في رحيل شيخ المعارضين السوريين الصامت
Arab
1 hour ago
share
مرّ خبر وفاة الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي في سورية، المحامي حسن عبد العظيم، عاديّاً من الأخبار اليومية التي لم تعد تشغل سوريين كثيرين، بكل أسف، على الرغم من أهمّية الرجل ودوره في العمل السياسي السوري المعارض لحكم الاستبداد أكثر من ستّة عقود. وربّما وجدنا تفسيراً لهذا في انشغال السوريين بالصعوبات المعيشية التي يعانون، والتيه المهيمن عليهم في مواجهة ضبابية المستقبل المجهول الذي ينتظرهم بعد اصطدامهم بجملة من المشكلات التي لم تجد طريقها إلى الحلّ المُطمئِن بعد، وتراجع حالة النشوة العارمة التي أحسّوا بها إثر تأكّدهم من هروب بشّار الأسد وسقوط سلطة آل الأسد. هذا بالإضافة إلى واقع الانقطاع بين الجيل الجديد من الناشطين السياسيين السوريين وجيل الروّاد من المعارضين الذين رفضوا شمولية حكم "البعث" واستبداده، لا سيّما في المرحلة الأسدية التي استمرّت 54 عاماً، وقد تعرّض كثيرون من أولئك الروّاد، نتيجة هذا، للتهميش والملاحقة والاعتقال والتعذيب والتصفية، وترتّب على هذا الانقطاع بين الجيلَين ما تشخّص في واقع الجهل، وسلوكية التجاهل لما قدّمه الروّاد من رؤى وأفكار، واتخذوه من مواقف، يمكن الاستفادة النقدية منها في ضوء المعطيات والمتغيّرات الجديدة. انضمّ "إعلان دمشق"، كما انضم "الإخوان"، إلى جهود تأسيس المجلس الوطني السوري، تريّثت "هيئة التنسيق"، وتعرّضت نتيجة ذلك لحملات عنيفة كانت ظالمةً في معظم الأحيان ويبقى عامل آخر يخصّ الموضوع الذي نحن بصدده، ويمسّ الروّاد أنفسهم، ويتمثّل في تبعثر هؤلاء وانسحابهم إلى جزرهم المنعزلة، وعدم تمكّن قسم كبير منهم من التحرّر من حساسيات المنافسات السياسية، وإخفاقهم في تجاوز رواسب التخندقات الحزبية نحو الفضاء الوطني الأوسع الذي يستوعب الجميع. تسلّم حسن عبد العظيم مهامّه أميناً عامّاً في حزبه بعد وفاة الطبيب جمال الأتاسي في عام 2000. والأتاسي لم يكن (ولن يكون) زعيماً سياسياً طارئاً أو عابراً في التاريخ السوري المعاصر. فقد كان، إلى جانب براعته في اختصاصه: الطبّ النفسي، مفكّراً من الطراز الأول، ألّف العديد من الكتب المهمّة، منها في الفكر السياسي كتبها بالاشتراك مع ياسين الحافظ وإلياس مرقص وجيل مارتيليه، وشارك مع ميشيل عفلق ومنيف الرزّاز وأكرم الحوراني في كتاب "حول القومية الاشتراكية". كما كتب "النظام العالمي الجديد"، والمقدّمة التي خصّ بها كتاب منذر موصلّي "عرب وأكراد: رؤية عربية للقضية الكردية"، وهي تنمّ عن فهم عميق للتنوّع المجتمعي في منطقتنا، وفي سورية على وجه التحديد، وقد حملت تلك المقدّمة عنوان "القضية الكردية هي أيضاً قضية عربية". بالإضافة إلى ترجماته الدقيقة عن الفرنسية بالاشتراك مع المترجم السوري، المبدع سامي الدروبي، ومقالاته وخطاباته التي ما زالت تحتفظ بمستواها المعرفي الرفيع، ونزعتها الإنسانية الشاملة، وتوجّهها الوطني المنفتح على الآخر المختلف، رغم مرور 26 عاماً على رحيل صاحبها. ويُذكر في هذا السياق أنّ الأتاسي كان، إلى جانب ميشيل عفلق وصلاح البيطار، من مؤسّسي حزب البعث العربي الاشتراكي، لكنّه كان يمتلك رؤيةً معرفيةً إنسانيةً أوسع وأعمق، ورؤيةً قوميةً أكثر انفتاحاً وقدرةً على التواصل مع الآخر المختلف، وهو يذكّرنا في هذا المجال، إلى حدّ كبير، ببديع الكسم، وهو الآخر من مؤسّسي "البعث"، وذلك من جهة صدق المرء مع أفكاره ومبادئه والتزامه إياها. ومن محاسن المصادفات التي تتوفّر للإنسان، أحياناً، أنّني تمكّنت من حضور مجلس جمال الأتاسي في عيادته برفقة الراحل عصمت سيدا، وهو الأمين العام للحزب اليساري الكردي في سورية الذي كان يُعدّ من الأحزاب الكردية الأساسية في ذلك الحين، وكان ذلك في أواخر سبعينيّات القرن المنصرم. ولا أخفي عن القارئ الكريم أنّ الرجل فرض عليّ منذ ذلك الحين احترامه بتواضعه وهيبته وسعة أفقه، وألزمني بمتابعة أخباره. ومع متابعتي لنتاج الأتاسي الفكري ومسيرته السياسية، وقدرته على اتخاذ الموقف النقدي البنّاء من قناعاته، وتحرّره من أوهام القبيلة والكهف، وأوهام السوق والمسرح، توصّلت إلى قناعة تامّة بأنّه كان مثال الزعيم السياسي المطلوب لسورية، ولكنّ الاستبداد العسكري في بلادنا صادر الإمكانات، وسدّ الآفاق، وسطّح العقول، وجمّد الضمائر، وما زلنا ندفع الضريبة. كان حسن عبد العظيم خلفاً للأتاسي في قيادة الحزب، ولم يكن الأمر سهلًا بالنسبة إليه، خصوصاً أنّه كان ضحية المقارنة المستمرّة بينه وبين الأتاسي. فقد تسلّم الرجل مهامّه مع بدايات مرحلة توريث الجمهورية، ولم يكن يمتلك الإمكانات المعرفية والخبرات السياسية والمهارات القيادية التي تميّز بها الأتاسي. ولكنّه، مع ذلك، استطاع الحفاظ على التوجّه الوطني الديمقراطي الحر للحزب، سيما في ميدان الانفتاح على الآخر المختلف واحترامه، والحفاظ على الاستقلالية تجاه السلطة التي كانت قد تمكّنتْ من تدجين أحزاب "الجبهة التقدّمية"، إلى درجة أنّها باتت، مع الوقت، مجرّد نسخ باهتة من حزب البعث الذي كانت تتحكّم فيه الأجهزة الولائية التابعة للسلطة. أمّا الأحزاب الأخرى التي ظلّت خارج الجبهة، فقد كانت، نتيجة القمع الذي كان يُمارس ضدّها، والانقسامات الداخلية التي تنهكها، وأساليبها النخبوية في التعامل مع الناس، خاصّة في الأرياف، تعاني ضعفاً كبيراً، حتى إنّها مع الوقت باتت أضعف تأثيراً من النُّخب التي كانت تدعمها من خارج تشكيلاتها التنظيمية، خاصّة بين المثقّفين الذين كانوا وراء مبادرة بيان الـ99، ثمّ "بيان الألف"، و"إعلان دمشق ـ بيروت"، وقبل ذلك الرسالة الشهيرة التي وجّهها الأستاذ أنطون مقدسي إلى بشّار الأسد بعد استلامه مقاليد سلطات والده، دعاه من خلالها إلى الإصلاح وتحسين أوضاع الناس واحترام كراماتهم. ولكن، ورغم الظروف الصعبة التي كانت تعيشها معارضة سلطة الأسد، خاصّة التجمّع الديمقراطي بأحزابه الخمسة، والأحزاب الكردية و"الإخوان المسلمين"، لا سيّما في مرحلة منع المنتديات واعتقال الناشطين الذين كانوا ينتقدون الاستبداد والفساد ويطالبون بالإصلاح، تمكّنت هذه القوى في دمشق من إعلان تشكيل ائتلاف وطني سوري عامّ يضمّ، للمرّة الأولى، قوى عربية قومية، وأخرى كردية وسريانية، وأحزاباً وتيّارات يسارية علمانية وليبرالية ودينية، تشاركت في رؤية جسّدها "إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي". ولكنّ المشكلة التي كانت (وما زالت) مؤثّرة في العلاقات بين القوى السياسية السورية وتعرقل العمل المشترك بينها، تمثّلت في الحساسيات بين الأفراد، والإخفاق في امتلاك مقوّمات العمل الجماعي المؤسّساتي. وربّما كان ذلك مردّه، في جانب كبير منه، إلى عدم التفاعل مع الناس على أرض الواقع، وغياب التواصل، وغياب الحوارات السياسية الفكرية، والتهرّب من مناقشة القضايا الوطنية الملحّة، وإرجاء اتخاذ الموقف منها وتقديم