Arab
تستقبل بريطانيا مئوية ديفيد أتينبارا (8 مايو/أيار 1926) بوصفها لحظة تعيد فيها قراءة علاقتها بالطبيعة التي تعلّمت أن تراها وتحبها عبر صوته. فمع حلول ذكرى ميلاد أتينبارا اليوم، انتقل الاحتفاء من الشاشة إلى البرلمان البريطاني، عبر اقتراح يدعو إلى النظر في جعل هذا اليوم من كل عام "يوماً وطنياً للطبيعة"، تكريماً لرجل جعل العالم الطبيعي جزءاً من الحاضر اليوميي لملايين المشاهدين حول العالم.
تمنح هذه الفكرة الرمزية للمئوية معنى يتجاوز التكريم الشخصي؛ إذ تنقل إرث أتينبارا من خانة الذاكرة التلفزيونية إلى مساحة الالتزام العام بحماية التنوع الحيوي والموائل والكائنات التي ملأت شاشات الجمهور من حول العالم لعقود.
في هذا السياق، يرى النائب ويل فورستر، في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، أن المقترح يتجاوز رمزيته الاحتفالية، إذ يرى أن جعل الثامن من مايو يوماً وطنياً للطبيعة، سيكون "تكريماً مناسباً" لديفيد أتينبارا في عيد ميلاده المئة، تقديراً لدوره الطويل في الدفاع عن العالم الطبيعي والحفاظ على البيئة والتنوع الحيوي. يشير إلى أن أعمال أتينبارا ألهمت أجيالاً لفهم الطبيعة وتقديرها بعمق، داخل المملكة المتحدة وخارجها.
يقول فورستر إن تخصيص يوم للطبيعة سيمثل "فرصة كبيرة" للبناء على هذا الإرث، من خلال تشجيع الناس على الارتباط بالطبيعة في مجتمعاتهم المحلية، سواء عبر المساحات الخضراء أو مشروعات الحماية البيئية أو الأنشطة التعليمية. ويعتقد أن ذلك يمكن أن يعزز شعوراً أقوى بالمسؤولية تجاه حماية البيئة وصونها للأجيال المقبلة.
تدعم النائبة العمالية والتعاونية رايتشل ماسكيل هذا الاتجاه أيضاً، إذ تقول في تعليق خاص لـ"العربي الجديد" إن التراجع السريع في التنوع الحيوي، وهو أمر يقلق ديفيد أتينبارا كثيراً، يجعل تسليط الضوء على الطبيعة وواجب حمايتها مسألة ملحّة. وترى أن حماية البيئة الطبيعية تعود بفوائد كثيرة، من الصحة النفسية إلى تحسين إنتاج الغذاء عبر زيادة الملقّحات، وصولاً إلى مناخ أكثر استقراراً.
ترى ماسكيل أن تخصيص يوم لتركيز الانتباه العام على الاهتمام الأساسي لأتينبارا، أي الدفاع عن الطبيعة، يمكن أن يساعد على استمرار إرثه عبر الأجيال.
بهذا المعنى، يتحول اقتراح اليوم الوطني للطبيعة في تعليقي فورستر وماسكيل إلى دعوة لربط إرث أتينبارا بحياة الناس اليومية، من المساحات الخضراء والصحة النفسية إلى الغذاء والمناخ ومسؤولية الأجيال المقبلة. وتلتقط منظمات حماية الطبيعة هذه اللحظة بوصفها فرصة تشكّل اختبار قدرة الحب الكبير للطبيعة على أن يصبح التزاماً بحماية العالم الطبيعي.
في هذا السياق، تقول الرئيسة التنفيذية للجمعية الملكية لحماية الطيور، بيكي سبيت، في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، إن كثيرين سيعودون في عيد ميلاد أتينبارا المئة إلى لحظاتهم المفضلة معه. وترى أن المناسبة وقت للاحتفاء بـ"إرثه الهائل وتأثيره"، والانغماس مجدداً في عجائب العالم الطبيعي.
وتشدّد على ضرورة تحويل هذا الحب للطبيعة، الذي ساهم أتينبارا في ترسيخه لدى الجمهور، إلى حماية فعلية تضمن ألا تصبح الكائنات والمشاهد الطبيعية التي عرفها الناس عبر الشاشة "تاريخاً مكتوباً في الفيلم"، بل جزءاً من عالم الأطفال أيضاً. تضيف: "سيكون ذلك الإرث النهائي لنا جميعاً".
