خطيئة الاعتماد على الإعلام الإسرائيلي
Arab
4 days ago
share
أسوأ ما أنتجه "ترند" جيش المؤثّرين في وسائل التواصل الاجتماعي، منذ سنوات، متابعتهم الإعلام الإسرائيلي لمعرفة "ما يجري داخل العقل السياسي والأمني الإسرائيلي". هي حقيقة سيّئة بقدر ما هي انغماس إلى درجة التماهي مع القصص التي تسردها وسائل الإعلام الإسرائيلية، تحديداً المتعلّقة بالجيش أو بالحكومة. وينسى المؤثّرون وغيرهم أنّ الرقابة على الإعلام في إسرائيل، زادت أو نقصت بعد "7 أكتوبر" (2023)، موجودة، وتتحكّم بالرواية التي تصل إلى جمهور غير إسرائيلي. ولم يتعلّم المؤثّرون، ولا غيرهم، من خطيئة الاعتماد على الإعلام الإسرائيلي القادر على خدمة ما يريده الجيش والحكومة، ولو بصورة غير ظاهرة. الأكثر أهمّيةً، بعيداً من الجمهور العام، الصحافيون والعاملون في مهنة الإعلام، تحديداً مَن يدركون أهمّية الرقابة على الإعلام في إسرائيل، يتجاهلون هذه الحقيقة، ويتناسون أنّهم يُمكنهم تفادي الترميز في الصحف والتلفزيونات الإسرائيلية، لأنّها ليست في خدمة أيّ قضية محقّة، ولو بدت "أخطاؤها" في السماح بزلّات اللسان خارجةً عن السيطرة، لأنّ مفهوم السيطرة والتحكّم بالروايات أكبر من مجرّد حرّية تعبير في إسرائيل. مثال على ذلك، يسرد الإعلام الإسرائيلي "مظلومية" جنوده في التعرّض لمسيّرات حزب الله، سواء في الأراضي اللبنانية المحتلّة أو في المستوطنات. يأخذ بعض الإعلام هذه الروايات، ويبني عليها تصوّرات المراحل المقبلة، متجاهلاً حقيقة أنّ الترويج الإسرائيلي "المظلومية" يُعدّ محاولةً لحشد رأي عام داخلي وخارجي لعمل أكبر في لبنان. ليست القضية مشابهةً لصواريخ كاتيوشا في تسعينيّات القرن الماضي، ولا في الكورنيت في حرب 2006، بل في أنّ إسرائيل دخلت مرحلة ما بعد "7 أكتوبر". ومخطئ من يعتقد أنّ قواعد اللعبة ستبقى كما كانت قبل ذلك اليوم، حتى لو أنّ مسيّرات حزب الله تشكّل أزمةً وجودية لإسرائيل. هنا، يبدو الغرق في أفكار جامدة، أو تكرار لازمة لم تؤدِّ سوى إلى الفشل، أكبر من مجرّد قصر نظر، بل خطأ كبير واستراتيجي يمسّ صميم وجود مجتمعات برمّتها، وتفكيرها. من الصعب تجاهل حجم الفجوة بين الأرض اللبنانية التي تكشف عن تهجير عشرات القرى واحتلالها مباشرة أو بالنار وجرفها وتدميرها وسقوط ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف شهيد وأكثر من سبعة آلاف جريح، والتركيز فقط على أنّ حرب المسيّرات تُؤتي ثمارها، ولو قُتل مائة جندي إسرائيلي بسببها. وإذا كان الغرض من المسيّرات استنزاف القدرات العسكرية الإسرائيلية، فتلك أيضاً مشكلة أخرى، تتعلّق بسوء فهم طبيعة العقل العسكري الإسرائيلي. أكثر من هذا، إذا كان الاعتقاد أنّ سقوط رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في انتخابات مقبلة سيُنهي مسار الدم في الجبهة اللبنانية، فلن يعدّ هذا نقصاً في الوعي السياسي، بل قمّة الجهل بطبيعة التركيبة الإسرائيلية. الأوفر حظاً لخلافة نتنياهو، إذا لم يعد إلى رئاسة الحكومة، هو نفتالي بينت، الذي رأَس الحكومة بين عامي 2021 و2022. ولمن لا يعرف موقفه بشأن حزب الله عليه معرفة، أوّلاً، أنّ بينت ونتنياهو ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان وغيرهم، قد يختلفون في الداخل سياسياً، لكن مواقفهم واحدة في كلّ الجبهات، مع تفاوت التكتيكات. بينت نفسه، تحدّث في 18 مارس/ آذار الماضي، عن "تحرير الشمال وتفكيك حزب الله"، وذلك خلال تفقّده موقع سقوط أحد صواريخ الحزب في نهاريا. واتّهم، في مايو/ أيار الحالي، الحكومة الإسرائيلية الحالية باتباع "سياسة احتواء" ضدّ حزب الله، وحثّها على "السماح للجيش الإسرائيلي بالانتصار". يوحي بينت بأنّه، في حال خلافته نتنياهو، سيدفع جيش الاحتلال إلى التحرّك أكثر في لبنان، بحجّة "إيجاد حلول للمسيّرات" بدعمٍ أميركي. ويعني هذا حكماً أنّ حلّ المسألة اللبنانية لن يكون كما حصل سابقاً. مع العلم أنّ ألف باء أيّ محاولة لإخراج لبنان من دوّامة الموت، تبدأ بوقف اعتبار الإعلام الإسرائيلي مصدراً موثوقاً به، والإقرار بأنّه مجرّد أداة أخرى من أدوات الأمن، تحديداً بما يتعلّق بالرقابة. الأمر الثاني، فهم أنّ الحاجة لاسترداد الأراضي اللبنانية، المُعترَف بها دولياً، لا تحتاج استخدام أدوات الماضي، بقدر ما تبدأ بحلول جذرية، تؤمن بأنّ الناس والأرض أولوية هنا، قبل الاعتماد على فرضية أنّ الحلول المقبلة ستترك الملفّات عالقةً إلى حقبة أخرى، بما يشبه هدنة متكرّرة. المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى عواطف أو أيديولوجيات، بل إلى قناعة بأنّ الواقع يفرض مستوىً آخر من التعاطي معه.  

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows