Arab
يتوجه الناخبون البريطانيون غدا الخميس إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في المجالس المحلية، والمجالس الوطنية (البرلمان) لكل من اسكتلندا وويلز، وسط مؤشرات تفيد بأن حزب العمال قد يمنى بخسائر كبيرة في هذه الانتخابات. ورغم أن هذه الانتخابات ليست جوهر الحكم على مستوى المملكة المتحدة، فإنها تصلح مقياساً لأداء الأحزاب وتعهداتها على المستوى المحلي في ما يتعلق بالخدمات اليومية التي يتلقاها المواطنون. هي إذن كشف حساب لكلفة الدولة المحلية وقدرتها على إدارة الحياة اليومية. فالناخبون يصوتون على مجالس تمس تفاصيل حياته مباشرة: ضريبة محلية أعلى وضغط في السكن وطلب متزايد على الرعاية وخدمات تكافح للصمود بعد سنوات من التقشف والتضخم.
في حديث لـ"العربي الجديد"، يقول متحدث باسم شبكة المجالس المحلية إن المجالس تشرف على خدمات "تشكّل حياة كل فرد في المجتمع"، موضحاً أن دورها يشمل تنمية الاقتصاد المحلي لتوفير الوظائف والوقاية من الأمراض وضمان توفر السكن للجميع. ويضيف أن هذه الانتخابات تتيح للناخبين إصدار حكمهم على المرشح الذي يملك أفضل الخطط لكل مدينة أو بلدة أو قرية أو منطقة ريفية.
ويشدّد المتحدث على أن الناخبين ينبغي أن يبنوا قراراتهم على القضايا المحلية "التي يُحاسَب عليها المستشارون"، لا على القضايا الوطنية أو الدولية التي لا يملكون تأثيراً فيها. غير أن هذا الحصر المؤسسي للتصويت في الشأن المحلي لا يعكس بالضرورة المزاج الكامل في كل المدن، حيث تتداخل الخدمات والسكن والضرائب مع أسئلة أوسع عن الثقة السياسية والتمثيل.
غزة والأحزاب الكبرى
في بعض المناطق التي تضم كثافة من المسلمين البريطانيين، تدخل غزة إلى حسابات التصويت لا بوصفها بديلاً عن السكن والضرائب والخدمات، بل باعتبارها اختباراً إضافياً للثقة في الأحزاب الكبرى وقدرتها على الإصغاء إلى ناخبين يشعرون بأن صوتهم لا يُسمع بالقدر الكافي. فقد نشر مركز "بوليسي إكستشينج" تقريراً حديثاً، استناداً إلى استطلاع أجرته مؤسسة "جيه إل بارتنرز"، شمل 1006 من المسلمين البريطانيين في مناطق ذات أهمية انتخابية في الانتخابات المحلية، من بينها لندن الكبرى وويست مدلاندز ومانشستر الكبرى وغرب يوركشاير وأجزاء من لانكشاير وجنوب يوركشاير وميرسيسايد. واستناداً إلى هذا الاستطلاع، ذكرت صحيفة "ذا تايمز"، في الخامس من مايو/أيار 2026، أن غزة جاءت في مقدمة القضايا التي تحدد تصويت المسلمين في مناطق انتخابية رئيسية، متقدمة على الاقتصاد والرعاية الصحية والسكن والجريمة، وأن نحو ربع المشاركين المسلمين قالوا إن غزة هي قضيتهم الأولى، مقارنة بنحو 5% من عموم الناخبين.
لا يعني ذلك أن المسلمين البريطانيين يصوّتون على فلسطين وحدها أو أن الضغوط الاقتصادية لا تعنيهم. فالسكن والضرائب والخدمات تصنع جانباً من الإحباط المحلي، بينما تضيف غزة بعداً سياسياً وأخلاقياً يزيد المسافة بين قطاعات منهم والأحزاب الكبرى، وقد يجعل التصويت المحلي مساحة للتعبير عن غضب يتجاوز صلاحيات المجالس نفسها.
انتخابات واسعة لا عامة
تؤكد المفوضية الانتخابية البريطانية أن استحقاقات السابع من مايو/أيار تشمل انتخابات الحكم المحلي وانتخابات البرلمان الاسكتلندي وانتخابات برلمان ويلز وانتخابات رؤساء بلديات في إنكلترا. وتفتح مراكز الاقتراع أبوابها من السابعة صباحاً حتى العاشرة مساءً، بينما يحتاج الناخبون في إنكلترا إلى هوية مصورة للتصويت حضورياً، خلافاً لانتخابات البرلمان الاسكتلندي وبرلمان ويلز.
ويقول معهد الحكومة إن الناخبين في إنكلترا سيختارون أكثر من 4850 مستشاراً محلياً في السابع من مايو/أيار، بعدما تراجعت الحكومة في فبراير/شباط 2026 عن خطط لتأجيل الانتخابات في 30 منطقة تخضع لإعادة تنظيم الحكم المحلي، وذلك في ضوء مشورة قانونية. ويمتد الاستحقاق في اليوم نفسه إلى اسكتلندا وويلز، حيث تُجرى انتخابات البرلمان الاسكتلندي وبرلمان ويلز، إلى جانب انتخابات رؤساء بلديات في إنكلترا، بحسب المفوضية الانتخابية البريطانية.
ويزيد اتساع هذا الاستحقاق من وزنه، إذ يجمع في يوم واحد ملفات متفرقة ظاهرياً لكنها متصلة في حياة السكان: تنظيم السلطات المحلية وضريبة المجلس والرعاية والسكن.
وتقدم لندن مثالاً مكثفاً على هذا الضغط، إذ تشهد أحياؤها الـ32 انتخابات لاختيار 1817 مستشاراً، إلى جانب انتخابات مباشرة لرؤساء بلديات في كرويدون وهاكني ولوشام ونيوهام وتاور هامليتس. وتدير هذه المجالس خدمات تمس الحياة اليومية، من جمع النفايات والضريبة المحلية إلى التعليم والرعاية الاجتماعية.
ضريبة المجالس المحلية
تمنح أرقام تمويل الحكم المحلي خلفية اقتصادية مباشرة لهذا الاستحقاق. فقد نشرت وزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي، في فبراير/شباط 2026، التسوية النهائية لتمويل السلطات المحلية في إنكلترا للفترة من 2026-2027 إلى 2028-2029، ووصفتها بأنها أول تسوية متعددة السنوات منذ عقد. بيد أنّ الاستقرار المالي المعلن لا يلغي هشاشة المعادلة. فبحسب مكتبة مجلس العموم، يرتفع إجمالي التمويل المخصص للسلطات المحلية في إنكلترا من 83.5 مليار جنيه إسترليني في 2026-2027 إلى 90.5 مليار جنيه في 2028-2029، أي زيادة نقدية قدرها 8.4%، أو 4.3% بالقيمة الحقيقية. وتُظهر البيانات نفسها أن جزءاً كبيراً من هذا التمويل يأتي من ضريبة المجلس المحلي وإيرادات غير مقيّدة، ما يبقي جيوب السكان عنصراً أساسياً في معادلة تمويل الخدمات.
هكذا تتحول الضريبة المحلية من تفصيل إداري إلى قضية انتخابية. فالحكومة تعرض التسوية المتعددة السنوات بوصفها محاولة لإعطاء المجالس قدرة أكبر على التخطيط، لكن السلطات المحلية تواجه طلباً متزايداً على خدمات إلزامية لا تستطيع خفضها بسهولة. لذلك قد تذهب الزيادات في التمويل إلى احتواء الضغط المالي، لا إلى تحسين ظاهر وسريع في الخدمات.
وتقول رابطة الحكم المحلي إن انخفاض نمو المنح يزيد الضغط على المجالس لاستخدام كامل صلاحياتها في رفع ضريبة المجلس حتى حدود الاستفتاء المسموح بها، خصوصاً لتمويل الخدمات التي يقودها الطلب المتزايد، مثل الرعاية الاجتماعية للبالغين. وترى الرابطة أن ذلك يترك مساحة أضيق أمام الاختيار المحلي والمرونة الديمقراطية للمجالس المنتخبة.
مخصصات الرعاية الاجتماعية والإسكان
لا تكشف أزمة المجالس نفسها في الطرق والنفايات والمكتبات فحسب، بل في الملفات الأعلى كلفة والأصعب تأجيلاً: الرعاية الاجتماعية وخدمات الأطفال والاحتياجات التعليمية الخاصة والسكن. فهذه ليست خدمات يمكن تقليصها بقرار سياسي سريع، بل واجبات قانونية تمس فئات لا تملك رفاهية الانتظار.
تؤكد رابطة الحكم المحلي أن المجالس تواجه ضغوطاً متزايدة في كلفة وطلب الرعاية الاجتماعية للبالغين والأطفال، بفعل التغير الديموغرافي وتكاليف القوى العاملة والتضخم، معتبرة أن غلاف التمويل لا يعكس كامل هذه الضغوط. وتحذر جمعية مديري خدمات الرعاية الاجتماعية للبالغين بدورها من فجوة متنامية بين الطلب والكلفة والتمويل، بما يجعل الرعاية الاجتماعية إحدى أكثر العقد المالية حساسية داخل الحكم المحلي.
تقول الأمينة العامة لاتحاد "يونيسون" أندريا إيغان، في ردّها على "العربي الجديد": "ستحدد هذه الانتخابات من يقف إلى جانب الخدمات العامة والناس الذين يعتمدون عليها. وينبغي للمجتمعات أن تنظر في من تريد أن يدافع عن المستشفيات ويوفر الرعاية الاجتماعية ويصلح الحفر في الطرق ويجمع النفايات وكيف يمكن ضمان الأجور العادلة والاستثمار المناسب".
وتضيف: "تحتاج جميع أنحاء المملكة المتحدة إلى قادة يعززون الخدمات العامة ويقدّرون العاملين الأساسيين الذين يقدمونها، لا إلى قادة يجرون تخفيضات أو يضعون الخدمات الحيوية في الأيدي الخطأ".
وفي ردّه على "العربي الجديد"، أحال صندوق الملك (The King’s Fund)، إلى أحدث تقرير مشترك أعدّه مع مؤسسة نَفيلد ترست (Nuffield Trust)، استناداً إلى نتائج مسح الاتجاهات الاجتماعية البريطانية لعام 2025. وأظهر التقرير أن الرضا عن طريقة عمل هيئة الخدمات الصحية الوطنية ارتفع إلى 26% في 2025، في أول زيادة منذ عام 2019، لكنه بقي عند مستوى منخفض تاريخياً. أما الرضا عن الرعاية الاجتماعية فظل أشد قتامة، إذ لم يتجاوز 14%، ما يعكس فجوة عميقة بين حاجة السكان إلى الرعاية وشعورهم بجودة النظام القائم.
تمنح هذه الأرقام ملف الرعاية الاجتماعية وزناً انتخابياً إضافياً. فالأمر لا يتعلق بميزانيات المجالس وحدها، بل بثقة السكان في قدرة المؤسسات العامة على مواكبة الشيخوخة وارتفاع الطلب وضغط الكلفة على الأسر والسلطات المحلية معاً.
وتأتي أزمة السكن لتضيف عبئاً آخر إلى الموازنات المحلية. فالمجالس لا تملك وحدها مفاتيح سوق العقارات، لكنها تتحمل النتائج حين تعجز الأسر عن دفع الإيجارات أو تنتظر السكن الاجتماعي أو تُدفع إلى مساكن مؤقتة. وبين التخطيط العمراني وخدمات التشرد والدعم السكني تتحول أزمة السكن من مشكلة سوق إلى كلفة مباشرة على الحكم المحلي.
حين تصبح الخدمات معيار الثقة
في نهاية المطاف، لا تبدو انتخابات مايو/أيار اختباراً لما تعد به الأحزاب فقط، بل لما بقي قادراً على العمل في حياة الناس اليومية. فحين ترتفع الضريبة المحلية ولا يشعر السكان بتحسّن ملموس في الرعاية والسكن والنظافة والدعم، تتحول الخدمات من ملف إداري إلى مقياس للثقة.
يدخل الناخبون صناديق الاقتراع وسط سؤال عملي أكثر من كونه أيديولوجياً: هل تستطيع المجالس أن تفعل شيئاً بميزانيات مثقلة وصلاحيات محدودة، أم أن الدولة المحلية وصلت إلى مرحلة تطلب فيها من السكان مالاً أكثر مقابل قدرة أقل على الاستجابة؟

Related News
الذكاء الاصطناعي لمراقبة مشاعر الموظفين
alaraby ALjadeed
8 minutes ago
زيادة جديدة في أسعار الاتصالات والإنترنت تعمق الغلاء بمصر
aawsat
19 minutes ago