخروج والعودة. وبعض المستوصفات تأثرت أكثر من غيرها.
17. هل تغيّر دور الصليب الأحمر اللبناني بعد التصعيد الأخير؟
كبر دورنا كثيراً، خصوصاً في الإغاثة والاهتمام بالنازحين، كما توسّعت مهمتنا في تقديم خدمات الدعم النفسي والعيادات النقالة. كنا ولا نزال في موقع ريادي في الإسعاف وخدمات الدم، لكن كلّ القطاعات الأخرى توسعت أيضاً، بما فيها الحد من المخاطر وإدارة الكوارث. الجمعية كبرت كثيراً، وعدد المتطوعين يزداد باستمرار. ومع كل حدث نقوم بما يُعرف بالتقييم الفوري أثناء الحدث (Real Time Evaluation)، أي تقييم نقاط القوة والضعف واستخلاص الدروس والعِبر ومعالجة الأخطاء إن وُجدت. ونحن نؤمن بالعمل الجماعي وبأهمية المتابعة المستمرة. فإذا حصل خطأ، لا يكفي أن نصرخ أو نلوم، بل يجب تقييم ما حصل وعدم تكراره. لذلك نعمل دائماً على تحسين أدائنا، سواء في المهمات الميدانية أو اللوجستيات أو إدارة المخزون الاحتياطي. وعلى سبيل المثال، إذا كان هناك مستودع قد يصبح الوصول إليه صعباً، نقوم مسبقاً بتوزيع المواد على مستودعات أخرى تكفي لشهرين أو ثلاثة أشهر.
أضرار مادية جسيمة جرّاء غارة إسرائيلية بالقرب من مركز تبنين(قضاء بنت جبيل)، الذي يضم غرفة عمليات إقليمية ومركز إسعاف وطوارىء ومركز إدارة كوارث، فجر ١٦ نيسان، ٢٠٢٦. pic.twitter.com/W8MB9wbD3z
— Lebanese Red Cross (@RedCrossLebanon) April 17, 2026
18. هل هناك خوف من تراجع التمويل؟
بالتأكيد كان هناك خوف، حتى قبل الحرب، من تراجع التمويل. لكننا نعمل دائماً على إيجاد البدائل من خلال رؤية واضحة واستراتيجية واضحة لكيفية تأمين الاستمرارية. كل شيء يتأثر إذا تراجع التمويل؛ سيارات الإسعاف، والوقود، والأدوية المزمنة، وصيانة السيارات، وتجديد الآليات والمعدات. لذلك نحن نعمل وفق سياسة تقوم على التقييم والتجديد المستمرين.
وعامل الثقة مهم جداً بالنسبة إلينا، فضلاً عن الشفافية، لأن الجهات الداعمة تأتي وتدقق في كيفية صرف الأموال وفي كل التفاصيل المتعلقة بالمساعدات والبرامج.
19. ما أبرز الدروس أو التغييرات التي فرضتها الحرب الحالية؟
نعمل اليوم على إعادة البناء، وأول ما نحتاج إليه هو الدعم النفسي لكل شبابنا ومتطوّعينا. كما نركّز على التدريب المستمر وتقييم المخاطر بشكل دائم. لذلك نقوم بتدريبات دورية كل شهرين أو ثلاثة أشهر، وحتى في أوقات السلم نعمل وكأننا في حالة حرب أو كارثة طبيعية أو هزة أرضية. ولهذا السبب لدينا فرق بحث وإنقاذ تعمل وفق معايير المجموعة الاستشارية الدولية للبحث والإنقاذ التابعة للأمم المتحدة (INSARAG). تدريباتنا متخصّصة تُنفَّذ على أعلى المستويات، وحتى خدمات الدم لدينا تُدار وفق معايير دولية. الضحية تبقى ضحية، لكن حجم الإصابات والدمار اليوم مختلف، خصوصاً مع تدمير البنى التحتية والمباني والأضرار الكبيرة التي لحقت بالأراضي الزراعية. كما فرضت الحرب الحاجة إلى تطوير سيناريوهات طوارئ جديدة، مثل التعامل مع انقطاع الإنترنت أو الكهرباء أو الاتصالات، ولذلك قمنا بتأمين بدائل مثل "ستارلينك" وأنظمة تشغيل احتياطية للطاقة والاتصالات. يبقى التحضير والتقييم النقطة الأساسية دائماً لمعرفة نقاط القوة والضعف وتحسينها. وهذه السياسة أعتمدها استناداً إلى خبرة تمتد لأكثر من أربعين عاماً في هذا المجال، وإلى متابعة التجارب الإنسانية حول العالم.
20. ما هي رسالتكم الأخيرة؟
رسالتي الأخيرة أن الحماية تبقى أولوية للمتطوّعين كي يتمكنوا من متابعة مهماتهم الإنسانية وإنقاذ الأرواح والحفاظ على كرامة الإنسان. وأقول دائماً للمتطوّعين "وحدتنا هي قوتنا"، والقوة الحقيقية تكمن في أن نبقى معاً لنمنح المواطنين الأمل، مهما كانت خلفياتهم أو بيئاتهم، لأننا موجودون لكل إنسان، أياً كان انتماؤه أو وضعه. فالإنسان يحتاج إلى الكرامة والاحترام والشعور بالأمان. واحترام الإنسان هو احترام للأخلاق وللقيم وللآخرين. ونقول لكلّ شخص يحتاج إلى المساعدة: "نحن إلى جانبك، وسنُكمل رسالتنا معك، في الحرب والسلم، في الليل والنهار، في الصيف والشتاء، وفي الأعياد والأفراح والأتراح".
نبذة
جورج الكتاني هو الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني منذ عام 2013. تطوّع في الصليب الأحمر اللبناني خلال فترة المراهقة، تولّى لاحقاً مناصب عدّة في خدمات الإسعاف والطوارئ وإدارة الكوارث، قبل أن يشغل منصب مدير العمليات وإدارة الكوارث. درس إدارة الأعمال في جامعة القديس يوسف بين عامَي 1983 و1987، وتابع دراسة الحقوق في الجامعة اللبنانية. كما يشغل عضوية اللجنة الدائمة للصليب الأحمر والهلال الأحمر، وهي الهيئة العليا للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