تدفع هذه التعليقات المئوية إلى ما هو أبعد من لحظة التكريم، وتعيد وضع إرث أتينبارا في سياقه الأوسع: صوت جعل الطبيعة قريبة من حياة الناس، قبل أن تصبح حمايتها مرتبطة بصحتهم وغذائهم ومناخهم وحق أطفالهم في عالم حيّ.
فالرجل لم يكن، في المخيلة البريطانية، يمثّل بين الإنسان والطبيعة؛ جعل الغوريلا والحيتان والطيور والغابات والمحيطات جزءاً من الوعي اليومي لملايين المشاهدين. رافق ديفيد أتينبارا البريطانيين من زمن الشاشة بالأبيض والأسود إلى عصر المنصات الرقمية، وتحول صوته الهادئ إلى جزء من الذاكرة العامة.
بدأ الاحتفاء البريطاني بأتينبارا قبل يوم ميلاده، عبر سلسلة من البرامج والعروض التي أعدّتها هيئة الإذاعة البريطانية لاستعادة محطات أساسية في مسيرته، من بينها برنامج جديد بعنوان "صناعة الحياة على الأرض: أعظم مغامرات أتينبارا" (Making Life on Earth: Attenborough's Greatest Adventure)، يتوقف عند كواليس السلسلة الشهيرة "الحياة على الأرض" التي عُرضت عام 1979، وغيّرت شكل وثائقيات الطبيعة في العالم. كانت تلك السلسلة لحظة تأسيسية في تحويل التاريخ الطبيعي إلى حكاية كونية يفهمها الجمهور العريض.
ولد ديفيد أتينبارا في لندن، والتحق بهيئة الإذاعة البريطانية عام 1952، قبل أن يحقق حضوره الجماهيري الأول عبر برنامج "زو كويست" (Zoo Quest) في خمسينيات القرن الماضي. منذ ذلك الوقت، انتقل من تقديم البرامج إلى مواقع إدارية داخل "بي بي سي"، ثم عاد إلى شغفه الأساسي: رواية قصة الحياة على الأرض. وخلال عقود، ارتبط اسمه بسلاسل وثائقية كبرى جعلت الطبيعة تظهر بما هي عالم حي وهشّ ومترابط مع مصير الإنسان.
لا يقتصر الاحتفاء البريطاني على الشاشة. ففي مساء عيد ميلاده اليوم، تستضيف قاعة رويال ألبرت هول في لندن احتفالاً مباشراً بعنوان "ديفيد أتينبارا: مئة عام على كوكب الأرض"، تنظمه "بي بي سي" بمشاركة وجوه معروفة في البث والطبيعة، وبمرافقة موسيقية تستعيد أشهر اللحظات التي ارتبطت بأعماله.
تحضر مئوية أتينبارا في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، إذ تُعرض تجربة غامرة بعنوان "قصتنا مع ديفيد أتينبارا"، تمزج الصورة والصوت والتقنيات البصرية لتقديم رحلة في علاقة الإنسان بالكوكب. كما تبدأ نسخة قصيرة من التجربة، مدتها خمس دقائق، بالظهور على الشاشات الرقمية العملاقة في مجمّع أوترنيت لندن قرب محطة توتنهام كورت رود، اعتباراً اليوم، بما يجعل رسالة أتينبارا البيئية حاضرة في الفضاء وليس داخل المتاحف وقاعات العرض وحسب. وبين المتحف والشارع والشاشة، يبدو الاحتفاء محاولة لإعادة وضع الطبيعة في مركز الحياة اليومية.
يحتل أتينبارا مكانة نادرة في زمن تتآكل فيه الثقة العامة بالإعلام والمؤسسات. فصوته لم يكتسب سلطته من نبرة هادئة تجمع بين الدقة والدهشة، خصوصاً أنه حضر على الشاشة شاهداً يرافقنا إلى قلب الغابة أو عمق المحيط، ليتركنا في كل مرة أمام سؤال أخلاقي لا يحتاج إلى خطاب مباشر: ماذا نفعل بما عرفناه؟
لهذا، بقي تأثير أتينبارا عابراً للأجيال. كبار السن يتذكرون بداياته وبرامجه الأولى، وآخرون يعرفونه من وثائقيات أحدث عن الكوكب الأزرق والحياة البرية وتغير المناخ، فيما اكتشفته أجيال شابة عبر المنصات الرقمية ومقاطع الفيديو القصيرة.
لكن الرابط بين هؤلاء جميعاً أن أتينبارا جعل الطبيعة تبدو قريبة، حتى عندما كانت بعيدة جغرافياً؛ وجعل انقراض الكائنات وتدهور الموائل يبدوان خسارةً فادحةً في عالم يتشاركه البشر مع غيرهم من الكائنات.
بهذا، تمنح مئويته لبريطانيا فرصة لاستعادة علاقة متشابكة بين التلفزيون العام والعلم والطبيعة. فقد ساهمت هيئة الإذاعة البريطانية، خصوصاً عبر وحدة التاريخ الطبيعي في بريستول، في تحويل الوثائقيات الطبيعية البريطانية إلى معيار عالمي. لكن قيمة هذه المسيرة لا تُقاس بما أنتجته من صور مذهلة وحدها.
فالمفارقة التي تحيط بأتينبارا في عامه المئة أن كثيراً من العوالم التي ساعد الجمهور على حبها باتت اليوم أكثر تهديداً. الطيور تفقد موائلها، والمحيطات تتعرض للضغط والتنوع الحيوي يتراجع، وتغير المناخ يبدل شروط الحياة على الأرض. لذلك، تبدو الاحتفالات البريطانية هذه المرة مشبعة بشيء من الامتنان والقلق معاً؛ امتنان لرجل وسّع خيال الجمهور، وقلق من أن يتحول هذا الخيال إلى أرشيف لعالم يتناقص.
في تعليق خاص لـ"العربي الجديد"، يقول أستاذ العلوم البيولوجية في جامعة بريستول، ستيف سيمبسون، الذي عمل مع ديفيد أتينبارا في سلسلتي "الحاجز المرجاني العظيم" و"الكوكب الأزرق 2"، إن مساهمة أتينبارا في ربط الناس بالكوكب "لا تُقاس"، من إمتاع أجيال من محبي الطبيعة وإلهام آلاف الطلاب حول العالم لاختيار مسارات مهنية في علم الأحياء، إلى تحدي قادة العالم لحماية الطبيعة ودعم أبطال خفيين في جهود الحماية العالمية.
يرى سيمبسون أن فلسفة أتينبارا في مشاركة روعة العالم الطبيعي وجماله ومفاجآته رسّخت الطبيعة في القلوب والعقول وأبرزت إلحاح أزمتي المناخ والتنوع الحيوي وحفّزت العمل من أجل حماية العالم الحي. يقول إن جامعة بريستول تمتعت بعلاقات طويلة مع أتينبارا، من تدريب طلاب في طريقهم إلى صناعة أفلام الحياة البرية، إلى العمل معه في رحلات تصوير حول العالم، ومشاركة أبحاث متقدمة، ودعم فرقه في إنتاج سلاسل ملهمة.
من هنا، تصبح عبارة الرئيسة التنفيذية للجمعية الملكية لحماية الطيور بيكي سبيت، عن ألا تبقى المشاهد الطبيعية "تاريخاً مكتوباً في الفيلم"، واحداً من أقوى مفاتيح المناسبة. فأتينبارا منح الطبيعة ذاكرة بصرية مذهلة، لكن التحدي اليوم ألا تصبح هذه الذاكرة بديلاً عن الواقع؛ أي أن يرى الأطفال الغوريلا والحيتان والطيور والغابات في الطبيعة، وليس في أرشيف الشاشة وحسب، وأن يتحول الإعجاب بالكوكب إلى مسؤولية تجاهه.
وفي بلد يعرف كيف يصنع من بعض رموزه ذاكرة وطنية، تأتي مئوية ديفيد أتينبارا احتفاءً برجل جعل الطبيعة جزءاً من الثقافة العامة وحياة الإنسان اليومية. غير أن القيمة الأعمق لهذه المناسبة تكمن في قدرتها على تذكير بريطانيا بأن محبة الطبيعة تكتمل بحماية ما تبقى منها، قبل أن تتحول إلى أرشيف جميل لعالم يختفي.

Related News
بن زكري: تعرضنا للظلم أمام النصر و«الجزائية» غير شرعية
aawsat
5 minutes ago