نسخنا التي يصنعها الخوف
Arab
1 hour ago
share
قرأت دراسةً قبل أيّام تستند إلى نظرية جديدة لعلماء الكوانتوم، فيها أنّ الزمن لا يتقدّم إلى الأمام بل ينطوي على نفسه، وأنّ أفعالنا الحالية قد تعيد تشكيل ماضي حياتنا. بمعنى أن الزمن في الحاضر كتلة تنتج نفسها بناء على تفسير كتلة الزمن في الماضي المبنية على تغير كتلة الحاضر. تنفي هذه النظرية فكرة الثبات عن الماضي، وتمنحه صفات المادة المتغيّرة التي تُعاد صياغتها كلّما نتذكّرها بوعي جديد. وكأننا كلّما تقدّمنا في الوعي شكلنا ماضينا بطريقة أخرى عبر تفسير أنماط سلوكنا الماضية بناء على وعينا الجديد. هكذا يصبح الماضي والحاضر مادّةً واحدةً تتبادل الأدوار وتتنقّل داخل وعينا للزمن، وكأنّنا في تفسير سلوكنا الماضي نكتشف نسخةً ما من النسخ العديدة التي يمتلكها كلّ منا. تبدو الهُويّة الشخصية هنا كما لو أنّها أرشيف متحرّك ومتجدّد، فالذاكرة التي تعيد الماضي تعيده بناء على ردّات الفعل الحالية، كما لو أنّ صور الماضي الشخصية، والعامّة، تقتحم الذاكرة وتمرّ عبر فلاتر ذاتية تتبدّل باستمرار وتتغيّر بحسب المعطيات الزمنية الخاصّة بالشخص نفسه وبالمحيط حوله، المحيط الاجتماعي المرتبط بالسياسة والاقتصاد على وجه التحديد، فكلّما ازداد وعي أحدنا بالمتغيّرات حوله، ازداد عدد الشخصيات والذوات التي يحملها وتظهرها له الذاكرة كما لو كانت أرشيف صور متنوّعة، لكنّها بخلفية واحدة. هذه النسخ المتعدّدة غالباً ما تتشكّل نتيجة الصدمات الشخصية والجمعية. إذ قد تخلّف الصدمات وراءها خوفاً يصعب التخلّص منه، فتلجأ النفس البشرية إلى اختراع نسخ مضادّة للنسخة الحقيقية في نوع من الحماية من الانهيار؛ وتظهر هذه النسخ أو الشخصيات أيضاً في الأوقات الصعبة والأحداث المخيفة مثل التهديد الوجودي أو الابتزاز العاطفي العنيف، هنا تستعيد الذاكرة أحداثاً ماضيةً ترتبط بالشخص أو بمحيطه (تجارب معاشة أو متوارثة عبر الثقة) ومع هذه الاستعادة تظهر نسخة ما لتبقى تحت الضوء. والنسخة التي يقدّمها أحدنا إلى الآخرين في لحظة التهديد الوجودي، قد لا تكون نسخةً تشبهه، لكنّها تقدّم له الحماية (أو هكذا يعتقد) في لحظات الخطر والتهديد الوجودي. هذه النسخة مستعارة من طبقات ماضية ومركّبة نفسياً لتبدو مقنعةً، كما لو أنّها امتداد في الزمن أو وعي جديد له، لكنّها في الحقيقة ليست أكثر من ضمور للزمن واختزاله كمّياً في لحظة الخوف تلك. يجعلنا الخوف أحياناً نكتب هُويّات جديدة لنا، أو نصدّق هُويّةً جديدةً كتبتها لنا سلطة أعلى تمتلك سلاح الترهيب ولا تمتلك هي نفسها هوُيّةً ثابتةً، ذلك أنّ نسختها الحديثة المقدّمة هي نسخة الخوف الذي حظي بانتصار حديث، غالباً ما يكون مؤقّتاً مهما طال، نسخة الضحية التي لم تعد مهزومةً على ما يبدو، لكنّ آليات الزمن قد تجعلها بعد حين تعود إلى موقعها وهُويّتها الأولية: ضحية مهزومة مهما سعت إلى محاولات إبراز نسخة القوّة الأبدية أو الإلهية. أحياناً، من شدّة الخوف، نتماهى مع هذه الهُويّة الجديدة إلى حدّ الإيحاء الكامل للآخرين أنّ هذه هُويّتنا الوحيدة والنهائية التي تشكّلت نتيجة الوعي والتفكير. لكن الحقيقة أنّ هذه الهُويّة ليست سوى نتاج تواطؤ النفس مع سلطة الترهيب التي تحيط بنا في هذه اللحظة، سلطة تبحث عن أمانها وبقائها بادعائها التحوّل إلى ذات أخرى، أو بتسليطها الضوء على النسخة الموروثة من الخوف الوجودي الجمعي الذي لا ينتبه إليه الآخرون، ولا يكترثون لوجوده في تفاصيل النسخة المقدّمة لهم، ذلك أنّهم، أنفسهم، يعيشون ضمن طبقات من ماضي الخوف الذي أنتج ولا يزال ينتج شخصيات ونسخاً متعدّدة منهم. يجعلنا الخوف نصدّق أنّ فكرة تبديل الشخص لهُويّته أو لنسخته الأخيرة أمرٌ عاديٌّ وورادٌ، وتجعلنا المتغيّرات الراهنة نصدّق هذا أيضاً إن أصبحنا فجأةً في موقع السلطة وتقمّصنا هُويّتها. هنا، أيضاً، نعيش في الماضي المُنتَج حديثاً نتيجة تبدّل الأدوار، حيث ماضينا، بوصفنا ضحايا أو جلّادين، يُستعاد اليوم ونحن ندور في دائرة واحدة نتبادل فيها المواقع فقط، بينما الزمن يحشرنا بين طبقاته، ويعيد إظهارنا نسخاً جديدة تشكّلت نتيجة تاريخ من الخوف والشكّ والرعب ومحاولات النجاة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows