غرباء الكتابة إخوة بلا لقاء
Arab
1 hour ago
share
لي إخوة غرباء عنّي، إخوة صاحبوني واقتفيت آثارهم من دون رغبة في لقاء، فهل لو حدث اللقاء فسدت أخوّة الكتابة تلك؟ إخوة يقيلون عثراتي الخاصّة جدّاً في لحظات الارتباك والحيرة، ويزيحون عنّي همومي الصغيرة، وسوء فهمي للعالم الذي أعيش في جزء قليل منه، من دون أن أكلّف نفسي عناء أيّ سفر إلى أيّ مكان. لا أعرف تلك العُصيّ التي كانت جميلةً ويقتنيها الكاتب الراحل يحيى حقّي تحفاً خاصّةً لمزاجه الراقي، وكان يجمعها، كعادته، في أوقات سفره من إسطنبول أو شيراز أو أيّ مكان آخر، وكانت كلّها ثمينةً وغاليةً لديه بما هي ذكرى طيّبة يسند قامته إليها في أوقات الحاجة. لعلّني أحتاجها في شيخوختي، رغم أنني لم أره في حياتي ولا مرّة واحدة، ولكن لأنّ صحافية كانت تذهب إليه في شيخوخته بصحبة طفلها الشقي، فكان الطفل "العكروت"، على حدّ وصف الراحل يحيى حقّي نفسه، يدسّ بعض العُصيّ عنه عامداً في كلّ زيارة في أماكن محيِّرة، ويظلّ يحيى حقّي يسأل والدته عن مكان بعض العُصيّ، وفي الزيارة التالية يحضر الطفل العُصيّ التي خبّأها، وفي آخر الزيارة، بعد أن ترحل الصحافية والطفل، يكتشف أنّ الطفل خبّأ بعض العُصيّ في أماكن أخرى مدهشة. كان يحيى حقّي يحتار في أمر ذلك الطفل، ويحتار أيضاً في كيفية توصّل الطفل إلى تلك الأماكن. هل كنتُ أحلم أن أكون ذلك الطفل، أو أكون ذلك الولد "العكروت"، أم كنت أحتاج أن أرى تلك العُصيّ الغالية كلّها في ذاكرة صاحبها، ثمّ بعد ذلك أتكئ عليها في البلدان، ولو مجازاً، بعد أن أصير بالكاد أنقل خطواتي إلى أيّ مقهى؟ إخوة الكتابة نحتاجهم، والغريب أنّهم حين نحتاجهم، نجدهم في جوار حيرتنا تماماً، مثل تلك المتاهة النبيهة التي عاشها الكاتب إلياس كانيتي حتّى كاد أن يصل إلى التسعين متأمّلاً العالم في سيرته الذاتية، وقد ادّخر تلك المتاهة النبيهة داخل الذات لما بعد الثمانين، بعد أن يكون قد مات عندي قطّ أو أكثر، أو وصلتُ إلى ضعف يصرفني عن رعاية القطط تماماً. فأنا، في مثل هذا الميعاد من كلّ سنة، أحبّ مثلاً تلك الأشجار التي لها زهور حمراء جميلة من دون أن أعرف اسمها أو حتّى أحاول، فأنا أريدها كذلك: غريبةً، كحاجتي إلى الكاتب الغريب عنّي الذي يفتّش معي وكأنّه يفتش في خزانة قلبي وسرائري. فهل سيأخذ كاتب منّي سرّ تلك الشجرة، كاتب غريب لا أعرفه؟ كفّ يد بورخيس أكبر من كفّ يدي بكثير، وأكثر دقّةً ملايين المرّات منّي، ولعلّه لا يحب العصافير ولا حتى اليمام، وليس لديه معهما أيّ ذكريات، وحتى مع الترع الصغيرة التي ينبت فيها ذلك السمك الصغير. ولكنّ حاجته القاهرة إلى أمّه حرمته من أشياء لا أعرفها بالطبع، غير أنّ محبوبته في آخر عمره استطاعت أن تأخذه إليها، خاصّة بعد ما كُفّ بصره واتّسعت بصيرته، فأسكنته قريباً منها. أحياناً، خاصّةً في لحظات العجز، يكون إخوة الكتابة في حاجة ماسّة إلى السند. ما زلت أصعد السلالم وألقي الحبوب إلى حمامي، وأفرح بمَن أُطيّره ويصعد إلى السماء للمرّة الأولى وكأنّه يشكرني على حسن التربية والأدب، وكأنّني بنيت برجاً أو سفينةً مثل سفينة نوح، ثمّ طارت تلك السفينة. هل ترك سيّدنا نوح على الأرض أو على ظهر سفينته كتابةً؟ وهل استطاع أن يصادق تلك الطيور الكثيرة كلّها التي ضمّها إلى سفينته؟ ما زلت أراه صديقاً قديماً، أنا الذي فشلت في زراعة الورد وصيد اليمام، ولكنّني فقط أنجح في شتل الصبّار. هناك إخوة في الكتابة أهرب منهم، بأمانة. تخرج الكلمات منهم من دون أنّ ألمس جراحها أو ألمها أو حتى خجلها، لو وجب الخجل. تخرج الكلمات وكأنّها قيلت في كتب ما، وأفلام ما، وحكايات ما، سواء في أصفهان أو شيراز أو في مناطق لصيد اليمام في غيطان الحلفاء، أو التين الشوكي، أو العنب في جوار تلك الصهاريج القديمة أو شواني الغلال. أعرف تمسّح أصحاب تلك الكلمات بشاعرية الكتابات الأخرى، والأفلام الأخرى، والحكايات الأخرى، والبلدان الأخرى، التي ليست بلدانهم أو حكاياتهم أو أفلامهم أو كتاباتهم. هم جلساء "مقهى الكتابة" بحثاً عن المجد المنتظر، من دون أن يعرفوا حنان الشبابيك أو أنين خشبها في ساعات العجز. الغريب أنّ هؤلاء كلّهم هم جيراني، ولكنّي أرى البعيد هو الأخ الحقيقي بلا لقاء، لأنّه يكاد يكون قد شمّ الريحان الذي جمعته في الجبل، وشمّ رائحة عذاب قلبي، ويأتيني حينما أحتاجه في حسبة صغيرة تعذّب قلبي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows