Arab
في مشهد لافت في انتخابات مؤتمر حركة فتح الثامن في رام الله، بدا اسم مروان البرغوثي حاضراً أكثر من مرشَّحين كثيرين فيه لانتخابات اللجنة المركزية للحركة. فمعظم القوائم، بل معظم الشخصيات المتنافسة، حرصت بدرجات متفاوتة على استدعاء الرجل، أو التلميح إلى قربها منه، أو الإيحاء بأنّها تمثّل امتداداً لخطّه السياسي والوطني. ويطرح هذا الحضور الكثيف سؤالاً يتجاوز فكرة الوفاء الشخصي أو التقدير النضالي: هل ما جرى كان بالفعل تعبيراً عن احترامٍ لمروان البرغوثي، أم أنّ الرجل تحوّل إلى "رأسمال رمزي" تتنافس القوى المختلفة على استثماره سياسياً؟
في السياسة، خصوصاً داخل الحركات التاريخية التي تعاني أزمات شرعية وتجديداً، لا تُستدعى الرموز دائماً بدافع الحبّ أو الوفاء. أحياناً يُستدعى الرمز لأنّ الجميع عاجز عن تجاوزه. وأحياناً لأنّ اسمه يمتلك ما فقده الآخرون: الشرعية الشعبية، والرصيد الأخلاقي، وصورة "القائد النظيف" غير المُستهلَك في صراعات السلطة اليومية. ومروان البرغوثي، رغم سنوات الأسر الطويلة، بقي في الوعي الفلسطيني أقرب إلى "الرمز المؤجّل"؛ الرجل الذي لم تُستهلك صورته في تفاصيل الحكم، ولم تُرهقه تناقضات السلطة، ولم يدخل في شبكات المصالح التي أضعفت صورة قيادات تقليدية كثيرة. ولذلك، قد لا يكون الالتفاف حول اسمه في موسم انتخابي دليلاً على قوّة الجميع، بل ربّما دليلاً على ضعف الجميع أمام قوّة الرمز. ثمّة جانب آخر أكثر تعقيداً، وربّما أكثر "خبثاً" في المسألة، فالاستناد إلى اسم البرغوثي يمنح بعض المرشَّحين فرصة استعارة شرعية لا يملكونها ذاتياً. هنا يصبح الرجل أشبه بـ"علامة سياسية" جاهزة للتوظيف: من يقترب منها يكتسب شيئاً من وهجها الشعبي. وليست هذه الظاهرة جديدةً في الحركات السياسية؛ فعندما تدخل التنظيمات في حالة تآكل داخلي، تبدأ النُّخب بالاحتماء بالرموز التاريخية أو الكاريزمية لتعويض نقص الثقة الجماهيرية.
الرجل الغائب جسداً عن المشهد، الحاضر خلف القضبان، ما يزال قادراً على فرض نفسه على سباق داخلي يفترض أنّه يبحث عن المستقبل
وما يعزّز هذا التفسير أكثر هو الملاحظة اللافتة المتعلِّقة بالغياب شبه الكامل لياسر عرفات من المشهد البصري للمؤتمر. فالقائد المؤسّس، الذي ظلّ عقوداً الرمز الأعلى لحركة فتح وللهُويّة الوطنية الفلسطينية، لم تعد حتّى صورته حاضرةً في خلفية المنصّة كما كان يحدث تقليدياً في مؤتمرات الحركة ومناسباتها الكُبرى. وليس هذا الغياب تفصيلاً بروتوكولياً عابراً، بل يحمل دلالةً سياسيةً ورمزيةً عميقةً. فحين يتراجع استدعاء "أبو عمّار" الرمز المؤسّس الجامع، مقابل الصعود الكثيف لاسم مروان البرغوثي، قد يعني الأمر أنّ القيادة الحالية لم تعد ترى في إرث عرفات رصيداً انتخابياً فعّالاً بالقدر نفسه، أو أنّها تدرك أنّ صورة السلطة التي تشكّلت بعد اتفاقية أوسلو (1993) استهلكت كثيراً من قدرة هذا الإرث على التعبئة.
ومن هنا تحديداً، يصبح استخدام اسم البرغوثي أكثر إثارةً للتساؤل. فإذا كان الرمز التاريخي المؤسِّس نفسه لم يعد صالحاً للاستثمار الانتخابي، بينما يجري التمسّك المكثّف برمز أسير غائب، فقد يكشف هذا قدراً كبيراً من الانتهازية السياسية، أي البحث عن أيّ رصيد عاطفي أو نضالي قابل للاستهلاك الجماهيري، بصرف النظر عن مدى الالتزام الحقيقي بمشروع صاحبه أو أفكاره. بمعنى آخر، قد لا يكون مروان البرغوثي حاضراً لأنّ الجميع مؤمن بخطّه، بل لأنّ اسمه ما يزال قادراً على سدّ فجوة الشرعية التي تعانيها النُّخب المتنافسة، فالرجل الغائب جسداً عن المشهد، الحاضر خلف القضبان، ما يزال قادراً على فرض نفسه على سباق داخلي يفترض أنّه يبحث عن المستقبل. وهذا بحدّ ذاته مؤشّر على أزمة بنيوية داخل الحركة، فيبدو الماضي أكثر حضوراً من المستقبل، والرمز الأسير أكثر تأثيراً من القيادات الحرّة. الأمر لا يتعلّق فقط بشخص مروان البرغوثي، بل بما يمثّله. فهو عند قطاعات واسعة داخل حركة فتح وخارجها صورة "الفتحاوي المقاوم" الذي جمع بين الشرعية التنظيمية والرمزية الوطنية. ولهذا يكشف التنافس على اسمه، في جوهره، صراعاً على تعريف هُويّة "فتح" نفسها: هل هي حركة سلطة أم حركة تحرّر؟ هل تمثّل البيروقراطية السياسية أم روح الانتفاضة؟ وفي هذا السياق، قد يكون أخطر ما في هذه الظاهرة أن يتحوّل البرغوثي من مشروع قائد سياسي حقيقي إلى مجرّد "رصيد انتخابي" أو "ديكور شرعي" تستخدمه القوائم لتحسين صورتها.

Related News
ساندي بيلا: «سفن دوجز» رفع سقف طموحي فنياً
aawsat
15 minutes ago
الجزائر تغلق غاباتها هذا الصيف
aawsat
15 minutes ago