Arab
يطرح كتاب "الأمير ما بعد الحديث: النظرية النقدية، استراتيجية اليسار، وصناعة ذات سياسية جديدة" (دار قرطاس، بغداد، ترجمة تيم الكردي، 2026) للمنظّر الأميركي جون سانبونماتسو واحداً من أكثر الأسئلة إلحاحاً في الفكر السياسي المعاصر: كيف يمكن لليسار أن يعيد بناء نفسه في عالم ما بعد الحرب الباردة، وبعد تراجع الأحزاب العمّالية التقليدية وتفتت الحركات الاجتماعية التحررية؟
يستعير سانبونماتسو عنوانه من مفهوم "الأمير الحديث" الذي صاغه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، مستلهماً بدوره أطروحة نيكولو مكيافيلي عن "الأمير". غير أن المؤلّف ينقل هذا المفهوم إلى سياق جديد، محاولاً تخيل فاعل سياسي جماعي قادر على توحيد القوى التقدمية المتناثرة، وقيادة مشروع تحرري في زمن يتسم بتشظي الهويات وصعود الرأسمالية المعولمة.
يقدم الكتاب قراءة نقدية لتاريخ اليسار الأميركي منذ ستينيات القرن العشرين، متوقفاً عند تجربة اليسار الجديد وما حملته من طاقات احتجاجية وثقافية هائلة، لكنها، بحسب المؤلف، انزلقت نحو ما يسميه "التعبيرية"؛ أي التركيز على التعبير عن الذات والاختلاف الفردي على حساب التنظيم والعمل الاستراتيجي المشترك. ويرى أن هذه النزعة أسهمت، من حيث لا تدري، في تهيئة المناخ الفكري لصعود ما بعد الحداثة.
في هذا السياق، يقدّم سانبونماتسو نقداً تاريخياً وفلسفياً لتيارات ما بعد الحداثة، ولا سيما لدى ميشيل فوكو، كما يناقش أطروحات مايكل هاردت وأنطونيو نيغري في كتابهما "الإمبراطورية". ويجادل بأن الاحتفاء المفرط بالاختلاف والتشكيك في مفاهيم الكلية والوحدة قد أضعفا قدرة اليسار على بناء حركة سياسية موحّدة وقادرة على الفعل.
يقدّم المؤلف نقداً تاريخياً وفلسفياً لتيارات ما بعد الحداثة
لكن الكتاب لا يكتفي بالنقد. فجوهر مشروعه يتمثل في الدعوة إلى بناء "ذات سياسية جماعية" جديدة، تكون وريثة لأمير مكيافيلي وأمير غرامشي الحديث. ذاتٌ قادرة على الجمع بين التعدد والوحدة، وبين احترام الاختلاف وصياغة رؤية استراتيجية مشتركة. ويؤكد المؤلف أن السياسة، في معناها الجذري، تظلّ صراعاً على الهيمنة الثقافية والاجتماعية، وأن أي مشروع تحرري يحتاج إلى قيادة قادرة على الاستجابة لتحديات التاريخ.
ويتميز الكتاب باتساع مرجعياته، إذ ينسج حواره مع تقاليد فكرية متعددة، من الماركسية الغرامشية إلى الوجودية، ومن النسوية إلى الإيكولوجيا الراديكالية، مروراً بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية. ومن خلال هذا التنوع، يسعى سانبونماتسو إلى إعادة الاعتبار لفكرة التضامن بوصفها شرطاً ضرورياً لأي نهضة يسارية جديدة. حظي الكتاب باهتمام نقدي لافت، إذ وصفته مجلة Thesis Eleven بأنه عمل يتسم بـ"الإلحاح ووحدة الغاية والوضوح".
بعد أكثر من عقدين على صدوره باللغة الإنكليزية، ما يزال "الأمير ما بعد الحديث" يحتفظ براهنيته، في ظل الأزمات المتلاحقة التي تواجه الديمقراطيات الليبرالية، وتصاعد اللامساواة، وتراجع الأطر الجماعية للعمل السياسي. إنه كتاب لا يكتفي بتشخيص أزمة اليسار، بل يحاول رسم ملامح أفق جديد، يقوم على وحدة أخلاقية وسياسية قادرة على مواجهة تحديات العصر.

Related News
ولاية تكساس تتهم «نتفليكس» بالتجسس على الأطفال
aawsat
28 minutes ago