في مديح الشاي
Arab
4 days ago
share
تُسرِف الأمم المتحدة في تعيين أيامٍ عالميةٍ لغير شأنٍ ومسألة، فقرّرتها للضمير ومتلازمة داون والغابات والأرصاد الجوية والملاريا والأرامل واليوغا والشطرنج ومانديلا والمرأة الريفية والتلفزيون... والقائمة تطول. غير أنه كان بديعاً منها أنها لم تنسَ الشاي، وجعلت له في العام 2019 يوماً عالمياً، 21 مايو/ أيار (صادف أول من أمس الخميس)، ومن أهداف صنيعها الحسن هذا، على ما أعلنت، "زيادة الوعي بالتاريخ الطويل والأهمية الثقافية والاقتصادية العميقة للشاي في جميع أنحاء العالم". ولا يعود ثنائي هذا على الهيئة الأممية إلى تطرّفي، العتيق والأزلي، في ولعي بالشاي (الأحمر) فقط، بل أيضاً إلى أن ثمّة إجماعاً كونيّاً على محبّة هذا الشراب العابر لثقافاتٍ وشعوبٍ وأممٍ وأزمنةٍ وجغرافياتٍ شاسعة، فضلاً عن أن تاريخاً مركّباً، له أبعادٌ ثقافيةٌ واجتماعيةٌ وسياسيةٌ واقتصاديةٌ ليست قليلة، للشاي، يعرّفك بها طوافٌ في ارتحالات زراعة نبتته من حيث أرضها الأولى، الصين، إلى المغارب والمشارق، وفي طرائق إعداد الشاي الساخن وتقاليد جلسات شُربه وطقوسها في طبقاتٍ وشرائح اجتماعيةٍ متنوّعة. ولمّا كان الصديق الباقي أمجد ناصر، من عُتاة شرّيبة الشاي (ربما تفوّق خيري منصور عليه في هذا)، فإن من أبدع ما كتب من مقالات "إكسير الحياة الأحمر القاني"، في "العربي الجديد" (26/5/2014)، وقد جال فيه، ببراعةٍ في الإيجاز، على أمزجة شعوبٍ عربيةٍ وآسيويةٍ وأوروبيةٍ في شربها الشاي. وهذه مناسبةٌ لإعلان اتفاقي مع أمجد في رؤيته أن "أكياس الشاي" قضت على نكهة الشاي وتقاليده. فالشاي الحقيقي، عنده (وعندي)، هو "الفلت". "ذلك الذي تتمدّد أوراقه المفروقة، أو المطوية، في الماء المغلي، لتنفث تلك الرائحة العبقة التي تنتشلك من أعمق آبار النوم، أو التي تعدك بانتعاش ونشوة". لم يطُل العمر بأمجد ليقرأ كتاباً أصدرته دار نينوى في دمشق، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، "تاريخ الشاي"، لمؤلفه الذي لا يعرّفنا المترجم، كرّام الصابوني، بأنه أميركي، فرانسيس ليغيت، ولا يعرّفنا بسنة كتابته، وإنْ يرجّح أنه كُتب في نهاية القرن التاسع عشر (ربما نشره صاحبه فيما بعد)، ما يعني أننا أمام نصٍّ يعود إلى أزيد من 125 عاماً. ولئن تعددت الكتب عن الشاي ومساراته، ولئن تنوّعت مداخل مؤلفيها ومقترباتهم في مسألة هذه النبتة وشرابها، فإن عتاقة هذا الكتاب، الممتع، واحدةٌ من ميزاته. وأظنّه أمجد، وقد كتب إن "تقاليد شرب الشاي الوحيدة عند الإنكليز كانت راسخةً ومقدّسةً عند الطبقة الأرستقراطية التي انقرضت، أما عوامّ الإنكليز فيشربونه، طول الوقت، ومن دون تقاليد تُذكر"، أظنّه كانت ستستوقفه كثيراً إضاءة هذا الكتاب أن عادة "شاي الساعة الخامسة" التي صارت من تقاليد الطبقة المُترفة في بريطانيا تعود أصلاً إلى نساء الطبقة العاملة قبل 150 عاماً (من صدور الكتاب). وتفيد هذه الإضاءة في الذي تذهب إليه بحوثٌ تقصّت في شؤون الشاي والأبعاد المتعدّدة في مسألته بأنك هنا أمام منظوماتٍ اقتصاديةٍ، وتحوّلاتٍ اجتماعية وثقافية. ولا أظنّه غالى فرانسيس ليغيت، عندما كتب أن "الشاي مع أنه نبتة، إلا أن له آثاراً اجتماعيةً تشبه آثار الثورة الصناعية نفسها. فقد تحوّل من شراب نخبةٍ إلى غذاء روح الطبقة العاملة، ومن مشروبٍ مستوردٍ غالي الثمن إلى سلعة وطنية يومية، ومن عادة خاصّة إلى رمز ثقافي شامل". ويرى أن "جغرافيا الشاي الإمبراطورية" وضعت الهند وسيلان في قلب المشروع الاستعماري البريطاني، لا بوصفها أسواقاً فقط، بل أيضاً لأنه مصدر إنتاجٍ أساسي. وثمّة في المسألة هذه تشريحٌ طويل، انكتبت فيه دراساتٌ وبحوثٌ غير قليلة. ... تحتاج سعةً من الوقت لتنقطع إلى درسٍ شديد الأكاديمية لتحسم في صحّة المفاجأة (على ما أراها) في الكتاب، الثقيل القيمة وقليل الصفحات (120 تتضمّن ملحقاً أضافه المترجم)، أن الصين ليست المهد الأول لنبتة الشاي. وأن هذا كان "ظنّ" علماء النبات، ولكن "تبيّن لاحقاً أن الهند كانت مهده الأول، حيث تنمو نبتته البرّية خفيّةً في الغابات، مكتملة الجمال، حتى لتضلّ الناظرين، وتخدع العارفين، وقد مرّوا بها من دون أن يعرفوها". ليس هذا الأمر من شواغل شرّيبة الشاي الذي "يبهج النفس من دون أن يُسكِر"، في قولٍ منقول. وفي المختتم والمبتدأ، صحّ ما أتاه صاحب الكتاب قبل زمن بعيد عن الشاي "كصوت داخليٍّ يهمس في إيقاع الحياة، يعين على العمل حيناً، وعلى التأمل حيناً، وعلى مواصلة العيش دائماً".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows