Arab
تتوسّع تداعيات واحدة من أكبر قضايا الفساد في أوكرانيا لتتجاوز حدودها الجغرافية، وتصل هذه المرة إلى الدنمارك، في ظل ارتباطات صناعية وعسكرية متنامية بين البلدين. القضية، المعروفة باسم عملية ميداس، تعيد طرح أسئلة حساسة حول الشفافية في قطاع الدفاع، خاصة مع دخول شركات أوكرانية إلى مشاريع تصنيع على الأراضي الدنماركية. ومنذ اندلاع الحرب بين أوكرانيا وروسيا، تضاعف الإنفاق العسكري، وارتفعت معه المخاطر المرتبطة بالفساد في عقود التسليح. وفي هذا السياق، برزت عملية ميداس واحدة من أخطر القضايا التي تحقق فيها السلطات الأوكرانية. وتشير التحقيقات، التي نشرتها صحيفة أوكرينسكا برافدا الأسبوع الماضي، إلى أن شركات خاصة كانت تضيف ما يصل إلى 15% على قيمة العقود الدفاعية الحكومية، ليتم توزيع هذه الأموال ضمن شبكة معقدة من المسؤولين ورجال الأعمال.
وقد أدت القضية بالفعل إلى تداعيات سياسية كبيرة، من بينها استقالة شخصيات بارزة في محيط الرئيس فولوديمير زيلينسكي. التطور الأخير في القضية جاء بعد نشر "أوكرينسكا برافدا"، في 29 إبريل/نيسان الفائت، مزاعم حول تسجيلات صوتية تتضمن محادثات بين رجل الأعمال تيمور مينديتش، الخاضع للعقوبات الغربية، ومسؤولين رفيعين، من بينهم وزير الدفاع السابق رستم أوميروف. وبحسب هذه التسريبات، فإن مينديتش ناقش صفقات دفاعية كأنه يمثل شركة فاير بوينت، وهي شركة متخصصة في تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ، وترتبط بعقود مهمة مع وزارة الدفاع الأوكرانية. ورغم نفي مينديتش أي علاقة له بالشركة، فإن الشبهات حول ملكيتها وهيكلها الإداري أعادت تسليط الضوء على ضعف الحوكمة في قطاع الصناعات الدفاعية.
خيط يصل إلى الدنمارك
ما يضفي بعداً دولياً على القضية هو ارتباط شركة فاير بوينت بمشروع صناعي في جنوب الدنمارك، حيث تخطط لإقامة منشأة لإنتاج وقود الصواريخ عبر شركتها التابعة، على أن يبدأ الإنتاج خلال العام الجاري 2026. هذا المشروع، الذي يُنظر إليه كجزء من تعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي مع أوكرانيا، بات الآن تحت المجهر، خاصة في ظل التساؤلات حول هوية المالكين الفعليين للشركة ومصادر تمويلها، وهو ما تشير إليه الباحثة في القضايا الدفاعية وسباق التسلح بمركز دراسات السياسة الدولية الدنماركي ترينا روسنغرين بايستروب في حديثها لـ"العربي الجديد". ووفقًا لما كشف عنه التلفزيون الدنماركي قبل ظهر أمس الأربعاء فإنه في المحادثة مع أوميروف، يُزعم أن مينديتش كان يتحدث كما لو أنه يمثل الشركة، حيث ناقش، من بين أمور أخرى، عقوداً دفاعية واحتمال بيع ثلث الشركة لمستثمرين أجانب من دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيمة تُقدَّر بنحو 600 مليون دولار.
وتحذر جهات رقابية أوكرانية من أن ثبوت ارتباط شخص خاضع للعقوبات مثل مينديتش بالشركة قد يؤدي إلى استبعادها من التعاقد مع الجيش الأوكراني، ما قد ينعكس بدوره على مشاريعها الدولية، بما فيها المشروع الدنماركي. وفي مواجهة هذه الاتهامات، دافع الشريك المؤسس للشركة، دينيس شتيلرمان، عن "فاير بوينت"، واصفاً ما نُشر بأنه "هجوم" يفتقر إلى الموثوقية، مشيراً إلى أن الشركة خضعت سابقاً لتدقيق مالي. وفي المقابل، دعت جهات رقابية، بما فيها فروع منظمة الشفافية الدولية في أوكرانيا، وفقاً لتقرير موقع مراقبة الفساد أول من أمس الثلاثاء إلى مراجعة شاملة لعقود الشركة وأسعارها، معتبرة أن القضية تكشف "خللاً عميقاً في الإدارة العامة". كما أشارت وحدة مكافحة الفساد في وزارة الدفاع الأوكرانية إلى أن استمرار الشركة في العمل سيكون صعباً إذا تأكدت هذه الصلات، ما يزيد من حالة عدم اليقين.
موقف دنماركي حذر
على الجانب الدنماركي، حاولت حكومة كوبنهاغن احتواء المخاوف. فقد أكد وزير دفاعها ترولز لوند بولسن، وفقاً للتلفزة الدنماركية أمس الأربعاء، أنه "لا يوجد ما يدعو للقلق" بشأن نشاط الشركة في الدنمارك، مشدداً على أن القوانين المحلية (الدنماركية) تُطبّق بصرامة، وأن السلطات تتابع مسار الأموال.
لكن، ووفقاً للباحثة روسنغرين بايستروب، فإنه مع تصاعد الشبهات قد تجد كوبنهاغن نفسها أمام اختبار حقيقي يتعلّق بمدى قدرتها على ضمان الشفافية في شراكاتها الدفاعية مع كييف، التي تمر بظروف حرب وضغوط اقتصادية. وتعكس هذه القضية معضلة أوسع تواجهها الدول الأوروبية: كيف يمكن دعم أوكرانيا عسكرياً في مواجهة روسيا، دون فتح الباب أمام شبكات فساد قد تستغل تدفق الأموال؟ فالتعاون الدفاعي، رغم ضرورته الاستراتيجية وفقاً لرؤية أغلبية الأوروبيين، يحمل في طياته مخاطر، خصوصاً في بيئات تعاني تاريخياً من ضعف الرقابة المؤسسية.
في المحصلة، لا تقتصر عملية ميداس على كونها قضية فساد محلية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للحوكمة في زمن الحرب، ولثقة الشركاء الأوروبيين في الصناعات الدفاعية الأوكرانية. ومع امتداد خيوطها إلى الدنمارك، قد تُجبر هذه القضية الحكومات الأوروبية على إعادة تقييم آليات الرقابة والتدقيق في التعاون العسكري، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى التوازن بين الأمن والشفافية. هذا بالطبع مع تزايد الأصوات الأوروبية الرافضة لاستمرار دعم أوكرانيا، وانتقال توسع الفساد إلى أن يصبح سلاحاً بيد معارضي انضمام البلد إلى الاتحاد الأوروبي، بحسب ما خلصت إليه لـ"العربي الجديد" الباحثة روسنغرين بايستروب. وعليه، يبقى السؤال بين الأوروبيين مفتوحاً: هل ستنجح التحقيقات في احتواء الأزمة، أم أن تداعياتها ستتوسع لتشملهم وتشمل شركاء دوليين آخرين؟

Related News
إنريكي: ما فعله سان جيرمان إنجاز خارق للعادة
aawsat
4 minutes ago
إصابة شوبير حارس الأهلي المصري بشد في العضلة الخلفية
aawsat
19 minutes ago