Arab
خلصت نخبة اقتصادية تضم أكاديميين وبرلمانيين ومسؤولين إلى أن الأزمة المالية التي تواجه مصر منذ سنوات، التي تدفعها إلى اللجوء إلى مزيد من الاقتراض سنوياً، بما يهددها بالوقوع في "فخ ديون"، لن تحل إلّا ببناء اقتصاد إنتاجي قادر على توليد الدولار وتقليل الاعتماد على الخارج، مؤكدين أن الدولة لم تعد تواجه أزمات محلية فحسب، بل أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل كبرى للنظام العالمي، فإذا لم تبحث عن موضع لها، ستكون خارجه.
وطالب الاقتصاديون، السلطات بخوض معركة شديدة التعقيد للحفاظ على علاقاتها مع "الشرق والغرب" في آن واحد وجذب الاستثمارات والتمويل من الجميع دون الوقوع في فح الاصطفاف الكامل خلف أي محور، والعمل على ألّا تظل أسيرة لفجوات التمويل وصدمات الخارج وصراعات الكبار. وبدا السؤال المطروح من الاقتصاديين الذين شاركوا في ندوة موسعة، بكلية التجارة في جامعة عين شمس بالقاهرة، أقرب إلى سؤال وجودي بالنسبة لمصر حول كيف يمكن لدولة نامية تعاني ضغوط الدين والتضخم ونقص العملة الأجنبية، أن تجد لنفسها مكاناً داخل نظام عالمي يتغير بسرعة غير مسبوقة، وسط عالم تتصدعه الحروب التجارية، وتعيد فيه القوى الكبرى رسم خرائط النفوذ المالي والتكنولوجي؟.
واقع مصر في ظل التحولات الاقتصادية العالمية
تحولت الندوة التي جاءت بعنوان "النظام الاقتصادي العالمي الجديد... من الهيمنة الغربية إلى التعددية القطبية"، مساء أول أمس الخميس، من مجرد نقاش أكاديمي حول الاقتصاد الدولي، إلى محاولة لفهم موقع مصر داخل عالم لم تعد تحكمه القواعد التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ قدّم أستاذ الاقتصاد الدولي في كلية التجارة، عيد عبد القادر الكيلاني، صورة واسعة للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، موضحاً أن النظام الاقتصادي الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بعد مؤتمر "بريتون وودز" عام 1944، دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة اضطراب غير مسبوقة.
وأوضح الكيلاني أن النظام الذي قام لعقود على هيمنة الدولار، وحرية التجارة، والعولمة الاقتصادية، بدأ يتعرض لهزات متتالية منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، وصعود دونالد ترامب، وصولاً إلى الحرب التجارية مع الصين، وجائحة كورونا، ثم الحرب الروسية على أوكرانيا. وقال إن العالم انتقل تدريجياً من مرحلة "العولمة والانفتاح" إلى مرحلة "الحمائية والتفتت الجيوسياسي"، إذ لم تعد الدول الكبرى تتحدث عن حرية التجارة بقدر ما تتحدث عن الأمن الاقتصادي، والانفصال التكنولوجي، وإعادة توطين الصناعات، وتأمين سلاسل الإمداد.
وأشار الكيلاني إلى أن الولايات المتحدة نفسها، التي قادت لعقود مشروع العولمة، أصبحت اليوم تعمل على تقليل اعتمادها على الصين، سواء عبر الرسوم الجمركية أو القيود التكنولوجية أو نقل الصناعات الحساسة إلى الداخل الأميركي. وبيّن أن خلف هذا الصراع التجاري، يكمن تحول أعمق في موازين القوة العالمية، إذ تراجعت الحصة النسبية للاقتصادات الغربية المتقدمة، بينما صعدت الاقتصادات الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بعدما كانت دول مجموعة السبع تمثل الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي، أصبحت الاقتصادات الناشئة والنامية تمثل اليوم نحو 59% من الاقتصاد العالمي، مقابل 41% فقط للاقتصادات المتقدمة.
وأوضح أنّ الصين التي كانت تحتل مرتبة متأخرة نسبياً مطلع التسعينيات، تحولت إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر قوة صناعية ومُصدّر عالمي، فيما أصبحت الهند إحدى القوى الاقتصادية الصاعدة بسرعة كبيرة. ويرى الكيلاني أن جوهر الصراع الحالي يتمثل في انتقال مركز الثقل الاقتصادي تدريجياً من الغرب إلى آسيا، وهو ما يفسر حجم التوتر بين واشنطن وبكين، إذ تنظر الولايات المتحدة إلى الصعود الصيني باعتباره تهديداً مباشراً لهيمنتها على النظام الدولي، لذلك تسعى إلى إبطاء هذا الصعود عبر الحروب التجارية والقيود التكنولوجية وإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، بما يفرض على مصر أن تحدد مكانتها وسط هذا العالم المضطرب.
افتقاد الرؤية الاستراتيجية
جاءت مداخلة البرلمانية السابقة وأستاذ الاقتصاد بالجامعة يمن الحماقي، لتضع النقاش في مساره الأكثر حساسية متسائلة، هل تملك مصر القدرة على الاستفادة من التحولات العالمية، أم ستظل مجرد دولة تتلقى آثار الصدمات الدولية دون قدرة حقيقية على التأثير؟. اعتبرت الحماقي أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالنظام العالمي فحسب، بل بقدرة الدولة المصرية نفسها على التحرك داخله، مؤكدة أن الدول النامية، ومنها مصر، أصبحت في كثير من الأحيان "مفعولاً بها لا فاعلاً"، لأن أغلبها يفتقد الرؤية الاستراتيجية وسرعة الاستجابة للتحولات الدولية.
وضربت الحماقي مثالاً بفيتنام، التي استفادت بصورة ضخمة من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، بعدما جذبت استثمارات وشركات عالمية نقلت جزءاً من إنتاجها خارج الصين، بينما لم تستطع مصر تحقيق استفادة مماثلة رغم امتلاكها مقومات جغرافية وبشرية وصناعية كبيرة وأقدم تاريخياً. وأشارت الحماقي إلى أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في نقص الموارد، بل في ضعف الإدارة والكفاءة والقدرة على اقتناص الفرص. وقالت إنّ مصر تمتلك إمكانات ضخمة في الصناعة والزراعة والصناعات الغذائية والمنسوجات، لكنها ما تزال عاجزة عن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة تصديرية حقيقية.
وأكدت أن أي دولة لا تستطيع أن تصبح لاعباً مؤثراً في النظام العالمي الجديد ما لم تمتلك قاعدة إنتاجية قوية، وقدرة تنافسية، ورؤية اقتصادية طويلة المدى. ورغم انتقاداتها المتزايدة لصندوق النقد، شددت الحماقي على أن المشكلة لا تتعلق بالصندوق أو شروطه فحسب، بل بكيفية إدارة الدولة لإقتصادها مؤكدة أن الاتفاق مع الصندوق يمنح الاقتصاد شهادة ثقة أمام المستثمرين والأسواق العالمية، لكنه لا يغني عن الحاجة إلى إدارة اقتصادية كفؤة قادرة على تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية.
دور التمويل الخارجي
في قلب النقاش، برزت مداخلة حضرها وزير المالية السابق والمدير التنفيذي الحالي في صندوق النقد الدولي محمد معيط، الذي حاول تقديم تفسير أوسع للعلاقة بين الأزمات العالمية والأزمة المصرية. وأوضح أن اللجوء إلى صندوق النقد لا يحدث عادة لأن الدول ترغب في الاقتراض، بل لأنّ الأسواق الدولية تصبح مغلقة أو شديدة الصعوبة أمامها، أو لأنّ الاقتصاد يواجه فجوات تمويلية حادة. وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يعاني فجوة واضحة بين ما ينتجه وما يستهلكه، موضحاً أن الناتج المحلي الإجمالي يبلغ نحو 389 مليار دولار، بينما يصل حجم الإنفاق إلى نحو 415 مليار دولار، بما يعني وجود فجوة تمويلية تقارب 26 مليار دولار.
وأشار معيط إلى وجود فجوة مماثلة في ميزان المدفوعات، إذ تبلغ صادرات السلع والخدمات نحو 64 مليار دولار، مقابل واردات تقارب 90 مليار دولار. وقال إنّ هذه الفجوات تعني ببساطة أن الاقتصاد يحتاج باستمرار إلى تمويل خارجي لتغطية احتياجاته من النقد الأجنبي. وشدد على أن الأزمة المصرية لا يمكن فصلها عن التوقيت العالمي شديد السوء الذي جاءت فيه برامج الإصلاح الاقتصادي، فمصر، بحسب قوله، بدأت تنفيذ إصلاحاتها الاقتصادية، ثم اصطدمت مباشرة بسلسلة من الصدمات العالمية الكبرى، كالحرب التجارية الأميركية- الصينية، ثم جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية- الأوكرانية، وما تبعها من انفجار في أسعار الطاقة والغذاء والفائدة العالمية وأخيراً الحرب في الخليج.
وأوضح أنّ هذه التطورات أضعفت السياحة وضغطت على قناة السويس وأدت إلى خروج الأموال الساخنة ورفعت تكلفة الاستيراد بصورة ضخمة، وهو ما جعل المواطن لا يشعر بوضوح بنتائج الإصلاحات رغم التكاليف الاجتماعية الكبيرة التي تحملها. وفي اعتراف جماعي من المتحدثين والمشاركين بالندوة خرجت الرسالة الأبرز التي تمثلت في أن مصر لم يعد أمامها ترف الاستمرار كنموذج اقتصادي يعتمد على الاقتراض والاستهلاك والاستيراد. وأجمع المتحدثون على أن العالم الجديد الذي يتشكل الآن لن يمنح مكانة حقيقية إلا للدول القادرة على الإنتاج والتصدير وامتلاك التكنولوجيا.

Related News
هوايات يومية قد تحميك من الخرف
aawsat
9 minutes ago
الصين: أبحاث جريئة حول إنجاب الأطفال في الفضاء
aawsat
10 minutes ago