Arab
في بلد يمتلك واحداً من أطول السواحل على البحر المتوسط، يبدو مشهد الأسماك على الموائد الليبية صعباً وسط أوضاع اقتصادية قاسية. فالدولة التي تمتد شواطئها لأكثر من 1700 كيلومتر، من طبرق شرقاً إلى زوارة غرباً، وتزخر بمخزون بحري متنوع يشمل "اللوت" و"الوراتة" والجمبري والتونة الزرقاء، تواجه اليوم موجة غلاء حادة حوّلت ما كان يُعرف تاريخياً بـ"غذاء البسطاء" إلى سلعة تتجاوز القدرة الشرائية لأغلب الأسر.
ولم يعد الأمر مجرد ارتفاع موسمي مرتبط بتقلبات الطقس، بل بات يعكس أزمة هيكلية عميقة تضرب قطاع الصيد البحري، في ظل تضخم متصاعد، وانقسام مؤسساتي، وغياب الاستثمارات الحقيقية في البنية التحتية البحرية.
صدمة الأسعار في "باب البحر"
في سوق "باب البحر" التاريخي بالعاصمة طرابلس، يقف المتسوقون أمام طاولات العرض بحذر يشوبه الذهول. السردين، الذي لطالما اعتُبر البديل الاستراتيجي للحوم، بلغ سعر الكيلوغرام الواحد منه نحو 25 ديناراً (في ظل سعر صرف يبلغ 6.3 دنانير للدولار)، فيما تجاوزت الأنواع الشعبية الأخرى مستويات غير مسبوقة.
يقول موظف حكومي، محمود حمزة (48 عاماً)، لـ"العربي الجديد": "لم يعد شراء السمك خياراً متاحاً؛ كنا نلجأ إليه بديلاً أرخص للحوم الحمراء، أما اليوم فأصبحنا نغادر السوق خاليي الوفاض. الغلاء أغلق كل الأبواب".
وفي بنغازي شرق البلاد، لا يختلف المشهد كثيراً؛ إذ تؤكد ربة منزل، نسرين الشاعري، أن الفوضى السعرية تفرض نفسها في ظل غياب الرقابة، قائلة: "البحر أمامنا، لكن السمك بعيد عن موائدنا".
معادلة الصياد المستحيلة
على أرصفة الموانئ، يرفض الصيادون تحميلهم وحدهم مسؤولية الأزمة، مؤكدين أن القطاع يعيش "مغامرة مالية" يومية. الصياد علي إسماعيل بن ميلاد، من مدينة الخمس، أوضح لـ"العربي الجديد" أن أغلب عمليات الصيد ما تزال تقليدية وتفتقر للتجهيزات الحديثة، مضيفاً: "كل شيء تضاعفت تكلفته؛ من الوقود وزيوت المحركات إلى قطع الغيار المستوردة بالدولار. أحياناً نعود بصيد لا يغطي تكلفة الديزل".
ورغم الثروة الكبيرة، يواجه القطاع فراغاً لوجستياً حاداً؛ فلا أساطيل صيد صناعي حديثة، ولا مصانع تعليب كبرى، فضلاً عن غياب منظومة تبريد وتخزين استراتيجي. وهو ما أكده الصياد معز عريبي من طرابلس، مشيراً إلى أن السوق المحلية تظل رهينة للتقلبات اليومية للأحوال الجوية، ما يقفز بالأسعار فور توقف القوارب الصغيرة عن الإبحار.
وعلى رصيف ميناء زوارة (غرباً)، يقف الصياد علي خليفة متأملاً قواربه الخشبية التي نخرها الركود، في مشهد يختصر انكسار مهنة كانت عصب الحياة الساحلية. يقول خليفة بنبرة يملؤها الإحباط: "المشكلة في انهيار الدينار؛ لقد وصل سعر علبة طعم السردين وحده إلى 600 دينار (نحو 95 دولاراً)، وهو رقم لا يستقيم مع دخل الصياد البسيط".
حلول إسعافية وأزمات هيكلية
في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، فرضت وزارة الاقتصاد والتجارة حظراً مؤقتاً على تصدير الأسماك لمدة ثلاثة أشهر. غير أن المحلل الاقتصادي، علي بن الطاهر، يرى أن القرار "إسعافي" ولا يعالج الجذور، مرجعاً الأزمة إلى تراجع قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية و"فوضى الأسواق".
وأضاف بن الطاهر لـ"العربي الجديد" أن ليبيا لا تستفيد حتى من حصتها الدولية في صيد "التونة الزرقاء" الخاضعة لتنظيم اللجنة الدولية (ICCAT) بسبب محدودية الإمكانيات.
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي عبد الناصر الكميشي، أن الأزمة تعكس اختلالات بنيوية؛ فالاقتصاد الليبي المرتبط بالدولار النفطي يجعل أي اهتزاز في العملة المحلية يضرب الإنتاج المحلي مباشرة، لدرجة دفع البلاد لاستيراد الأسماك من الخارج لتغطية العجز.
وكشفت بيانات رسمية صادرة عن وزارة الثروة البحرية عن تدني مؤشرات الإنتاج بشكل حاد؛ حيث سجلت الإحصائيات استلام 8.323 طناً فقط خلال عام 2023، بينما لم يتجاوز إنتاج النصف الأول من عام 2024 نحو 3.591 طناً، وهي أرقام تعكس هوة واسعة بين الإمكانات والواقع.