مشاريع الحلول بشأنها إلى ما بعد الحصول على الشرعية الشعبية الديمقراطية، وغير ذلك من نقاط الضعف الكثيرة التي أسهمت في تراجع ثقة السوريين بالأحزاب التقليدية، بعد أن تيقّنوا من عجزها عن مواكبة التطوّرات والتحدّيات. وقد أسفر ذلك كلّه عن انقسامات داخلية ضمن "إعلان دمشق"، وتراجعت موجة التفاؤل بين المعارضين السوريين. ومع بدايات الثورة السورية كانت هناك حاجة إلى جسم وطني سوري عامّ قادر على استيعاب الجميع، للارتقاء بالعمل السياسي إلى مستوى التحدّيات والمخاطر التي كانت تواجه السوريين، خاصّة من جانب سلطة آل الأسد، والنظام الإيراني الذي كان يرى في سورية الساحة الأكثر أهمّيةً لمشروعه التوسّعي، وهو المشروع الذي كان (وما زال) يعتمد استراتيجية تخريب المجتمعات من الداخل، والتغلغل في مفاصل الدول الهشّة بغية الهيمنة عليها، وتوجيهها نحو المسارات التي تنسجم مع الاستراتيجية الإيرانية. ومع تشكّل "هيئة التنسيق"، التي ضمّت قوى وشخصياتٍ سياسيةً من مختلف الانتماءات المجتمعية والسياسية، واستمرارية "إعلان دمشق" رغم الضعف الذي كان يعانيه بفعل الانقسامات والتباينات الداخلية، وتبلور جهود تشكيل المجلس الوطني السوري، كانت هناك حاجة ماسّة إلى حوار معمّق يتجاوز أساليب توجيه الاتهامات لتبرئة الذات، ولكنّ تلك الحوارات لم تسر كما ينبغي، بكلّ أسف. تصفية الحسابات الشخصية والحزبية بين قوى المعارضة السورية أفقدت السوريين الثقة بأحزابهم وهيئاتهم السياسية فقد انضمّ "إعلان دمشق"، كما انضم "الإخوان"، إلى جهود تأسيس المجلس الوطني السوري، لكن هيئة التنسيق تريّثت، وتعرّضت، نتيجة ذلك، لحملات سياسية عنيفة كانت ظالمةً في معظم الأحيان، كما تعرّض "المجلس" لحملات انفعالية اتهامية من جانب قوى وشخصيات من هيئة التنسيق أو محسوبة عليها. وهكذا وقعت قوى المعارضة السورية، كالعادة، في فخّ تصفية الحسابات الشخصية والحزبية البينية، الأمر الذي استفادت منه سلطة الأسد، وأسهم، في الوقت نفسه، في تراجع ثقة السوريين الثائرين على استبداد السلطة المعنية بأحزابهم وهيئاتهم السياسية وفسادها، وكان التوجّه نحو العمل الفصائلي الذي رعته قوى إقليمية ودولية، ووجّهته نحو ما ينسجم مع حساباتها وأولوياتها، لا حسابات السوريين وأولوياتهم. لقد كنّا بحاجة إلى مزيد من التواصل والحوار، ما كان من شأنه توسيع قاعدة التوافق وتضييق دائرة الخلاف، ولكن هذا لم يحدث، بكلّ أسف، في الوقت المطلوب. وأذكر، في هذا المجال، أنّنا التقينا في قيادة "المجلس" مع وفد من قيادة "هيئة التنسيق" برئاسة الراحل حسن عبد العظيم في القاهرة، على هامش مؤتمر قوى المعارضة السورية الذي نظّمته وأشرفت عليه جامعة الدول العربية صيف عام 2012. وكان انطباعي الشخصي بعد الاجتماع أنّه لم يكن هناك أيّ تفسير مقنع لحالة التخندق التي كانت تهيمن على العلاقات بين "المجلس" و"الهيئة" في ذلك الحين. ثمّ كانت لدينا لقاءات في أكثر من مكان مع قيادات من هيئة التنسيق في مناسبات مختلفة، منها اجتماع الرياض لقوى المعارضة السورية أواخر عام 2015، وتبيّن لي باستمرار أنّ الهمّ الوطني العام كان يجمعنا، ولكن يبدو أنّ الهموم والنزعات الشخصية والحزبية كانت تحول دون العمل المشترك. رحم الله حسن عبد العظيم وسائر الروّاد وشهداء الثورة السورية الذين رحلوا وفي قلوبهم حسرة.... هل سنستوعب الدرس؟ هذا ما نتمنّاه، بل نرجوه.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows