Arab
أشار الفنّان السوري فارس الحلو في ندوة عقدها، ضيفَ شرفٍ في مهرجان ليالي المسرح الحرّ الدولي في عمّان قبل أيّام، إلى صعوبة عودته إلى الكوميديا، فوصفها بـ"المغامرة"، وأثار سؤالاً يتعلّق بقدرة السوري على الضحك مع هذا "الجرح الساخن" من دون أن يشعر بالخيانة تجاه ضحاياه، أو أن يبقى الضحك مرّاً من دون عدالة ومساواة نادت بهما الثورة السورية.
من نافل القول إنّ الكوميديا تزدهر في أوقات الاستقرار النسبي، وحين تجد مادّةً يوميةً تكون موضوعاً للسخرية. البيروقراطية والفساد والنظام واللانظام والتفاوت الطبقي ومفارقات الحياة القاسية... كانت جميعها، طوال عقود حكم آل الأسد، مكوّنات كوميديا سورية عظيمة، توافر لها كتّاب وممثلون ومخرجون موهوبون. لكنّ الأكثر أهمّيةً أنّها وُلدت من مجتمع امتلك القدرة على رؤية تناقضاته والشجاعة الكافية للسخرية منها، ومن أنفسهم ومن السلطة ومن الفساد ومن النفاق الاجتماعي، حتّى حين يلجأ النصّ إلى التلميح بدل التصريح، وإلى الإشارة بدل الشرح المباشر، معوّلاً على براعة المُشاهد السوري، والعربي أيضاً، في التقاط المعنى الخفي. واليوم، ضاقت المسافة النفسية بين الإنسان السوري وألمه، تلك المسافة الضرورية للكوميديا. يخبرنا تاريخ السينما أنّ الكوميديا السوداء لم تزدهر في سنوات الحرب العالمية الثانية، بل بعد انتهائها، حين صار النظر إلى الرعب من بعيد ممكناً، وأصبح بالإمكان تحويله إلى مادّة للتأمّل والسخرية المريرة. وليس صحيحاً دائماً أنّ الكوميديا نقيض المأساة؛ فربّما كانت أعظم كوميديا هي تلك التي خرجت من رحم الألم، ولم تبقَ تهريجاً سياسياً. فقد ذاق تشارلي شابلن طعم الفقر والتشرّد والقسوة، وحاول في "الديكتاتور العظيم" مثلاً تحطيم صورة الطغيان بالسخرية التي تعرّي السلطة من هالتها المُقدَّسة، وتعيدها إلى طبيعتها الإنسانية الهشّة.
تناولت الكوميديا السورية، وفي تمدّدها عربياً، الخوف والهزيمة والعجز العربي. نتذكّر هنا دريد لحام ونهاد قلعي ورفيق سبيعي وأنور البابا وناجي جبر وغيرهم. وربّما فهم روّاد الكوميديا السورية المعاصرة هؤلاء أنّ المواطن المقهور يحتاج أن يرى صورته الساخرة في الشاشة كي لا يشعر بالوحدة المفرطة داخل هذا العبث الجماعي. ونقل ياسر العظمة الكوميديا السورية إلى مستوى مختلف من خلال "مرايا"، من الشخصية (الكاركتر) إلى تشريح يومي للمجتمع السوري نفسه: موظّف مرتشٍ، ومثقّف انتهازي، وأب متسلّط، ومواطن يتكيّف مع القمع الأمني ليصير جزءاً منه. كانت تلك المرايا أشبه بأرشيف سوري ساخر كامل منح السوريين قدرةً نادرةً على السخرية من السلطة ومن أنفسهم في آن. وفي اتجاه مشابه سار "بقعة ضوء" وغيره. إنّها الكوميديا مرآة يرى فيها الجمهور صورته، رغم مرارة الضحك. لكنّ الحروب تخلق، مع ما تدمّره من عمران، درجةً قصوى من الإنهاك النفسي. لم يعد السوري يمتلك الطاقة نفسها على الضحك الجماعي، وفي وسائل التواصل يبدو الضحك شخصياً، سريعاً رغم قسوته، ووقائياً، فليس هو ضحك مُشترَك، بقدر ما هو وسيلة حماية من الانهيار الشخصي، أو قل نكتة سريعة تناسب التوتّر اليومي الدائم، لا مشروع كوميديا تحتاج إلى مجتمع أكثر استقراراً وقدرةً على التأمّل وثقةً بالمستقبل. السخرية، في جوهرها، فعل طمأنينة، ولا يمكن أن تطلب من الناس أن يضحكوا غصباً، وإلا بدا ذلك استغلالاً عاطفياً، أو استثماراً مباشراً في المأساة نفسها. وفي ظلّ استقطاب حادّ يصنع العداء لـ"الآخر" تتحوّل السخرية إلى سلاح طائفي موجّه إلى "الآخر".
تحتاج سورية ما بعد سنوات الحرب إلى كوميديا أكثر هدوءاً وتأمّلاً، تستعيد علاقة السوري القديمة بالضحك، من دون أن تنكر الخراب أو تتاجر به. ومهما بدت الكوميديا اليوم مستحيلةً في سورية، فإنّها تبقى ضرورةً مؤجّلةً. لن تتعافى البلاد بإعادة الإعمار والاقتصاد والسياسة وحدها، وهي مسارات لا تزال متعثّرة، بل حين تستطيع أن تنظر إلى نفسها مجدّداً، ولو بابتسامة تعبة، من دون أن تشعر بالخيانة تجاه من رحلوا ظلماً ولا يزالون يرحلون، ومَن نُكبوا ولا ينفكّون منكوبين. تحتاج سورية إلى كوميديا تسخر من تناقضات الاجتماع السوري، وتقبض على التناقض الرئيس بين السلطة والمجتمع، ولا تلزمها سخرية تنتجها تناقضات "الهُويّات الفرعية".

Related News
المصريون يحتفلون بالعيد في الشواطئ والحدائق
aawsat
14 minutes ago
إسرائيل ترسخ استيلاءها على الضفة الغربية بـ«سجل الأراضي»
aawsat
14 minutes ago