من يصنع قوانين الأسرة في مصر؟
Arab
1 hour ago
share
المطالب منذ سنوات في مصر بتعديل قوانين الأسرة، وهي سلسلة متفرّقة من القوانين تشمل الأحوال الشخصية للمسلمين وغيرهم، وبالطبع هناك مطالبات بقانون موحّد عادل. وتحت هذه العناوين الكبيرة تتداخل عدّة قوانين ومسائل أساسية تتعلّق بالرؤية والنفقة ومسكن الزوجية والحضانة والولاية التعليمية وغيرها من المسائل شديدة الحساسية. وبالطبع، يثير هذا القانون الجدل العام منذ عقود، وتثور شبهات كثيرة بشأن تعديلاتٍ حدثت فيه، وبالذات التي رافقت انضمام مصر إلى اتفاقات "سيداو" (القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، وصعود خطابات عالمية منبثقة من مؤتمرات السكّان، وما كان يرافقها من جدل حول التحفّظات المتّخذة، وما يجب تعزيزه وما يجب التحفّظ عليه. فهذه التعديلات كلّها كانت تصبّ في اتجاه فرداني واحد فقط، وهو تعزيز حقوق المرأة، وكأنّ المرأة المصرية قبل هذه الاتفاقات لم يكن لها حقوق، بينما كانت الأُسر المصرية والمرأة المصرية أكثر استقراراً وأماناً، وكانت الجرائم بحقّ النساء في حدودها الدنيا، وبما لا يقارن أبداً بالواقع الحالي، بعد أربعة عقود من "سيداو" وصعود خطاب نسوي متشدّد يستمدّ شرعيته منها، وينتج بالضرورة نقيضه من خطاب ذكوري، وإن كان موجوداً من قبل، إلا أنّه لم يكن متجذّراً وواعياً بذاته إلى هذا الحدّ. حقائق اقتصادية واجتماعية مؤلمة والظنّ أن التعديلات الحالية، والسابقة، لقوانين الأحوال الشخصية لن ستسهم في تجاوزها أو تخفيفها، بل ستفاقمها يجادل رجال كثيرون، والناشطون منهم في المجال العام، بأنّ الوضع في مصر، خصوصاً وضع الأسرة والاستقرار المجتمعي بعد أربعة عقود من "سيداو" والخطاب النسوي بأطيافه كلّها، أصبح على المحكّ. فقد أصبحنا أمام تضاعف غير عادي لحالات الطلاق، التي ارتفعت إلى أكثر من أربعة أضعاف في الربع القرن الماضي فقط، من قرابة 70 ألف حالة في عام 2000 إلى أكثر من 274 ألف حالة في 2024، وتضاعف متوسّط سنّ الزواج من 20 عاماً في ذلك التاريخ، ليقترب من 30 عاماً أخيراً، بما يعنيه هذا من ضغوط نفسية واجتماعية على الشباب والفتيات على السواء. وبالطبع، هناك أرقام متناثرة (ومتداولة) كثيرة عن حالات الخلع والطلاق بأنواعه من طريق المحاكم، إلا أنّ نشرة الزواج والطلاق الصادرة أخيراً عن الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء تقول الكثير، ويجب تحليلها بدقّة. فوفقاً للنشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024، كان عنوانها الأبرز: "2.5% انخفاض في عقود الزواج و3.1% ارتفاع في حالات الطلاق عام 2024". وإذا كان الطلاق خلعاً يشكّل حوالي 81.3% من إجمالي أحكام الطلاق النهائية، في عام 2023 مثلاً، فإنّ إجمالي أرقام الطلاق عبر المحاكم نفسها لم يكن كبيراً، إذ لم يتجاوز 10683 حالة. وبالتالي، هناك مبالغات في الحديث عن طلاق عبر المحاكم ومطلّقات عبر المحاكم، لكنّ ارتفاع معدّلات الخلع حقيقة ثابتة، كما أنّ الارتفاع في أحكام الطلاق في 2024 بنسبة زيادة قدرها 32.9% من جملة الأحكام. وبينما يتصاعد خطاب نسوي يتّهم الرجال بالخيانة الزوجية، فإنّ 2019 الذي شهد أعلى معدّلات الطلاق في المحاكم لم تكن فيه سوى 11 حكم طلاق بسبب الخيانة الزوجية. ورغم الحديث المكثّف عن الزواج من أجنبيات، فإنّه في عام 2023 مثلاً لم يكن هناك أكثر من 2474 مصرياً متزوّجين من أجنبية، من بين أكثر من 961 ألف حالة زواج، أي لم تكمل 0.25%، وهي أرقام محدودة. في المقابل، يجادل تيّار متشدّد داخل بعض الأوساط النسوية بأنّ هذه الحقوق والمكتسبات، المتحقّقة لهن عبر هذه الالتزامات والاتفاقات الدولية، لا يمكن التنازل عنها، بل لا بدّ من تعظيمها ولو على حساب المجتمع ورجاله. فيردن الاحتفاظ بالحضانة حتى سنّ 18 للولد، وحتى الزواج للبنت، وكأنّها حضانة أبدية لا تقرّها أيّ شرائع سماوية أو قوانين، أو حتى "سيداو" نفسها. كما يتمسّكن من الشرع بالحقّ المطلق في سلسلة من النفقات والحقوق، بغضّ النظر عمّا يفرضه الشرع نفسه عليهن من طاعة، ومن ولاية مطلقة للأب على أبنائه وزوجته وماله، ويقتطعن من كلّ مذهب ما يخدم هذه الأفكار المتشدّدةة، ويردن فرضه قسراً على رجال مصر. في هذه الأثناء، تغيب عدّة حقائق اقتصادية واجتماعية مؤلمة، فقد أصاب سوق الزواج ركود كبير، بعضه بسبب القوانين وتخوّفات الشباب من الالتزامات القانونية التي يرتبها الزواج، وهي نابعة أيضاً من ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية في بلد لديه واحدة من أعلى نسب بطالة وفقر الشباب في العالم، بل ونسبة غاية في الارتفاع للشباب خارج دائرة التعليم والعمل والتدريب. وهذه المؤشّرات لدى الفتيات أعلى، ما يجعلهن يواجهن ظروفاً أصعب. ولا أعتقد، كما لا يعتقد العقلاء من الرجال والنساء، أنّ التعديلات الحالية، والسابقة لقوانين الأحوال الشخصية، ستسهم في تجاوزها أو تخفيفها، بل ستفاقمها. وهناك إحصاءات حديثة إنّ 90% من الأسر المصرية تعيش من دخل أقلّ من 6500 جنيه. كما يعلم الجميع بعجز الحكومة عن تطبيق الحدّ الأدنى للأجور في الحكومة والقطاع العام، ناهيك عن قدرتها على تطبيقه في القطاع الخاص. وهناك ظروف عمل قاسية تواجه الجميع، وتواجه أكثر الفئات الهشّة التي تضطر للعمل بأجور متردّية وظروف عمل هشّة متردّية. ويواجه الجميع أزمة فقدان الثقة في المستقبل، وإمكانية الإفلات من الفقر وعدم توريثه للأبناء، وسط أزمة إسكان كبيرة وممتدّة، فلم تعد توجد شقّة في برّ مصرنا المحروسة بأقلّ من مليون جنيه، ولا يوجد قيراط أرض مبانٍ بأقلّ من هذا الرقم حتى في أطراف قرانا، ناهيك عن تكلفة مماثلة لبناء شقّة أو دور وتشطيبهاىفي هذه الأرض. نحن نتحدّث عن ظروف تجعل الزواج مستحيلاً في الأمر الواقع، والطلاق بالنسبة إلى الرجال أشبه بفقدان كلّ شيء، وهو ما يجعل بعضهم يذهب بعيداً في الخصومة. هذا هو الوضع بلا زيف أو تحريف أو تجميل. فغالبية النساء يتمسّكن بمسكن الزوجية كما لو كان حقّاً مكتسباً، ليس من باب أنّه مسكن للأبناء، وإنّما لأنّهن لن يستطعن الحصول على مسكن ولو عملن عقوداً، وبعضهن يطالبن بتعويضات ونفقات مبالغ بها، ربّما لتحقيق حلم الحصول على شقّة بات بعيدة المنال. يغوص الجميع في صراعات جانبية مقصودة، سواء من بعض المؤسّسات النسوية أو الدولة المتخلّية عن أدوارها. وبدلاً من أن نواجه جوهر هذه المشكلات، نخضع لأجندة نظام نيوليبرالي يتجاهل الأسباب البنيوية لإنتاج الفقر والبطالة والمشكلات الاجتماعية، ونذهب إلى أبعد مدى في صراعات شخصية متطرّفة بين الرجال والنساء. نخضع لأجندة نظام نيوليبرالي يتجاهل الأسباب البنيوية لإنتاج الفقر والبطالة والمشكلات الاجتماعية وتتصارع الأطراف جميعها على لا شيء، للبحث عن العدم بدلاً من البحث عن مخارج عادلة من الوضع البائس المتردّي، فتخرج لنا ترقيعات للقوانين من مجالس نيابية غير منتخبة انتخاباً حقيقياً، وإنّما فرضتها لعبة المال السياسي و"الكوتا" المفروضة عنوةً على الدولة ونظامها السياسي، فلم تُحسّن صورة مصر ومؤشراتها فعلياً بمقاييس الديمقراطية التي تردّت وازدادت سوءاً في العشرية السوداء الماضية، مع الأسف. ولا يخرج الأزهر ورجاله كثيراً للردّ على النصوص المتناثرة المتداولة من قانون الأحوال الشخصية المزمع إقراره، بينما يصرّح رئيس لجنة تعديل القانون إنّ الأزهر والإفتاء وافقا على 90% من مواد القانون، وقد يكون محقّاً بحساب عدد المواد ونسبتها، لكن قد تكون المواد التي تشكّل 10% الباقية هي الخلافية التي لم يرضَ عنها الأزهر ولا الإفتاء، لأنّه لا شرع ولا عقل ولا منطق خلفها. لكن على الأزهر وعلمائه أن يحترموا حقوق المجتمع المخاطَب بأحكامهم وآرائهم، وأن يوضّحوا رأيهم في هذه التعديلات بنداً بنداً، ما دامت كلمة الفصل للأزهر والكنيسة في مثل هذه المسائل المتعلّقة بقانون الأحوال الشخصية، حتى لا يُترك الناس ضحايا الجدل والصراع في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا نعرف من يصوغ قوانين الأسرة في هذه البلاد، وما إذا كان يقرأ الحقائق الإحصائية والاجتماعية أم لا.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows