Arab
لم يكن الفلسطيني محمد العصاعصة يتخيّل أن ساعات الحزن الأولى على وفاة والده الثمانيني الحاج حسين محمد حسين العصاعصة (أبو عزات) من قرية العصاعصة الواقعة جنوب جنين شمالي الضفة الغربية، ستتحول إلى واحدة من أكثر التجارب قسوة في حياته، تجربة أجبرته، على استخراج جثمان والده من قبره بعد ساعات قليلة من دفنه، وإعادة تشييعه ومواراته في الثرى مرة ثانية في قرية مجاورة، بعدما نبش مستوطنون القبر وهددوا بإخراج الجثمان بالقوة يوم الجمعة الماضي.
صدمة بعد الوفاة
في ظهيرة يوم الجمعة الثامن من مايو/ أيار الجاري، تلقّت عائلة العصاعصة في قرية العصاعصة، نبأ وفاة الحاج حسين محمد حسين العصاعصة (أبو عزات) عن عمر ناهز 85 عاماً، وهي وفاة طبيعية بعد معاناته خلال السنوات الأخيرة مشكلاتٍ صحيةً عدة، بينها عملية قلب سابقة، ومشكلات في الصمامات والشرايين، إضافة إلى تجمع السوائل على الرئة، لكن الصدمة بوفاته أصبحت أكبر بعد نبش المستوطنين قبره.
يقول نجله محمد العصاعصة لـ"العربي الجديد" إن "الأسرة بدأت فوراً الترتيب لدفن والده في مقبرة القرية، وهي المقبرة التي اعتادت العائلة وأهالي القرية الدفن فيها منذ عشرات السنين، وتضم ما بين 150 إلى 200 قبر، وتقع على بعد نحو 500 متر من مستوطنة ترسلة، وبعد وفاة والدي، تواصلت العائلة مع الجهات المختصة التي نسّقت مع الارتباط الفلسطيني، ليصل الرد بعد نحو ساعة: يُسمح بالدفن بين الرابعة والنصف والخامسة والنصف مساء، على أن يكون عدد المشاركين محدوداً، ولا يتجاوز نحو 40 شخصاً". وبحسب العصاعصة، فإنه قبل نحو شهر ونصف شهر، عاد مستوطنون إلى مستوطنة ترسلة التي أخلوها عام 2005، والقريبة من القرية، وأُبلغ الأهالي أن المنطقة المحيطة بالمقبرة باتت "منطقة عسكرية"، وأن الوصول إليها يحتاج إلى تنسيق مسبق.
شتائم واستفزازات من المستوطنين
يستعيد محمد تفاصيل اللحظات الأخيرة التي ظنّ أنها ستكون نهاية المشهد بعد وفاة والده، قائلاً: "صلّينا على والدي صلاة الجنازة في مسجد القرية، وبعدها توجهنا للمقبرة، لكن جنود الاحتلال كانوا موجودين في محيط المقبرة أثناء الدفن، دون احتكاك مباشر معهم، غير أن المستوطنين، الذين كانوا داخل المستوطنة أعلى من المقبرة، كانوا حاضرين أيضاً، وكانوا يصرخون ويسبّون ويشتمون ويستفزوننا، لكننا تجاهلناهم، كنا فقط نريد أن ندفن والدنا بسلام". ولم تمضِ سوى دقائق قليلة، على انتهاء مراسم الدفن، وعودة العائلة إلى البيت لتبدأ باستقبال المعزين، حتى وصل شبان من القرية يركضون وهم يحملون خبراً بدا، للوهلة الأولى، كما يروي محمد، غير قابل للتصديق: "المستوطنون نزلوا على المقبرة وبدؤوا ينبشون قبر والدي".
كان الخبر صادماً جداً للعائلة، كما يؤكد محمد، حيث إن العائلة لم تنتظر كثيراً، وهرعنا جميعاً نحو المقبرة، وهناك، بدا المشهد أكثر قسوة مما توقعنا، حيث كانت المقبرة ممتلئة بالمستوطنين وجيش الاحتلال، حينها حاول أفراد العائلة الاقتراب، لكن الجنود والمستوطنين منعوهم من الدخول بدايةً، وبعد إصرار، تمكنوا من الوصول إلى بوابة المقبرة، تقدم شخص قال إنه مسؤول عن المستوطنة وأبلغهم بلهجة حاسمة: "هذا القبر يجب إزالته من هنا". لم يستوعب محمد ما يسمعه، حاول شرح أن الدفن تم بعد تنسيق رسمي وموافقة مسبقة، لكن الرد، كما يقول، كان واضحاً من قبل ذلك المستوطن: "أنا لا أعترف بالتنسيق، هذه الأرض لنا".
إخراج الجثمان بالقوة
وبحسب رواية محمد العصاعصة، بعدما وصل النقاش إلى طريق مسدود سريعاً، أُبلغت العائلة بأنها أمام خيارين: إما إخراج الجثمان بأنفسهم، وإما استخدام جرافة لنبش القبر وإلقاء الجثمان خارجه. يقول محمد: "بعد ذلك تمكن عدة أفراد من العائلة من دخول المقبرة، لكن وجدنا أن قبر والدي كان قد نُبش بالفعل، ووصل النبش إلى الأحجار التي تغطي اللحد، ولو تأخرنا قليلاً لأخرجوا الجثمان وألقوه في الخارج".
أمام هذا الواقع، لم تجد العائلة خياراً سوى انتشال الجثمان، وتحولت الجنازة إلى جنازتين في يوم واحد، وأُعيد نقل جثمان الحاج حسين إلى المنزل، ثم بدأت رحلة البحث عن مكان جديد للدفن، حيث اتصلت العائلة بأهالي قرية الفندقومية المجاورة، من أجل دفن والدي في مقبرتها، وهناك، صُلّي عليه مجدداً في ساحة المقبرة، قبل أن يُوارى في الثرى للمرة الثانية خلال ساعات قليلة. لكن الحكاية، بالنسبة للعائلة، لم تكن فقط عن نقل قبر أو تغيير مكان دفن؛ كانت عن معنى أعمق للمساس بحرمة الموتى، إذ يشدد محمد على أن ذلك غير مقبول في أي ديانة.
ويبدي محمد العصاعصة قلقه بأن الخطر أكبر من مجرد إخراج جثمان والده، بل إن الخطر يهدد المقبرة والقرية كلها، فعندما دخلت العائلة المقبرة بعد الحادثة، وجدوا آثار تخريب واضحة: سرقة خزان المياه الخاص بالمقبرة، واختفاء أدوات تستخدم لخدمة المقبرة، إلى جانب تكسير بعض شواهد القبور.
أمر غير متوقع
الحاج حسين، الذي ترك وراءه سبعة أبناء وأربع بنات ونحو 35 حفيداً، كان قد عمل في شبابه عاملاً، ثم في تجارة الأغنام قبل أن يعتزل العمل منذ أكثر من عقدين ويلازم المنزل، لكن رحيله شكل صدمة كبيرة للعائلة، حيث يقول محمد: "لم نكن نتوقع أن يحدث ذلك لوالدي ولو بالأحلام". في القرية التي تحمل اسم العائلة نفسها (العصاعصة) والمقامة منذ عام 1963، على بُعد نحو كيلومتر واحد فقط من مستوطنة ترسلة، تعيش واقعاً متغيراً منذ عودة المستوطنين قبل نحو شهر ونصف شهر إلى المنطقة "بشراسة وعنف"، بعد أكثر من عشرين عاماً من الإخلاء، إثر إخلاء مستوطنات من قطاع غزة ومن شمالي الضفة الغربية، فيما عرف حينها بخطة "فك الارتباط". الخوف، بالنسبة لأهالي قرية العصاعصة، لم يعد يقتصر على الأراضي ومصادرتها أو عودة الاستيطان، وصولاً إلى نبش القبور، بل قد يمتد إلى محاولة دفع السكان نحو الرحيل عبر سلسلة اعتداءات قد بدأت بالفعل.
خلق بيئة استيطانية والدفع نحو التهجير
يؤكد مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أمير داود، في حديث مع "العربي الجديد"، أن ما جرى مع أهالي قرية العصاعصة يتجاوز مسألة الدفن أو فرض الوقائع بالقوة، ليكشف مستوى متصاعداً من تغول إرهاب المستوطنين تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال. ويوضح داود أن هذه الممارسات لا تستهدف الأرض فقط، بل تطاول "الذاكرة والوجود والرمزية الوطنية والإنسانية"، ضمن سياسة تهدف إلى خلق بيئة قهرية تدفع الفلسطينيين في محيط المستوطنات إلى الرحيل، حتى في أبسط حقوقهم الإنسانية مثل دفن موتاهم بكرامة. ويشير داود إلى أن شمالي الضفة، خصوصاً محيط جنين، يشهد تصعيداً غير مسبوق في الأوامر العسكرية، مع توجه لإعادة تموضع استيطاني عبر نحو 11 موقعاً جديداً، إضافة إلى العودة إلى 4 مستوطنات أخليت عام 2005، مع خلق بيئة أمنية تمهّد لتوسيع الاستيطان.

Related News
نيكو ويليامز يثير المخاوف في إسبانيا قبل المونديال
aawsat
5 minutes ago
تمسّك الدبيبة بـ«الدستور أولاً» يعيد الجدل في ليبيا
aawsat
7 minutes ago