معضلة الاتفاق الأميركي - الإيراني
Arab
1 hour ago
share
حين تُرسم خرائط التسويات الكُبرى بمعزلٍ عن أصحاب الأرض، لا تُولد الاتفاقات ناقصة فحسب، بل تُولد أيضاً معطوبةً منذ لحظة التوقيع. هذه هي بالضبط المعضلة السياسية التي تُعيد واشنطن إنتاجها اليوم في مقاربتها الملفّ الإيراني، إذ تتقدّم نحو ترتيبٍ ثنائي مع طهران يتجاهل دول الخليج العربية، وهي بالضبط الأطراف الأكثر تضرّراً من أي تصعيد، والأقدر في الوقت ذاته على تقويض أي تسوية لا تأخذ مصالحها بالاعتبار. والمفارقة أنّ هذه المقاربة ليست ابتكاراً دبلوماسياً جديداً؛ إنّها استنساخٌ حرفي للمنهج ذاته الذي أنتج الاتفاق النووي عام 2015، وانهار لاحقاً تحت وطأة الإشكالات ذاتها التي تتكرّر اليوم بحذافيرها، وكأنّ الإدارة الأميركية تعمل بما يشبه بوصلة استراتيجية فقدت قدرتها على التعلّم من إخفاقاتها.  تمتلك العواصم الخليجية من الأدوات ما يجعلها قادرةً على إعادة تشكيل خرائطها الأمنية بمعزلٍ عن واشنطن  تكشف المؤشّرات الراهنة أنّ الإدارة الأميركية تتّجه نحو صياغة تفاهمٍ ثنائي مع طهران يتخطّى البنية الأمنية الإقليمية، ويُعامل دول الخليج بوصفها متفرّجة، يُطلب منها مباركة النتيجة النهائية، لا شركاء في رسم ملامحها. هذه المقاربة تعكس خللاً مفاهيمياً عميقاً في قراءة واشنطن للمنطقة: افتراضٌ ضمني بأنّ الملفّ النووي الإيراني شأنٌ أميركي - إيراني خالص، يُدار وفق حسابات القوّتين ومصالحهما المتبادلة، بينما هو في حقيقته ملفٌ إقليمي بامتياز، تتقاطع فيه حسابات الأمن والاقتصاد والتوازن الاستراتيجي لدول الخليج بشكلٍ مباشر ووجودي. الدرس المُستفاد من تجربة 2015 كان ينبغي أن يكون واضحاً بما لا يقبل التأويل: أيّ اتفاقٍ لا يُشرِك الفاعلين الإقليميين في صياغته يتحوّل سريعاً إلى عبءٍ سياسي، ومصدر توتّرٍ إقليمي مزمن يستنزف المنطقة. حينها، شعرت العواصم الخليجية بأنّها استُبعدت من معادلةٍ تمسّ أمنها الوجودي، وأنّ إدارة الرئيس باراك أوباما ضحّت بقلق حلفائها التاريخيين مقابل إنجازٍ دبلوماسي مع خصمٍ استراتيجي يتمدّد في أربع عواصم عربية. واليوم، تُكرّر إدارة ترامب الثانية الخطأ نفسه، بصيغةٍ مختلفة ظاهرياً، لكنّها متطابقة جوهرياً: بدلاً من تجاوز الخليج عبر التفاوض السلمي كما فعل أوباما، تتجاوزه عبر ثنائية المواجهة، ثمّ التسوية، والنتيجة النهائية واحدة: إقصاءٌ مُمنهج لأصحاب المصلحة الحقيقيين، وتهميشٌ لحلفاء دفعوا أثماناً باهظة في صيانة النظام الإقليمي. لن تبقى العواصم الخليجية ساكنةً أمام هذا التجاوز الأميركي المُتكرِّر، وقد باتت تمتلك اليوم من الأدوات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ما يجعلها قادرةً على إعادة تشكيل خرائطها الأمنية بمعزلٍ عن الإرادة الأميركية. ومن الواضح أنّ هناك عدة مساراتٍ رئيسة تتبلور بوضوحٍ متزايد في الأفق الإقليمي، أكثرها أهميةً: التقارب الأمني المحسوب مع طهران، إذ شرعت بعض دول الخليج في صياغة قنواتٍ دبلوماسية وأمنية مباشرة مع إيران، لضمان مصالحها من دون انتظار الوسيط الأميركي، وهو مسارٌ يعكس إدراكاً عميقاً بأنّ إدارة الخصومة الإقليمية لم تعد تحتمل ترف الاعتماد الكامل على طرفٍ متقلّب الأولويات ومتبدّلها؛ تنويع التحالفات شرقاً، فباتت بكين وموسكو ونيودلهي وباكستان وتركيا عناوينَ استراتيجيةً حاضرةً في حسابات الرياض وأبوظبي والدوحة والكويت، ليس بوصفها بدائل كاملة للحليف الأميركي، بل أدواتٍ ذكية لتوسيع هامش المناورة، وتقليص الاعتماد الأحادي على واشنطن في ملفّات الأمن والطاقة والتكنولوجيا؛ تسريع برامج التسلّح والردع الذاتي، فالمنطقة تتّجه نحو استثماراتٍ متصاعدة في منظومات الدفاع الصاروخي المتطوّرة، والطائرات المُسيَّرة بمختلف أجيالها، والقدرات السيبرانية الهجومية والدفاعية، مع بقاء الخيار النووي حاضراً على طاولة الاحتمالات البعيدة، بوصفه سقفاً إذا ما اقتضت الضرورة الوجودية، وتطوير تعاونها الدفاعي مع الدول الأوروبية، وأوكرانيا، وكوريا الجنوبية. لا تتحرّك هذه المسارات في خطوطٍ متوازية منفصلة، بل تتشابك وتتكامل، ويتغذّى بعضها من بعض، وتُنتج مجتمعةً بيئةً إقليميةً جديدةً تُضعف أيّ اتفاقٍ أميركي - إيراني من أطرافه، قبل أن يضعف من مركزه. فالاستقرار الإقليمي، كما علّمنا التاريخ الدبلوماسي، لا يُبنى بالصفقات الثنائية مُحكمة الإغلاق، مهما بدت متينةً على الورق، بل بهندسةٍ أمنية جامعة تستوعب مصالح جميع الفاعلين الإقليميين، وتمنحهم حصّةً حقيقيةً في صيانة النظام الناتج والدفاع عن مخرجاته. إنّ التداعيات الأعمق لإقصاء الخليج تتجاوز النتائج التكتيكية لأيّ اتفاقٍ بعينه، لتمسّ جوهر البنية الأمنية الإقليمية التي قامت منذ عقودٍ على ركيزةٍ مركزية واحدة: موثوقية الضمان الأمني الأميركي وقابليته للاستدامة عبر الإدارات المتعاقبة. كلّ تجاوزٍ جديد للحلفاء الخليجيين يُرسّخ قناعةً متناميةً في عواصم المنطقة بأنّ هذه الضمانات لم تعد قابلةً للتعويل عليها استراتيجياً، وأنّ كلّ دولةٍ باتت مدعوّةً، بل مضطرّةً، لبناء منظومتها الأمنية الخاصّة، المستقلّة عن تقلّبات واشنطن وأولوياتها المتبدّلة وحساباتها الانتخابية قصيرة المدى. ينطوي هذا التشظّي الاستراتيجي على تحوّلٍ تاريخي يتجاوز حدود الأزمة الراهنة بكثير: نهاية عصر "الأمن الجماعي"، كما عُرف في الشرق الأوسط منذ عقود الحرب الباردة، وبداية مرحلة جديدة من "الأمن الفردي" تُعيد فيها كلّ دولةٍ حساباتها منفردةً، في سباقٍ تسلّحي إقليمي غير مُعلَن، لكنّه حقيقي ومتسارع. وفي بيئةٍ استراتيجية بهذه الخصائص، يتضاعف احتمال سوء التقدير بين الفاعلين، وتتآكل آليات ضبط الأزمات وإدارة التصعيد، ويتحوّل الشرق الأوسط تدريجياً إلى منظومةٍ من التوازنات الهشّة التي يكفي خطأٌ واحد غير مقصود لانهيارها بالكامل في سيناريو يُذكّر بالمناخ الأوروبي الذي سبق الحرب العالمية الأولى. لا يُبنى الاستقرار الإقليمي بالصفقات الثنائية مُحكمة الإغلاق، بل بهندسةٍ أمنية جامعة تستوعب مصالح الفاعلين الإقليميين المفارقة الكُبرى التي تختصر عبثية المقاربة الراهنة أنّ الاتفاق الذي تسعى واشنطن إلى صياغته، بمعزلٍ عن الخليج، سيُنتج بالضبط ما يدّعي أنّه يسعى إلى منعه: منطقةٌ أكثر اضطراباً، وسباق تسلّحٍ أكثر كثافةً وخطورةً، وتحالفاتٌ أكثر تشظّياً وتعدّديةً، ومظلّة أمنية أميركية أكثر تآكلاً وفقداناً للمصداقية. فحين يُستبعد أصحاب المصلحة الحقيقيون من صياغة التسويات الكُبرى، لا يُصبحون مجرّد متفرّجين صامتين ينتظرون النتيجة، بل يتحوّلون إلى فاعلين مُضادّين يعملون بوعيٍ استراتيجي أو من دونه على تفكيك ما تحاول واشنطن بناءه، ليس عدائياً بالضرورة، بل دفاعاً مشروعاً عن مصالحهم الوجودية. إنّ إعادة إدماج الخليج في قلب المعادلة التفاوضية ليست ترفاً دبلوماسياً، ولا مجاملةً للحلفاء التاريخيين، بل شرطٌ بنيويٌّ لا غنى عنه لأيّ تسويةٍ قابلة للحياة والاستدامة. وما لم تُدرك واشنطن أنّ الطريق الحقيقي إلى طهران يمرّ حتماً عبر الرياض وأبوظبي والدوحة والكويت والمنامة ومسقط، فإنّ كلّ اتفاقٍ تُبرمه سيحمل في داخله بذور انهياره المحتوم، وكلّ تسويةٍ تُوقّعها ستكون مجرّد فاصل زمني بين أزمتَين متعاقبتَين، لا جسراً استراتيجياً نحو استقرارٍ إقليمي حقيقي. الشرق الأوسط اليوم ليس رقعة شطرنجٍ ثنائية بين واشنطن وطهران، بل منظومة معقّدة من الفاعلين الإقليميين الذين امتلكوا، للمرّة الأولى منذ عقود، أدوات الفعل المستقلّ، ومن يتجاهل هذه الحقيقة البنيوية لن يصنع سلاماً، بل سيُهندس حرباً مؤجّلةً بأيدٍ أميركية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows