Arab
حين كتبت كلمتك الأولى بالعربية اليوم، لم تكن تكتب حروفًا فحسب، بل كنت تختار. في عالم يتجه نحو لسان مهيمن واحد، وفي حضارة تعيد تشكيل التعبير وفق إيقاعها، لم يعد اختيار اللغة مسألة تقنية أو بريئة. أن تكتب بالعربية اليوم، في زمن تُعاد فيه صياغة المعاني من مراكز القوة، ليس مجرد عادة لغوية، بل موقف، وربما، دون وعي كامل، فعل مقاومة.
ليست اللغة مجرد أداة محايدة نضع فيها أفكارنا، بل إطار يصوغ تلك الأفكار من الأصل. كل لغة تحمل داخلها تاريخًا ورؤية للعالم وطريقة في ترتيب المعنى. حين تكتب بالعربية، فأنت لا تكتب وحدك؛ تكتب ومعك إرث طويل من الشعر الذي شكّل الذائقة، ومن النصوص التي صاغت المفاهيم، ومن تجارب حضارية كاملة كانت اللغة فيها مركز الفعل لا هامشه. ثِقَل الكلمة العربية لا يأتي من تعقيدها، بل من ذاكرتها، من مرورها عبر قرون، من كونها قيلت في لحظات انتصار وانكسار، في ساحات فكر ومعارك وجود، ولهذا تبدو أحيانًا مشحونة بما يتجاوز معناها المباشر، ويصبح الكاتب وارثًا لمعناها ومسؤولًا عنها في آن واحد.
ليست هيمنة بعض اللغات اليوم مسألة لغوية بحتة، بل انعكاس مباشر لموازين القوة في العالم. فاللغة التي تنتج المعرفة وتدير التكنولوجيا وتُهيمن على الفضاء الرقمي تتحول تدريجيًا إلى معيار ضمني للحقيقة والشرعية. في هذا السياق، لا يكون الانتقال إلى لغة مهيمنة اختيارًا بريئًا دائمًا، بل استجابة — واعية أو غير واعية — لمنظومة تقول إن ما يُقال بهذه اللغة يُسمع أكثر ويُعترف به أكثر. المشكلة ليست في تعلّم لغات أخرى، فذلك ضرورة في عالم متصل، بل في أن تتحول اللغة الأصلية إلى مجرد مساحة للحنين، بينما تُنقل المعرفة والإنتاج الحقيقي إلى لغة أخرى، وهنا يحدث التحول الأخطر: لا نعود نترجم أفكارنا فقط، بل نترجم أنفسنا.
الاستعمار الصامت: حين تتكلم كما يُراد لك
لم يعد الاستعمار بحاجة إلى جيوش، يكفي أن يعيد تشكيل الأدوات التي نفكر بها. الخوارزميات، المنصات، أنظمة التعليم، وحتى سوق العمل، كلها تمنح أفضلية واضحة للغات بعينها، ومع الوقت يتحول هذا التفوق التقني إلى تفوق رمزي، ثم إلى معيار ثقافي. حين يشعر شاب عربي أن عليه أن يعبّر بلغة أخرى ليُؤخذ بجدية، فالمسألة لم تعد لغوية، بل وجودية؛ سؤال عن القيمة: هل أُسمع لأن ما أقوله مهم، أم لأن اللغة التي أقول بها تمنحه وزنًا؟
وسط هذه التحولات، يصبح القرار الفردي — كأن تكتب بالعربية — أكثر أهمية مما يبدو. قد يبدو الأمر بسيطًا: مدونة أو منشور أو مقال، لكنه في عمقه إعلان ضمني أن المعرفة ليست حكرًا على لغة واحدة، وأن التعبير لا يحتاج إلى إذن من مركز ثقافي آخر. حين يختار كاتب أو مبرمج أو طالب أن يعبّر بلغته الأم رغم معرفته بلغة أخرى أكثر انتشارًا، فهو لا يرفض العالم، بل يرفض أن يُختزل فيه، ويقول ضمنًا إنه قادر على التواصل مع العالم دون أن يفقد نفسه.
في النص القرآني يأتي القسم بالقلم: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾، والقلم هنا ليس أداة كتابة فقط، بل رمز للمعنى والمعرفة والقدرة على تثبيت الوجود في مواجهة النسيان. في زمن تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات، وتُعاد صياغة المعنى عبر الخوارزميات، يصبح التمسك بلغة تحمل عمقًا تاريخيًا وثقافيًا شكلًا من أشكال المقاومة، ليست مقاومة صاخبة، بل مقاومة هادئة، مستمرة، تُمارس كل يوم دون ضجيج.
اللغة العربية ليست مجرد ماضٍ نستدعيه، بل إمكانية حاضرة نختارها. أن تكتب بها اليوم لا يعني الانغلاق، بل أن تكون جزءًا من العالم دون أن تذوب فيه. ليست القضية أن نغيّر العالم بالكلمات، بل ألا نسمح له أن يعيد تشكيلنا بالكامل.
كل كلمة تُكتب بالعربية هي تثبيت بسيط لهذا الحضور: أننا هنا، نفكر، ونعبّر، دون أن نحتاج إلى ترجمة ذواتنا. فهل نكتب كما نحن… أم كما يُراد لنا أن نكون؟
Related News
القوى الحضرمية تحتشد في المكلا لصوغ رؤية جامعة
aawsat
5 minutes ago
ديالو: لاعبو مانشستر يونايتد يقفون خلف كاريك
aawsat
8 minutes ago
اليابان والإمارات تبحثان تعزيز إمدادات النفط
alaraby ALjadeed
9 minutes ago