تبعات الحرب تدفع اليمن لفرض عدادات الكهرباء وتحصيل الفواتير
Arab
55 minutes ago
share
تتّجه وزارة الكهرباء والطاقة في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لرقمنة خدمة الكهرباء في خطوة يتوقع أنّ تثير الجدل في عدن، التي تعتمد على محطات الكهرباء العامة الحكومية، إذ يأتي ذلك مع تفاقم أزمة واردات الطاقة بسبب حرب إيران وارتفاع أسعار الوقود والمازوت المخصص لتشغيل محطات الكهرباء، حيث يحصل المواطنون على الكهرباء بشكل مجاني، مع غياب تام لعدادات قياس الاستخدام وفواتير التحصيل. وقالت مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد"، إنٓ وزارة الكهرباء تدرس بشكل جدي تنفيذ مشروع عدادات الدفع المسبق لتقديم خدمة الكهرباء، بهدف ضبط الاستهلاك وتحسين التحصيل وتقليل الفاقد، وضبط العشوائية لرفع كفاءة الأداء والشفافية وتسهيل وصول المواطنين للخدمة، إذ سيتم تنفيذ هذا المشروع بشكل مشترك مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات. وباشرت الوزارتان الخطوات الأولى في هذا الخصوص في نهاية الأسبوع الماضي، حيث أقرّ اجتماع في عدن الإجراءات والخطوات التنفيذية المشتركة للتحول الرقمي في قطاع الكهرباء، من خلال الربط الشبكي بين الوزارتين، وتفعيل دور الهيئة العامة للبريد التابعة لوزارة الاتصالات لدعم الأعمال الفنية والإدارية، وإطلاق مشاريع مشتركة قادمة. مع العلم أنّ السلطات المعنية في صنعاء انتهجت هذه السياسة في استهلاك الكهرباء منذ سنوات، بعد إقدامها على استثمار محطات الكهرباء العامة، وفتح المجال لاستثمارات القطاع الخاص في تقديم خدمة الكهرباء التجارية. وأكدت المصادر أنهّ سيتم بدء العمل بالعدادات الذكية والدفع المسبق لتحسين استقرار الخدمة خلال الأيام القليلة القادمة، وذلك ضمن مجموعة إجراءات آخرى لصيانة وتأهيل الشبكة الكهربائية، بهدف تعزيز التوليد وعملية نقل الطاقة الكهربائية. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الاقتصادي وأستاذ المالية العامة بجامعة عدن محمد جمال الشعيبي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ تطبيق نظام العدادات وتحصيل الفواتير يمثل خطوة ضرورية لإصلاح القطاع، لكنه مشروط بتحسين ملموس في مستوى الخدمة، وضمان العدالة في التسعير، وبناء الثقة مع المواطنين. إذ لا يمكن فرض الالتزام بالدفع في ظل خدمة غير مستقرة. غير أنّ الشعيبي يشدد في الوقت ذاته على ضرورة إعادة تأهيل المنظومة الكهربائية بشكل شامل، اضافة الى التحول التدريجي إلى مصادر طاقة أقل كلفة وأكثر استدامة، وعلى رأسها الغاز والطاقة المتجددة (الشمسية)، وإصلاح الجانب الإداري والمالي، بما في ذلك تقليل الفاقد وتعزيز كفاءة التشغيل. وشهدت عدن خلال الأيام الماضية سلسلة من الاجتماعات والمشاورات في هذا الخصوص، منها اجتماع بين وزير الكهرباء والطاقة والفريق الاقتصادي الحكومي، بحث سُبل تحسين التحصيل وتنمية الإيرادات من خلال مراجعة تعرفة بيع الطاقة تدريجياً للفئات التجارية والحكومية وكبار المشتركين، وتوسيع استخدام العدادات الرقمية، وتوحيد لوائح الكلفة للإدخالات الجديدة، والتأكيد على أهمية تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار في مجالات الطاقة والقطاعات الحيوية الأخرى، بما يسهم في دعم جهود التنمية الاقتصادية. بدوره، يقول الخبير الاقتصادي خلدون الدوش، أستاذ الاقتصاد والعلوم المالية بجامعة عدن، لـ"العربي الجديد"، إنه لا يمكن لأي قطاع كهرباء أن يكون مستداماً دون استرداد الكلفة، فالعدادات ليست رفاهية تقنية؛ بل هي المدخل الوحيد لوقف الهدر والربط العشوائي، وهي الآلية التي تنقل المؤسسة من كيان طفيلي إلى كيان قادر على التمويل الذاتي، لكنه يلفت إلى نقطة مهمة لا يجب تجاهلها تتعلق بواقع العدالة الاجتماعية، موضحاً أنّ المواطن في عدن اليوم يعاني انكماشاً حاداً في دخله الحقيقي، لأنه في هذه الحالة إذا تطلب منه أن يدفع فاتورة كاملة مقابل خدمة متقطعة وغير مستقرة، فهذا يعني أنك تحوله إلى ممول للفشل، وتكون بذلك فرضت "ضريبة إضافية" على أنقاض الثقة المهترئة بينه وبين مؤسساته. ولذلك، برأيه، سيواجه أي تطبيق سريع لهذه الرؤية، في تقدير الدوش، ثلاثة تحديات يصفها "بالقاتلة"؛ المقاومة الاجتماعية (لن يدفع مقابل خدمة لا يضمنها)، والتعقيد اللوجستي (التوزيع العشوائي يجعل التركيب كابوساً تقنياً)، وغياب آليات الحماية الاجتماعية (تعرفة تصاعدية تحمي الفقير). بدون هذه الآليات، ستكون العدادات أداة جباية عمياء، لا أداة إصلاح. وتدرس وزارة الكهرباء والطاقة كل الوسائل المتاحة لمضاعفة كميات الوقود لمحطة بترو مسيلة في عدن لرفع القدرة التوليدية إلى 230 ميغاواط، بما يسهم في الحد من الانقطاعات خلال فصل الصيف، إضافة إلى تموين محطات المازوت والديزل بكميات كافية، والتسريع في توسعة المحطة الشمسية في عدن. وبحسب أحدث بيانات لمؤسسة الكهرباء في عدن، فإن إجمالي التوليد المتوفر حتى منتصف إبريل/ نيسان، بلغ 261 ميغاواط خلال ساعات الصباح، و200 ميغاواط مساءً، في حين تصل الأحمال إلى نحو 600 ميغاواط، مع وجود عجز يُقدَّر بأكثر من 150 ميغاواط نتيجة نقص الوقود وعدم اكتمال الإمدادات. وأشار تقرير لمؤسسة الكهرباء تم استعراضه في اجتماع للسلطة المحلية في العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عدن، إلى تحقيق عدد من المؤشرات الإيجابية، أبرزها خفض نسبة الفاقد إلى 34%، وإدخال نحو 20 ألف مشترك جديد، إلى جانب العمل على تنفيذ مشروع نظام الدفع المسبق على ثلاث مراحل. كما أوضح التقرير أن الدعم المقدم للمؤسسة يأتي حالياً من قبل السلطة المحلية. وتم الاتفاق في الاجتماع على ضرورة التصدي للأعمال التخريبية التي تستهدف البنية التحتية لقطاع الكهرباء، بما في ذلك الاعتداء على المحولات ومحاولات سرقة الكابلات، إضافة إلى ضرورة اضطلاع الأجهزة المختصة بمسؤوليتها الكاملة في تعقّب المتورطين وضبطهم وإحالتهم إلى الجهات القضائية لينالوا جزاءهم الرادع. ويشير الشعيبي إلى أنّ مشكلة الكهرباء في عدن ليست أزمة طارئة أو موسمية، بل أزمة هيكلية عميقة ناتجة عن اختلالات متراكمة في البنية التحتية، اذ ان الكثير منها قديمة ولا تتم صيانتها باستمرار ولا تحديثها، وأيضاً اعتمادها المفرط على الوقود المكلف، والضعف في الإدارة والتحصيل. ويشبه الدوش سياسة "الترقيع" المتبعة بالاعتماد على الطاقة المستأجرة وشراء الوقود بأسعار السوق العالمية؛ "بمعالجة العطش بمياه البحر دون تحلية"، وهو ما ينتج عنه عديد الإشكاليات، أهمها النزيف الصامت في ميزان المدفوعات، وكلفة التوليد القياسية وغير المحسوبة، وإهمال الرأسمال العيني الممنهج، فالهوس بالحلول المؤقتة أدى إلى إهمال الصيانة الوقائية للمحطات الحكومية، فتآكلت قيمة الأصول ذاتها التي يتم التعويل عليها، وأصبح هناك فقر شديد على مستوى البنية التحتية دون إدراك ذلك. وتستهدف خطة التعافي التي تدرس وزارة الكهرباء والطاقة تنفيذها إلى تحسين قدرات التوليد والتوزيع، وخفض كلفة الإنتاج، وتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب تنفيذ إصلاحات مؤسسية شاملة. إضافة إلى تأهيل وصيانة محطات التوليد الحكومية من خلال تنفيذ مشاريع صيانة عمرية لعدد من المحطات الحيوية، من بينها محطة المنصورة المركزية في عدن، ومحطة الريان في حضرموت، ومحطة مأرب الغازية، إلى جانب استبدال توربينات محطة الحسوة للعمل بوقود المازوت، بما يسهم في رفع الكفاءة التشغيلية، إضافة إلى خفض كلفة الإنتاج، عبر إيقاف عقود الطاقة المستأجرة المعتمدة على الديزل، وتعديل آليات الدفع لتكون مقابل الطاقة المولدة فعلياً، مع التحول إلى استخدام وقود المازوت الأقل كلفة، خصوصاً في عدن وحضرموت. كما تتضمن الخطة التوسع في الطاقة المتجددة عبر تنفيذ المرحلة الثانية لتطوير محطة الطاقة الشمسية في عدن لرفع قدرتها إلى 240 ميغاواط، إلى جانب إنشاء أول محطة هجينة (مازوت/شمسية) بقدرة 40 ميغاواط، وإنشاء محطات طاقة شمسية في عدد من المحافظات، منها شبوة (53 ميغاواط)، وحضرموت (100 ميغاواط)، وأبين ولحج والضالع والمهرة بإجمالي 97 ميغاواط، بنظام "BOOT"، وبتمويل من مؤسسات دولية، من بينها مؤسسة التمويل الدولية، وأيضاً التوسع في إيصال خدمات الكهرباء إلى المناطق الريفية عبر تركيب منظومات طاقة شمسية للمنازل والمرافق التعليمية والصحية خارج نطاق الشبكة، بدعم من البنك الدولي. هذا إلى جانب العمل على تطوير البنية التحتية، عبر تحسين شبكات النقل والتوزيع، وتنفيذ مشاريع خطوط النقل في عدن (الحسوة – المنصورة – خور مكسر)، وتركيب عدادات كهربائية للحد من الفاقد الفني والربط العشوائي. وأكدت الخطة على أهمية الإصلاح المؤسسي، من خلال إنشاء هيئة للطاقة المتجددة، وإعداد مخطط عام للكهرباء (Master Plan) لمدينة عدن، وتطبيق نظام مالي وإداري موحد (Onyx Pro ERP) لأتمتة العمليات وتعزيز كفاءة الأداء. ويؤكد الشعيبي أنّ استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة والترقيعات، مثل شراء الوقود بشكل طارئ أو تشغيل محطات متهالكة، يمثل استنزافاً مالياً كبيراً دون تحقيق استقرار حقيقي في الخدمة، كما يفتح الباب أمام الهدر ويؤخر أي إصلاح جذري مستدام.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows