من الساحل إلى كينيا... ماكرون يبحث عن دور لفرنسا في أفريقيا
Arab
54 minutes ago
share
على بُعد أكثر من خمسة آلاف كيلومتر من عواصم الساحل الأفريقي التي شهدت قبل سنوات عدة تظاهرات حاشدة ضد الوجود العسكري الفرنسي، حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الاثنين، في نيروبي، تقديم صورة مختلفة لعلاقة بلاده بالقارة الأفريقية. غير أن الماضي، الذي دعا ماكرون إلى "التخلّص" منه في حوار نُشر أمس في مجلّة "جون أفريك" و"ذي أفريكا ريبورت"، ظلّ ملاصقاً له خلال مشاركته في كينيا بقمّة "أفريقيا فوروارد" التي تُعقَد للمرة الأولى، منذ إطلاقها عام 1973، خارج الفضاء الفرنكوفوني. كينيا البعيدة عن النفوذ الفرنسي ففي المؤتمر الصحافي الذي جمعه بنظيره الكيني وليام روتو عشية انعقاد القمّة، التي انطلقت أمس وتُختتم أعمالها اليوم، وجد ماكرون نفسه أمام سؤال من أحد الصحافيين حول ما إذا كان اختيار تنظيم الفعالية في بلد مثل كينيا لا ينتمي إلى جغرافيا النفوذ الفرنسي في القارة، محاولةً لتجنُّب مواجهة إرث فرنسا في غرب أفريقيا الذي انسحبت منه بدءاً من عام 2022. وأجاب ماكرون بأنه "لم يعتبر يوماً أفريقيا الفرنكوفونية حديقة خلفية" لفرنسا، وبأن زمن الوصاية على القارة "انتهى منذ 2017"، في إشارة إلى أن عهده مثّل، بحسب روايته، قطيعة مع سابقيه من الرؤساء الفرنسيين في طريقة التعاطي مع القارة. تمثّل كينيا أرضاً خصبة لخطاب باريس الجديد، القائم على "الشراكة" و"المصالح المتبادلة" غير أن ما شهدته القارة خلال ولايتَي ماكرون لا يتوافق تماماً مع هذه الرواية. وأيّاً كانت نيّات الرئيس الفرنسي حين أعلن من بوركينا فاسو عام 2017 نهاية "السياسة الأفريقية لفرنسا"، فإن الوقائع التي أعقبت ذلك الإعلان بدت أقرب إلى تراجع فرنسي تحت الضغط منه إلى انتقال مبرمج نحو علاقة جديدة. صحيحٌ أن القوات الفرنسية التي دخلت مالي عام 2013 بطلب من سلطاتها وتحت غطاء من مجلس الأمن، لوقف تقدّم الجماعات المسلّحة نحو باماكو، قد استُقبلت حينها بترحيب شعبي، إلّا أن العملية التي توسّعت عام 2014 تحت اسم "برخان"، وبلغ عديدُها في ذروته أكثر من خمسة آلاف جندي، لم تنجح في إعادة الاستقرار الذي وُجدت من أجله. بل على العكس، توسّعت رقعة العنف من شمال مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، لتصبح المنطقة أقلّ استقراراً مما كانت عليه عند بدء العملية. وقد ترافق ذلك مع تحوّل في نظرة مجتمعات الساحل إلى الوجود الفرنسي، الذي لم يعد يُرى بوصفه قوة داعمة بل امتداداً لنفوذ مرتبط بالحقبة الاستعمارية. ومع الانقلابات التي شهدها الساحل الأفريقي بين 2020 و2023، تحوّل رحيل فرنسا إلى مطلب شعبي واسع. ولهذا، فإن الانسحاب الفرنسي، الذي تقدمه باريس بوصفه قراراً سيادياً، بدا أقرب في نظر كثيرين إلى خسارة نفوذ. إعادة تعريف الدور الفرنسي في أفريقيا لم تكتمل بعد، والحضور الأمني لا يزال يسبق الحضور الاقتصادي أو يُرافقه حسابات فرنسية قديمة جديدة ويمكن لهذا السياق أن يفسّر، جزئياً على الأقل، أهمية شرق أفريقيا في الحسابات الفرنسية الجديدة. فكينيا، التي لم تعرف استعماراً أو حضوراً عسكرياً فرنسياً، تمثّل أرضاً خصبة لخطاب باريس الجديد، القائم على "الشراكة" و"المصالح المتبادلة"، لا على لغة الحماية والنفوذ التي التصقت طويلاً بصورتها الأفريقية. والرئيس الكيني وليام روتو، الذي وصفه ماكرون بأنه من أكثر القادة الأفارقة "فعالية" على الساحة الدولية، يمثّل بالنسبة إلى باريس نموذج الشريك الذي تبحث عنه، باعتباره يتحدّث لغة الاستثمار والأسواق أكثر ممّا يتحدث لغة التحرّر من الاستعمار. وقد جرى الاحتفاء بالشراكة بين البلدين عبر توقيع اتفاقيات واستثمارات بمليارات الدولارات في مجالات الطاقة والبنى التحتية والنقل.  لكنّ ما سبق هذه القمة يُظهر أن العلاقة بين البلدين لم تُبنَ على الاقتصاد وحده. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، وقّعت باريس ونيروبي اتفاقية تعاون دفاعي تشمل التدريب وتبادل المعلومات والأمن البحري، صادق عليها البرلمان الكيني في إبريل/نيسان الماضي. وكانت ثلاث سفن حربية فرنسية قد رست، قبل التصويت على الاتفاقية، في ميناء مومباسا وعلى متنها نحو 800 جندي. وفي هذه التفاصيل ما يُظهر أن إعادة تعريف الدور الفرنسي في أفريقيا لم تكتمل بعد، وأن الحضور الأمني لا يزال يسبق الحضور الاقتصادي أو يُرافقه. كما لم يغب الملف الجزائري عن جولة ماكرون. فحين سُئل، الأحد، عن إمكان حلّ الأزمة بين باريس والجزائر، حاول تقديم مقاربة تجمع بين التفاؤل والحذر، متحدّثاً عن "إشارات أولى" حول هذا الانفراج، معرباً عن أمله في فتح مرحلة جديدة من العلاقة بين البلدين خلال الأسابيع المقبلة. وفي حواره مع مجلّتَي "جون أفريك" و"ذي أفريكا ريبورت"، وضع الرئيس الفرنسي العلاقة بين البلدين في إطار براغماتي، قائلاً إن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أيّاً منهما، قبل أن يضيف بأن جزءاً من الطبقة السياسية في فرنسا، وحتى في الجزائر، لا يريد الوصول إلى تهدئة بين البلدين.  ويبقى ما يسعى الرئيس الفرنسي إلى بنائه في نيروبي، ومن بعدها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، حيث يختتم غداً الأربعاء جولته الأفريقية، مرتبطاً بتوازنات داخلية فرنسية قابلة للتبدّل. فماكرون سيغادر الإليزيه بعد نحو عام، في مشهد سياسي داخلي تتباين فيه القوى حول رؤيتها لأفريقيا، بين مَن يدفع نحو إعادة تعريف الحضور الفرنسي في القارة ومَن يميل إلى الانكفاء. وبين هذا وذاك، يبدو المنعطف الذي حاول رسمه في نيروبي أقرب إلى رهان مفتوح.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows