Arab
ليست حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة في فلسطين منذ "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولا تواطؤ بريطانيا معها، السبب الوحيد وراء اهتمام "بالستاين أكشن" بالانتخابات المحلية البريطانية. فبعض سياسات المجالس المحلية في بريطانيا، التي قد لا يعرف كثيرون في الشرق الأوسط، بمن فيهم فلسطينيون، أسماءها أو مواقعها على الخريطة البريطانية، تسهم في تغذية المشروع العدواني الإسرائيلي. لذلك، يحدو مؤيدي فلسطين قدر كبير من الأمل حيال نتائج هذه الانتخابات، في مقابل قلق متزايد لدى اللوبي الإسرائيلي من خريطة المجالس المحلية الجديدة، التي لن تتضح ملامحها قبل اكتمال النتائج نهاية يوم السبت.
فالمجالس المحلية تدير عشرات من صناديق معاشات التقاعد التي يساهم فيها الملايين من العاملين في مختلف مستويات الحكومات المحلية. وتملك هذه المجالس، منذ عقود، الحق في استثمار أموال اشتراكات الموظفين في تلك الصناديق بالطريقة التي تدر أكبر قدر من الأرباح، ما يعود بالنفع المالي على الموظفين عند تقاعدهم.
حقائق كاشفة
غير أن بعض الحقائق التي توصل إليها كثير من بحوث منظمات أهلية موثوقة، ومنها "حملة التضامن مع فلسطين"، وحملة "المقاطعة، وقف الاستثمارات، والعقوبات" المناهضة لإسرائيل، المعروفة باسم (بي دي إس)، تكشف التالي:
• تستثمر صناديق معاشات التقاعد أموالها بطريقتين: إما مباشرة، بشراء أسهم في الشركات، أو غير مباشرة بوضع الأموال في صناديق استثمارية تمتلك أسهماً نيابة عنها.
• 81 من أصل 86 من صناديق التقاعد المحلية في بريطانيا تستثمر أموال الناس بطرق من بينها شراء أسهم في شركات السلاح التي تغذي إسرائيل بقدرات الحرب، ودعم مشروعات استثمارية إسرائيلية وغير إسرائيلية في المستوطنات اليهودية غير المشروعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
• قيمة هذه الاستثمارات تبلغ 12 ملياراً و125 مليون جنيه إسترليني.
• المجلس المحلي لمدينة ويستمنستر (التي يقع فيها البرلمان، أحد مراكز قلب لندن السياسي) كان أحد أكبر المساهمين في مشروع استثمار أموال المعاشات لمصلحة إسرائيل. فالبحوث تؤكد أن صندوق معاشاته ضخ 76 مليوناً و516 ألف جنيه إسترليني في تلك الشركات والمشروعات الداعمة للمشروع الإسرائيلي.
وبسبب هذا الدعم، جعلت "بالستاين أكشن" في بريطانيا قضية استثمار صناديق المعاشات أحد معايير دعمها لمرشحي الانتخابات المحلية ضمن حملة "صوت لفلسطين 2026". ودعت الحركة الناخبين إلى التصويت للمرشحين الموقعين على "عهد فلسطين"، الذي ينص أحد بنوده على الالتزام بالعمل على ضمان عدم تواطؤ المجلس الذي يريد المرشح الفوز بمقعد فيه مع جريمة استثمار صندوق معاش تقاعد المجلس في دعم إسرائيل. وأتت الحملة أكلها. فحتى الخميس، يوم التصويت، ارتفع عدد المرشحين الموقعين على العهد إلى 2200 مرشح يمثلون نحو 9% من إجمالي المرشحين، وهو ما يعتبره أنصار فلسطين إنجازاً مشجعاً جديداً يمكن البناء عليه.
مخاطر جسيمة
من بين الإنجازات إعادة مجلس مدينة ويستمنستر النظر في طريقة استثمار صندوقه. فقرر البدء، في شهر يونيو/حزيران الماضي، بسحب استثماراته بالكامل من السندات الحكومية الإسرائيلية. وفي تقرير بشأن "الاستثمار المسؤول"، كشفت لجنة المخاطر المرتبطة بالاستثمار، التابعة للمجلس، أن أعضاءها "يدركون المخاطر المرتبطة بالاستثمارات في إسرائيل وغزة والأراضي المحتلة". ودعا التقرير إلى أن يكون صندوق معاشات مجلس المدينة "مستثمراً يتحلى بالمسؤولية"، وألا تكون لديه "أي استثمارات في المنطقة".
وبداية من عام 2026، حذت مجالس أخرى حذوها، واتخذ مجلسا "تاور هامليتس" و"ساوثوارك" إجراءات لسحب استثماراتهما من الشركات المدرجة في قائمة المتواطئين مع جرائم إسرائيل. لجأ أنصار فلسطين إلى القانون للضغط على الحكومة المركزية والحكومات المحلية لإعادة النظر في تعاملات صناديق معاشات الناس مع إسرائيل.
وطوال العامين الماضيين، تلقت وزارتا الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي، والخارجية، وكل السلطات التي تدير نظام معاشات التقاعد الحكومية المحلية "إشعارات قانونية" تشرح "التبعات بموجب القانونين الدولي والمحلي" للاستثمارات عبر صناديق معاشات الحكومات المحلية في الشركات التي تساعد أو تساند إسرائيل في انتهاكاتها للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وأعدت تلك الإشعارات، التي استندت إلى تقارير منظمات ذات مصداقية قانونية دولية، مثل محكمة العدل الدولية ومراجع القانون الدولي الإنساني، شركات محاماة كبرى مثل "دايتون بيرس غلين" المتخصصة في قوانين حقوق الإنسان.
وخلصت الإشعارات إلى أن إسرائيل "ترتكب انتهاكات لأهم مبادئ القانون الدولي"، ونتيجة لذلك "يلزم القانون الدولي الدول الأخرى، كالمملكة المتحدة، بالامتناع عن تقديم المساعدة واتخاذ جميع التدابير المتاحة بشكل معقول لوضع حد لانتهاكات إسرائيل".
ووجهت تحذيرات صريحة لإدارات صناديق معاشات التقاعد الحكومية ووزير الخارجية من "مخاطر قانونية جسيمة إذا استمروا في الاستثمار أو السماح بالاستثمار في شركات تساعد أو تساند إسرائيل في انتهاكاتها" في دولة فلسطين المحتلة، التي تعترف بها بريطانيا الآن.
وحققت الإشعارات هدفها الأولي. إذ أقر المجلس الاستشاري لصندوق معاشات التقاعد الحكومية بـ"خطورة الكارثة الإنسانية في غزة". وطلب المجلس مشورة قانونية، لا يزال بانتظارها، بشأن التصرف القانوني. وطلب أيضاً من وزارة الخارجية توضيح سياستها تجاه القضية. وصعدت هذه التحركات المنسقة الضغط على صناديق معاشات التقاعد في كل أنحاء بريطانيا.
فصل المال عن السياسة
وحسب تقارير المتابعة التي تعدها حملة التضامن مع فلسطين والمنظمات المؤيدة لها، فإنه في الفترة بين 7 يونيو/حزيران 2024 وحتى 10 مارس/آذار الماضي، ناقش 40 مجلساً محلياً اقتراحات بشأن إعادة النظر في سياسات استثمار صناديق معاشات التقاعد.
وحتى مؤسسة "لندن سي آي في"، المسؤولة عن إدارة عشرات المليارات لمصلحة أحياء لندن، بدأت مراجعة نظامها الاستثماري والبحث جدياً في مطالب باستبعاد الشركات المدرجة في قاعدة بيانات الأمم المتحدة للشركات الضالعة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية من قائمة الجهات المتلقية للاستثمارات. ولقي هذا التحرك قوة دفع مؤثرة بعدما دعا حوالى 150 عضواً في المجالس المحلية بلندن المؤسسة إلى سحب استثماراتها من الشركات التي تسهم في تمكين إسرائيل من اقتراف جرائمها.
حاولت مؤسسات الدولة في بريطانيا مراراً إجهاض حملة صناديق المعاشات ضمن مساعيها الدؤوبة للقضاء على حملة مقاطعة إسرائيل الأوسع. وامتنعت عن فرض عقوبات على مشاريع الاستثمار في الشركات الإسرائيلية أو الشركات العاملة في فلسطين المحتلة، دون أن تعلن سياسة يسترشد بها المستثمرون المحتملون. وبهذا، تُركت إدارات صناديق المعاشات التقاعدية الفردية والكيانات المشتركة مثل "لندن سي آي في" لتتحمل وحدها المسؤولية عن قراراتها بشأن استثمار أموال صناديق معاشات التقاعد.
ونظراً لمكاسب إسرائيل السياسية والمالية من استثمارات تلك الصناديق، ألقى اللوبي الإسرائيلي في بريطانيا بثقله لمقاومة حملة "بالستاين أكشن". ونظمت جماعة "محامون من المملكة المتحدة من أجل إسرائيل"، الذراع القانونية للوبي، الكثير من الفعاليات والاجتماعات لإقناع إدارات الصناديق بضرورة "فصل المال عن السياسة". وتقول الجماعة في الحملة التي يقودها جوناثان تيرنز، رئيسها التنفيذي، إن "واجب أمناء ومديري صناديق معاشات التقاعد، وكذلك الصناديق الأخرى، هو التركيز على العوامل المالية، وليس السياسة الخارجية".
وفي العديد من الفعاليات، التي تشارك فيها ناتاشا هاوسدروف، مديرة الشؤون القانونية للذراع الخيرية للجماعة والمعاونة السابقة لرئيسة المحكمة العليا الإسرائيلية، يخوف أنصار إسرائيل المجالس المحلية من أنها "قد تخل بالواجبات الائتمانية إذا لم تستند قرارات الاستثمار إلى العائد المالي فقط".
وعندما زاد الضغط على الحكومة البريطانية، بعد جرائم الإبادة الإسرائيلية، لإصدار توجيهات واضحة بشأن استثمارات نظام معاشات التقاعد الحكومية المحلية في مناطق النزاع، سارعت جماعة المحامين إلى التحذير من العواقب المالية، بدعوى أن سحب الاستثمارات "ذا الدوافع السياسية" قد يؤدي إلى خسائر فادحة تصل إلى 200 مليار جنيه إسترليني على مدى عشر سنوات.

Related News
داروين نونيز يحسم مصيره مع الهلال بسبب بنزيمة
alaraby ALjadeed
23 minutes ago