لندن ساحة فريدة للتضامن مع فلسطين
Arab
4 days ago
share
باتت مظاهرة يوم السبت الأسبوعية في لندن للتضامن مع الشعب الفلسطيني تمريناً نموذجياً، لجهة الضغط على أصحاب القرار، والتعريف بالقضية الفلسطينية، وتشكّل، في الوقت نفسه، درساً للعالم في السياسة والأخلاق. وكانت الذروة يوم 16 من مايو/ أيار الحالي، بمناسبة الذكرى الـ78 للنكبة الفلسطينية. وزاد في تميّزها هذا العام أنّها جاءت في وقت حاول فيه أنصار اليمين المتطرّف في بريطانيا استفزاز أنصار فلسطين والتظاهر في اليوم نفسه. ونظراً إلى المخاطر، فرضت شرطة لندن أعلى درجات السيطرة الأمنية باعتماد إجراءات استثنائية تشمل استخدام كاميرات التعرّف الحيّ إلى الوجوه، وذلك للمرّة الأولى في أثناء مظاهرة جماهيرية، كما نشرت مركبات مدرّعة في حالة تأهّب، إضافةً إلى طائرات مسيّرة لمراقبة الحشود ورصد المطلوبين، وجرى تزويد جميع عناصر الأمن بمعدّات مكافحة الشغب. وبموجب الخطّة الأمنية، التي قُدّرت تكلفتها بنحو 4.5 ملايين جنيه إسترليني، فُرضت قيود صارمة على مسارات التظاهر، وحُمّل منظّمو الفعّاليات مسؤولية المنشورات في المنصّات العامّة لضبط المناوشات السياسية، ولمنعها من الانفلات بسبب نزعات خطاب الكراهية أو دعوات التمييز ضدّ مجموعات بعينها. وأُلزم المنظّمون بتحمّل مسؤولية توجيه الرسائل بشكل واضح وسلمي، مقابل أن تؤمِّن السلطات الحماية لحقوق المتظاهرين والمارّة على حدّ سواء، مع تطبيق مبدأ التناسب في التعامل الأمني. لم يسبق لأيّ عاصمة أوروبية أخرى أن عرفت هذا الشكل من التضامن مع فلسطين، أو شهدت تواتر المظاهرات المؤيّدة للحقوق الفلسطينية، وتزايد عدد المشاركين فيها، وتجنيد السلطات قوات أمن كبيرة من أجل حماية المتظاهرين، ومنع حصول تجاوزات أو اعتداءات من قبل أطراف وقوى صهيونية ويمينية متطرّفة. وتستحقّ شرطة لندن التقدير، لأنّها أدّت هذا الدور بجدارة، في وقت تنصّلت فيه عواصم أخرى من هذه المهمّة. ويعود هذا النجاح إلى أمرين: القيود الصارمة التي فرضتها الشرطة والقواعد التي وضعتها. والتزام المتظاهرين بالخطوط الحمراء واحترامهم التعليمات الخاصّة بأكبر عمليات الانتشار الأمني المرتبطة بالمظاهرات منذ عقود. وهذا بحدّ ذاته إنجاز ينمّ عن وعي سياسي انعكس إيجاباً على القضية نفسها، وساهم في حثّ المتردّدين والخائفين على النزول إلى الشارع، وإشهار تضامنهم مع فلسطين. ما يبعث على الأسف أنّ هذا التضامن لم يترجم إلى نتائج فورية تكبح السياسات الرسمية الإسرائيلية العدوانية التي زادت حدّتها، بل تواصل القتل في غزّة والضفّة الغربية، وتوسّعت حدود الاستيطان إلى مساحات واسعة من أرض فلسطين. والهدف دفن مشروع قيام دولة فلسطينية مستقلّة على حدود 1967. ومن الواضح أنّ الزخم التضامني الكبير مع فلسطين، على امتداد العالم، لم يتحوّل إلى فعل سياسي يضع القضية الفلسطينية في نصابها، لكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ شيء مرّ من دون مردود نافع، بل أدّى إلى حصول تحوّلات مهمّة، أبرزها أنّ صورة إسرائيل لدى الرأي العام العالمي باتت في الحضيض، وأصبحت إسرائيل تعيش عزلةً سياسيةً وأخلاقيةً لم تشهدها منذ قيامها، وزاد الالتفاف حول الحقوق الفلسطينية، وهذا يعني أنّ القضية الفلسطينية تجاوزت محاولات طمسها وتهميشها، وهي محاولات تعمل عليها حكومة بنيامين نتنياهو الاستيطانية، وصارت في وضعية لا يمكن التراجع عنها. ... يرتّب درس لندن مسؤوليات على السلطة الفلسطينية والعرب من أجل البناء على هذا الإنجاز وعدم تركه يتبدّد، وشرط ذلك التحرّك الفعّال على المستوى الدولي، وإحياء مبادرات السلام العربية، وآخرها التي صدرت عن القمّة العربية في بيروت (2002). وعلى عكس ما يعتقد بعضهم، المناخ الدولي مهيّأ اليوم من أجل البحث عن حلّ للقضية الفلسطينية في ضوء الفشل الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows