Arab
بعد تسريبات جرى تداولها على مدار أكثر من أسبوعَين عن تغييرات ستنفذها السلطة السورية على مستويات عدّة والتي بدأت بحلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية من وزير الخارجية أسعد الشيباني قبل أيام، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس الأول السبت، تغييرات شملت حقائب وزارية ومحافظين ومنصباً قيادياً في مؤسّسة الرئاسة. وفي القرارات التي صدرت في وقت متأخر مساء السبت، وبعد فترة من ابتعاد ماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري، عن المشهد والشائعات بقرار استبداله، أقال الشرع شقيقه ماهر من منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وعيّن محافظ حمص عبد الرحمن الأعمى خلفاً له، في خطوة يبدو أنّ الهدف منها تبديد الاتهامات للإدارة الجديدة بالمحسوبية، وتقريب المؤيدين لها.
تعديلات السلطة السورية
أما على مستوى السلطة السورية التنفيذية فقد طاول التعديل الحكومي وزارتَين هما: الزراعة والإعلام. وعُيّن باسل سويدان (42 عاماً)، وزيراً للزراعة خلفاً للوزير أمجد بدر الذي وُجّهت إليه انتقادات بسبب سوء الإدارة وعدم قيام الوزارة بمهامها، ولا سيّما لجهة الاهتمام بالفلاحين وتقديم الدعم لهم، خصوصاً أن قطاع الزراعة يشكل أحد أهم روافد الاقتصاد في سورية. كما استبعدت السطة السورية حمزة المصطفى عن منصبه وزيراً للإعلام، وعُين خالد فواز زعرور خلفاً له. وكان زعرور (36 عاماً)، عميداً لكلية الإعلام في جامعة دمشق منذ نحو عام، وهو حاصل على دكتوراه في الإعلام الرقمي من الجامعة اللبنانية. وطاول التغيير عدداً من المحافظين، إذ عُيّن غسان إلياس السيد أحمد محافظاً للقنيطرة جنوبي البلاد، وعُيّن زياد العايش محافظاً لدير الزور شرقي سورية، والعميد مرهف النعسان محافظاً جديداً لمحافظة حمص، وأحمد علي مصطفى محافظاً للاذقية على الساحل السوري.
ومرّ نحو عام على تشكيل السلطة السورية أول حكومة انتقالية في البلاد، تضم 23 حقيبة وزارية، لم تستطع خلاله تحقيق نتائج مهمة واختراقات في الكثير من الملفات التي لها علاقة مباشرة بحياة المواطنين، ولا سيّما الجوانب الاقتصادية والخدمية والتعليمية. وقُرئت هذه التغييرات على أنها محاولة لاستعادة ثقة الشارع السوري بالأداء الحكومي بعد أن طفا أخيراً على السطح، استياء شعبي من تردي الأحوال المعيشية وارتفاع الأسعار على نحوٍ يفوق بكثير القدرة الشرائية لدى شرائح واسعة من الشعب. ورغم وجود تسريبات عن دفعة ثانية من التغييرات، إلّا أنّ كل التوقعات تتجه إلى عدم حدوث أي تغييرات في الوزارات السيادية التي لا يزال يسيطر عليها قياديون من الدائرة الضيقة في "هيئة تحرير الشام"، التي كان يقودها الشرع وقادت عملية إسقاط نظام بشار الأسد، أواخر 2024.
يأتي ذلك وسط غياب تسريبات حتى الآن بتغييرات السلطة السورية على صعيد الوزارات الاقتصادية، الأمر الذي يعطي انطباعاً أن التغييرات الحكومية لا تزال شكلية، بيد أن الباحث الاقتصادي السوري ياسر الحسين، رجّح في حديث مع "العربي الجديد"، أن يلجأ الشرع إلى إجراء تعديل وزاري أكبر بعد انعقاد البرلمان (لم يُعقد منذ انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول الماضي)، و"ربما يشمل الحقائب الوزارية الاقتصادية". وما تتصف به التغييرات التي تُجرى في البلاد، غياب الشفافية الكاملة من الإدارة السورية، التي لا تذهب عادة إلى تأكيد أو نفي التسريبات المتعلقة بالتعيينات التي تجريها، ما يترك الشارع السوري أمام معلومات متضاربة تعزز حالة الضبابية التي تكتنف المشهد، وتغذي الشائعات. وحين تصدر السلطات قرارات الإقالة والتعيين فإنها تصدرها في وقت متأخر من الليل، لا أثناء الدوام الرسمي.
مؤيد غزلان: الرضا الشعبي عن الأداء، هو المعيار الرئيسي في عملية التغيير التي تطاول المسؤولين
لكن الباحث السياسي السوري مؤيد غزلان، رأى في حديث مع "العربي الجديد"، أنه "لا مقدمات في مسألتَي العزل والتعيين حتى في دول رائدة في الديمقراطية"، مضيفاً أن "الإعلان المسبق في مجتمع ما يزال غير منسجم ويلح على الإنجاز ربما يفضي إلى نتائج عكسية"، وفي رأيه فإن "الرضا الشعبي عن الأداء، هو المعيار الرئيسي في عملية التغيير التي تطاول المسؤولين، فضلاً عن تقارير الرقابة والتفتيش، والإنجاز العام". وجاء التعديل الحكومي بعد أيام قليلة من حل السلطات "الأمانة العامة للشؤون السياسية"، التي شُكلت قبل عام، ما أثار في حينه جدلاً قانونياً وسياسياً، ومخاوف من اتجاه الإدارة السورية لاحتكار العمل السياسي، وضبطه بما يتساوق مع توجهاتها، في تكرار للسيناريو الذي كان معمولاً به إبّان النظام السابق.
حل الأمانة العامة للشؤون السياسية
وكانت "الأمانة العامة" تتمتع بصلاحيات واسعة في الإشراف على العمل السياسي والنقابي في البلاد، فضلاً عن دور مهم في رسم السياسات العامة في المرحلة الانتقالية، ما بدا تكراراً للدور الذي كان يقوم حزب البعث الذي ظل "قائداً للدولة والمجتمع"، لأكثر من نصف قرن. وقال مصدر مطلع في دمشق لـ"العربي الجديد"، إن الهدف من حل الأمانة العامة للشؤون السياسية "إزالة الصفة الرقابية للدولة على منظمات المجتمع المدني في البلاد"، مؤكداً أن هناك جملة تغييرات سياسية ستجري خلال الأيام المقبلة، وأضاف المصدر الذي فضّل عدم ذكر اسمه لأنه غير مخوّل بحديث علني عن هذا الجانب أنه "لا يمكن استباق أي إجراء لجهتَي طبيعته ومسمّاه"، لافتاً إلى أنّ "الحديث الذي راج أخيراً عن نيّة الإدارة السورية تشكيل حزب سياسي بعد إقرار قانون ينظم الحياة الحزبية في البلاد، يندرج في سياق التكهنات لا أكثر".
ويُتوقع انعقاد مجلس الشعب (البرلمان) الشهر المقبل، بعد إجراء انتخابات محافظة الحسكة (أُجلت حين كانت غير خاضعة لسلطة دمشق) التي ما يزال قسم منها يعيش أوضاعاً شاذة في ظلّ تعثر تنفيذ بنود في اتفاق أبرم بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بشأن دمج تلك القوات بمؤسسات الدولة، في يناير/ كانون الثاني الماضي. ومن المنتظر تشريع العديد من القوانين الكفيلة بإنهاء حالة العطالة (عن العمل) التي تشهدها الحياة السياسية، لعلّ أبرزها قانون تشكيل الأحزاب الذي تترقبه القوى والتيارات السياسية في البلاد.
دلالات سياسية
وتعليقاً على التغييرات في السلطة السورية والمشهد الحالي في البلاد، رأى الباحث في مركز الحوار السوري، أحمد القربي، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ للتغييرات على المستوى الحكومي التي تجري الآن وتلك المتوقعة خلال الفترة المقبلة "الكثير من الدلالات السياسية". ولعل أبرزها، وفق القربي، "استعادة ثقة الشارع السوري بعد الاعتراضات على تعيين أقارب للمسؤولين في الإدارة، في مناصب قيادية بالدولة". وفي رأيه فإن من جملة الأهداف "إعادة صياغة هياكل الحوكمة في البلاد"، مضيفاً أن "فكرة تنظيم الفضاء العام ما تزال موجودة في سياسات الإدارة خصوصاً في ظل الأوضاع الراهنة في البلاد"، مرجحاً نقل مهام الأمانة العامة للشؤون السياسية إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة أو إلى هيئة جديدة يجري إلحاقها برئاسة الجمهورية مباشرة.
بسام العمادي: التغيير مطلوب بعد الوضع السيّئ الذي يمر به المواطن السوري نتيجة سياسة تعيين المسؤولين في البلاد على أساس الولاء لا الكفاءة
من جهته، رأى السفير السوري السابق في السويد بسام العمادي، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ التغييرات التي أُحدثت "غير كافية"، مطالباً الإدارة بـ"إجراء تغيير كبير" في الجسم الحكومي. وفي رأيه فإنّ "هذا التغيير مطلوب بعد الوضع السيّئ الذي يمرّ به المواطن السوري نتيجة سياسة تعيين المسؤولين في البلاد على أساس الولاء لا الكفاءة"، كما رأى أنّ حل "الأمانة العامة للشؤون السياسية"، قبل أيام "ضروري"، بيد أنه أشار إلى أنّ استعادة ثقة الشارع السوري "تحتاج إلى عوامل أكبر وخطوات أكثر يظهر تأثيرها سريعاً على حياة الشعب"، مضيفاً أن السياسات المتبعة حالياً لم تصبّ في صالح المواطنين بل على العكس زادتهم فقراً وإحساساً بالظلم.

Related News
بيانات: ناقلتا نفط غادرتا مضيق هرمز بعد إيقاف أجهزة التتبع
aawsat
30 minutes ago