مصريون يعيشون داخل الشاشة... الإنترنت يبتلع الوقت والحياة اليومية
Arab
1 hour ago
share
كشف الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر عن قفزات هائلة في استخدام خدمات الانترنت بالهواتف المحمولة، بمعدل 7.9 ملايين مستخدم جديد بنسبة 12%، بالتوازي مع زيادة مليون مشترك في خدمات الإنترنت الأرضي الثابت بنسبة 36% على مدار 24 ساعة في عام 2026، بالمقارنة مع نفس الفترة الزمنية في عام 2025. وأظهرت الأرقام الرسمية، الصادرة الأسبوع الماضي، أن مصر تحوّلت من مجرد "سوق إنترنت كبيرة" تضم نحو 65.6 مليون مستخدم يومي للإنترنت إلى "مجتمع شاشة" يضم 54.3 مليون مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي، ويوجد به 52.4 مليون مشاهد لمنصات البث و42.6 مليون مستخدم للفيديوهات القصيرة. بالتالي صار الفضاء الرقمي بيئة أساسية يعيش داخلها المصريون يومياً، ويتنقلون داخله بواسطة الهاتف المحمول لمتابعة التلفزيون والصحف والأفلام والتسوق والعمل والتواصل العائلي في آن واحد. وبيّنت الأرقام التي حصل "العربي الجديد" على نسخة منها، أنّ المواد الترفيهية صارت الأكثر جذباً لانتباه الجمهور المحلي والأكثر استهلاكاً للوقت بنسبة مشاهدة يومية تبلغ 67%، ويتوجه 60% من الجمهور لرؤية الفيديوهات القصيرة و35% لمتابعة البث المباشر، فيما يمارس 21% الألعاب الإلكترونية. ويرى الخبراء أن تحوّل اقتصاد الترفيه الرقمي إلى أكبر مستهلك للوقت والانتباه في مصر يحمل مخاطر اجتماعية، لكنّه قد يمنح فرصة لنمو قطاعات الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى والتجارة والألعاب الإلكترونية. في حديث مع "العربي الجديد" أرجع أستاذ الاجتماع السياسي في جامعة القاهرة، أحمد مجدي حجازي، زيادة الإقبال على خدمات الإنترنت إلى انتشار الهواتف الذكية بين فئة واسعة من المواطنين في إطار تقليد المجتمعات المتقدمة التي تشهد نموّاً متسارعاً في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، معتبراً أن الكثيرين في مصر يوظّفونه في محاكات تلك المجتمعات من حيث الشكل والتعبير عن الوجاهة الاجتماعية، والبحث عن الترفيه وتضييع الوقت، دون أن يكون لاستخداماتها أي دور في توظيف تلك التطورات في التعليم وزيادة الإنتاج، وأشار إلى أنّ هذه الفئة توفر لأطفالها الهواتف الذكية لتستخدمها بدون ضوابط أخلاقية، ممّا يعمق خطورتها على المجتمع، ويحول دون الاستفادة منها لصالح التعليم أو فرص العمل. وأبدى حجازي مخاوفه من الأرقام الواردة في التقرير الحكومي، التي تظهر وجود 471.8 مليار رسالة يومياً و25.2 مليار زيارة لصفحات السوشيال ميديا و64.1 مليار عملية بحث على الإنترنت، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع في معدلات إدمان الشاشة وتأثيرات اجتماعية ونفسية متزايدة، إضافةً إلى ضعف الإنتاجية، وتراجع القراءة العميقة. ورأى أنّ هذا التحول التكنولوجي يدفع ملايين المصريين إلى قضاء مزيد من الوقت داخل العالم الرقمي باعتباره البديل الأرخص والأسرع والأكثر إشباعاً. وشدّد حجازي على أهمية توعية المستخدمين حول توظيف خدمات الإنترنت بصورة تخدم حياتهم وأعمالهم اليومية، والحيلولة دون استخدامه من الأطفال دون 12 عاماً، وتوعية الأسر بأهمية تنشئة الأطفال على سبل التوظيف الجيد لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات وتعريفهم بالتشريعات الحاكمة لشبكات الإنترنت، لتتحوّل التكنولوجيا من أدوات هدم إلى وسيلة لبناء الإنسان وليس هدمه، حسب قوله. من جهتها، أكّدت أستاذة الإعلام في جامعة كفر الشيخ سميرة موسى، لـ"العربي الجديد"، أن الأرقام الصادرة من جهاز الاتصالات الحكومي تعكس دلالات خطيرة، إذ ينمو الجمهور والمشاهدات، ليس من أجل التعليم أو إنهاء الأعمال أو متابعة الأخبار بل لملاحقة المحتوى السريع والترفيهي، بما يشير إلى تراجع الصحف والتلفزيون ووسائل الإعلام التقليدية، مع تضخّم "اقتصاد التيك توك" وانتقال سوق الإعلانات التجارية إلى صيغة المقاطع القصيرة. ورأت موسى أن بحث المستهلكين عن محتوى سريع ومثير ومختزل يعتمد على الجرعات القصيرة والتمرير السريع أدّى إلى تراجع القراءة التقليدية للصحف والكتب وانخفاض قدرة الأجيال الجديدة على التركيز، وازدهار المؤثرين على حساب المؤسسات الإعلامية، التي اضطرت للبحث عن سبل للتكيّف مع هذه التحولات، في إطار رغبتها في الوصول إلى الجمهور والتعرّف على اهتماماته. وأشارت إلى خسارة قنوات التلفزيون نحو 52.4 مليون مشاهد يومي، أي ما يعادل نصف سكان مصر، لصالح منصات البث التي نمت بنسبة 67%، يعكس تحوّل الجمهور عن التلفزيون التقليدي إلى المشاهدة حسب الطلب التي أصبحت فرض عين على وسائل الإعلام، وقد ظهر ذلك تحديداً في مشاهدات شهر رمضان الماضي، الذي يشهد عادة زخماً كبيراً في العرض وعدد المتابعين، وتبين أن المشاهد لم يعد ينتظر موعد الحلقات ولا القناة بل انتقل إلى المنصات والمشاهدة عبر الهاتف في الأوقات التي يحدّدها، بما هدد نماذج الإنتاج التلفزيون ومداخيل القنوات ومؤسسات الإعلام والإنتاج غير المتكيفة رقمياً. كذلك، لفتت موسى إلى أن منصات الفيديوهات القصيرة (ريلز) تسحب المشاهدين بدون وعي، وتغيّر مزاجهم الشخصي، وتنعكس تغيّراً في المزاج العام للمجتمع، مشيرةً إلى دورها في خلق أجواء ضبابية لدى الشاب المتطلع لحياة مغايرة لمجتمعه بدون أن تكون لديه قدرات حقيقية على التغيير، حسب تعبيرها، كما تدفع بعض المؤثرين لإنتاج محتوى سيّئ وارتكاب أفعال غير أخلاقية أو التدليس، لمجرد رغبتهم في كسب مزيد من المتابعين أو جني المال من عوائد الشهرة على منصات وسائل التواصل. وأكّدت موسى أهمية تحديث التشريعات الإعلامية لمواكبة التحولات التكنولوجية التي أحدثت طفرة في استخدام الإنترنت والمنصات الرقمية، مع تعميم برامج التربية الإعلامية في المدارس والجامعات، ليكون لدى عموم الجمهور القدرة على فهم وتحليل ونقد المواد التي تجري مشاهدتها، وتشجيع الرقابة الاجتماعية من دون أن تتوسّع الدولة في حجب المواقع وخدمات الإنترنت، مع فرض غرامات على منتجي المواد الهابطة وملاحقة مواقعهم. ويعتبر سياسيون أن نمو مجتمع الإنترنت الترفيهي نتيجة لهروب المواطنين من الواقع الاقتصادي الصعب، بسبب ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكلفة المعيشة والسفر والترفيه التقليدي، إذ أصبح الهاتف أرخص وسيلة للهروب النفسي والترفيه بدلاً من السينما وجلسات المقاهي وصعوبات السفر والتسوق التقليدي. بالتالي، صار الإنترنت بديل الطبقة الوسطى للترفيه منخفض التكلفة، وصار باباً للفقراء للاطلاع على حياة الآخرين، والبحث عن الشهرة وفرص الحصول على المال، ولو بطرق "سوقية" وغير منضبطة أخلاقياً. وفي السياق نفسه، أظهرت الأرقام الرسمية أن المستخدم المصري بات يقضي وقتاً أطول داخل المنزل لمتابعة شبكات التواصل والبث والألعاب، ما حول البيوت إلى "منازل رقمية"، ينمو بها استهلاك الفيديو بشكل هائل، الموجه للترفيه والتواصل وليس للعمل أو التجارة الإلكترونية التي تنمو بمعدل 10% فقط. وهو أمر يرجعه الخبراء إلى ضعف القوة الشرائية والتضخم وعدم الثقة الكاملة في الشراء الإلكتروني وتفضيل المعاينة المباشرة للسلع، مع كثرة عمليات الاحتيال. وأشار التقرير الحكومي إلى اقتراب وسائل التواصل الاجتماعي من "مرحلة التشبع" رغم عدد المستخدمين الذي وصل إلى 54.3 مليون مصري، بنسبة نمو 5% فقط مقارنة بالعام الماضي، كما بيّن أنه على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة فقد صار الإنترنت "سلعة أساسية" لا يمكن الاستغناء عنها، إذ يلجأ مواطنون إلى خفض الإنفاق على أشياء كثيرة، لكنهم لا يتخلون عن باقات الإنترنت والهاتف. واللافت أن المصريين يكابدون زيادات مستمرة في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت، كان آخرها الأربعاء الماضي، حينما طبقت شركات الاتصالات زيادة تقارب 15% على بطاقات الشحن وباقات الإنترنت وخدمات الفاتورة الشهرية، في خطوة رأى مستخدمون أنها تضيف عبئاً جديداً على ميزانية الأسرة في ظلّ صعوبة الاستغناء عن الإنترنت أو حتى تقليص استخدامه. وكتب أحد المستخدمين على منصة إكس: "زمان كان الإنترنت رفاهية... الآن كل شيء يجري عبر الهاتف، العمل والبنك والدراسة ورؤية الأخبار"، مضيفاً: "قد نتمكن من تقليل استهلاك الكهرباء وبعض السلع، لكن خفض استخدام الإنترنت صار أصعب من أي وقت مضى". ويرى متخصّصون في الاقتصاد الرقمي أن حساسية الرأي العام تجاه أي زيادة في أسعار الإنترنت تعكس تحوّلاً هيكليّاً في المجتمع المصري، الذي لم يعد قادراً على تغيير أنماط استهلاكه الرقمي أو تقليل عدد الخطوط والباقات داخل الأسرة، رغم أنّ فاتورة الاتصال مرشحة لمزيد من الارتفاع في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows