Arab
أكد مسؤولون في البنوك المصرية وخبراء اقتصاد وأكاديميون متخصصون في أسواق العملات المشفرة أن العالم يتجه نحو نموذج هجين يجمع بين النظام المالي التقليدي والتقنيات الحديثة، بما يفرض على صناع السياسات ضرورة التوازن بين تشجيع الابتكار والحفاظ على الاستقرار المالي، مشيرين خلال مشاركتهم في ندورة نظمها المركز المصري للدراسات الاقتصادية تحت عنوان "مناقشة حول العملات الرقمية" إلى أهمية تطوير أطر تنظيمية مرنة تستوعب هذا التحول المتسارع، مؤكدين أن رقمنة الخدمات البنكية، أدت إلى تسهيل الخدمات للمتعاملين، وتقليل التكلفة.
من جانبه، أكد نائب رئيس البنك الأهلي، يحيى أبو الفتوح، تمسك البنك المركزي المصري بحظر التعامل بالعملات المشفرة في مصر خلال السنوات المقبلة، مع التوجه نحو إصدار عملة رقمية يجري الاعداد لإصدارها بالتعاون مع 70% من البنوك المركزية بما فيها الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الكبرى، بحلول عام 2028. وأضاف أبو الفتوح خلال مشاركته في الندوة أن المشاروات تقضي بإنشاء بنك مركزي للعملات الرقمية يمثل مرجعية لكافة الدول المتجهة إلى إصدار عملات رقمية يكون المنظم لتبادل هذه العملات بين الدول والبنوك التابعة لها.
لماذا يرفض البنك المركزي المصري تداول العملات المشفرة؟
وأشار أبوالفتوح إلى أن رفض البنك المركزي المصري السماح بتداول العملات المشفرة وتجريم التعامل بها يرجع إلى مخاطر التذبذب السعري وعدم السيطرة على السيولة ومعرفة أماكنها والقدرة على حماية حقوق المتعاملين من السرقات والاحتيال. ونوه إلى أن الاقتصاد المصري يعاني مشاكل عميقة، ولن يتحمل المخاطرة في التعامل مع سوق العملات المشفرة غير المنظم من أي جهة في العالم، مشيراً إلى أن أغلب المتعاملين مع البنوك التقليدية حالياً لن يستطيعوا التعامل مع المحافظ المالية المشفرة، وفي حالة تعرضهم لخسائر لن يجدوا من يحمي حقوقهم غير الدولة التي لن تكون قادرة على تقديم حلول سريعة تحمي أموالهم المستثمرة في قنوات لا تسيطر على شبكاتها وتدفقاتها المالية.
وأوضح نائب رئيس البنك الأهلي وهو أكبر البنوك الحكومية في مصر، أن العملة الرقمية التي سيصدرها البنك المركزي اعتباراً من 2030، ستكون مدعومة بعملات أخرى كالدولار واليورو أو الذهب ومن جهة الإصدار، بما يجعلها وسيلة دفع مضمونة وقابلة للتداول والتحويل، وبعيدة عن شبكات غسل الأموال والتهريب التي تسيء إلى سمعة العملات المشفرة المتدوالة حالياً. وأكد المسؤول المصرفي أن هناك خلطاً بين مفهوم "العملات الرقمية" و"العملات المشفرة"، مشيراً إلى أن التعامل مع العملات المشفرة في مصر لا يزال محظوراً قانوناً، وهو ما يمثل التحدي الأول أمام انتشارها، إلى جانب تحديات أخرى تتعلق بالتقلبات السعرية الحادة، ومخاطر السيولة، وضعف آليات حماية المتعاملين.
وتساءل المسؤول المصرفي عن الجهة التي يمكن الرجوع إليها في حال فقدان الأموال أو التعرض للاحتيال. لكنه في المقابل، لفت إلى وجود فرص واعدة، من تكنولوجيا العملات المشفرة والرقمية والذكاء الاصطناعي، من بينها تعزيز الشمول المالي، وتسريع وخفض تكلفة التحويلات عبر الحدود، إلى جانب الاستفادة من تكنولوجيا الـ"بلوك تشين" في مجالات متعددة مثل تمويل التجارة.
من جانبه، أكد رئيس قطاع الخزانة بالبنك الأهلي عمرو مصطفى، أن المستقبل قد يكون للعملات المستقرة والعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، نظراً لقدرتها على الجمع بين الكفاءة وسهولة الاستخدام من ناحية، ووجود إطار تنظيمي واضح من ناحية أخرى، بما يوفر قدراً أكبر من الثقة للمستخدمين. وأشار خلال مشاركته بالندوة ذاتها، إلى أن غياب التنظيم الكافي في سوق العملات المشفرة يمثل تحدياً رئيسياً، خاصة في ما يتعلق بحماية المستثمرين وأن أي انخراط للبنوك المركزية في هذا المجال يجب أن يتم من خلال أدوات خاضعة للرقابة.
العملات المشفرة واقع مالي يضغط على البنوك المركزية
أما أستاذ الاقتصاد بجامعة شيكاغو هارالد أوليج، فقد أكد أن بيتكوين تمثل النموذج الأبرز للعملات المشفرة، إلا أنها واحدة من بين عدد ضخم من الأصول المشفرة التي تبلغ قيمتها السوقية 2.6 تريليون دولار، بما يجعلها ظاهرة لا يمكن تجاهلها، إذ تمثل دورة مالية كبيرة مقارنة بالنقد الدولاري المتداول في الولايات المتحدة الذي بلغ 2.31 تريليون دولار في أكتوبر/تشرين الأول 2025. وأضاف خلال الندوة، أنه رغم تقارب سوق العملات المشفرة مع حجم الأوراق النقدية من الدولارات المتداولة فعلياً في الاقتصاد، فإنها لم تحل محل الدولار، وإنما بات المستثمرون يتعاملون مع العملات الرقمية كمخزن للقيمة وفي المضاربة وأداة لتحويل الثروات، لطبقة مالية موازية لما تديره البنوك المركزية.
وأوضح أوليج، وهو أيضاً خبير بأسواق المال، أن بيتكوين تهيمن على نحو 59.77% من القيمة السوقية للعملات المشفرة، رغم وجود آلاف العملات الأخرى، باعتبارها الأصل الأكثر ثقة وسيولة، وقادرة على منافسة الذهب الرقمي، إذ بلغت قيمتها السوقية نحو 1.55 تريليون دولار، عند سعر 78 ألف دولار نهاية إبريل/نيسان الماضي. وأشار إلى أن أحد أهم التحديات في فهم هذه العملات يتمثل في التناقض بين استقرار المعروض والتقلب الحاد في الأسعار، موضحاً أن النماذج الاقتصادية تشير إلى أن سعر بيتكوين يتبع ما يعرف بـ"المارتينجال المعدل بالمخاطر Risk-Adjusted Martingale"، أي أن السعر الحالي يعد أفضل مؤشر للسعر المستقبلي مع وجود علاوة مخاطر.
وأوضح أن التقديرات المستقبلية تتوقع أن يصل سعر وحدة بيتكوين إلى نحو 521 ألف دولار خلال خمس سنوات بزيادة تتخطى نسبتها 600%، المحققة على مدار السنوات الماضية، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين المرتفعة في هذا السوق، لكنه في الوقت ذاته يبرز حجم الفرص والمخاطر. وشدد على أن انتشار العملات المستقرة، خاصة المرتبطة بالدولار، قد يفرض ضغوطاً على البنوك المركزية ويدفعها لمواءمة سياساتها النقدية، بما قد يحد من استقلاليتها. وأضاف هارالد أن نحو 70% من البنوك المركزية حول العالم تدرس حالياً إصدار عملات رقمية خاصة بها، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية هذه الأدوات، لكنه يطرح في الوقت نفسه تحديات تتعلق بكيفية تصميمها وتنظيمها.
ونوه أن الولايات المتحدة لا تتجه حالياً لإصدار عملة رقمية للبنك المركزي، في ظل تفضيل الاعتماد على القطاع الخاص والعملات المستقرة، بينما يتجه الاتحاد الأوروبي لإصدار عملة رقمية بحلول 2028. وأشار إلى أن العملات الرقمية للبنوك المركزية قد تؤدي إلى ما يعرف بـ"نزع الوساطة" من القطاع المصرفي، في حال اتجاه الأفراد للاحتفاظ بأموالهم مباشرة لدى البنك المركزي، وهو ما يمثل تحدياً للبنوك التقليدية ويتطلب إعادة التفكير في هيكل النظام المالي، مبيناً أن التوسع في العملات الرقمية يفرض معادلة معقدة أمام البنوك المركزية، تتمثل في تحقيق التوازن بين الثقة في العملة، وكفاءة النظام المالي، واستقرار الأسعار، رغم صعوبة تحقيق هذه الأهداف الثلاثة في آن واحد.
تحرك رسمي استباقي
ودعت مديرة المركز المصري عبلة عبد اللطيف، البنك المركزي المصري إلى التحرك بشكل أكثر استباقية في التعامل مع ملف العملات الرقمية، بدلاً من الاكتفاء بردة الفعل بعد تطور التجارب الدولية، موضحة أن الانخراط لا يعني تحمل مخاطر غير محسوبة، وإنما البدء في دراسة وتطبيق نماذج العملات الرقمية للبنوك المركزية "CBDCs" ، التي توفر بديلاً منظماً وآمناً.
وأضافت أن توفير أدوات رسمية منظمة سيشجع المتعاملين على التحول من الممارسات غير المنظمة إلى قنوات أكثر استقراراً وموثوقية، بما يعزز من كفاءة النظام المالي ويحسّن من قدرته على استيعاب التطورات التكنولوجية. وأشارت إلى أن التطور المتسارع في التكنولوجيا، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، يعكس سرعة التحولات التي يشهدها العالم، وهو ما يستدعي عدم تأخر مصر عن مواكبة هذه التغيرات، مؤكدة أن العملات الرقمية لم تعد ظاهرة هامشية أو فقاعة مؤقتة، بل أصبحت واقعاً اقتصادياً يتطلب الفهم والاستعداد.
في السياق، أكد خبير أسواق المال عمر الشنيطي أن التعامل مع العملات المشفرة يشهد انتشاراً متزايداً، خاصة بين فئة الشباب، رغم عدم خضوعه لإطار رسمي، داعياً إلى إدماج هذه الأنشطة داخل النظام الرسمي بما يساهم في تعزيز الرقابة وحماية المتعاملين، بدلاً من تركها خارج المنظومة. وأوضح الشنيطي أن تقييم العملات المشفرة لا يعتمد فقط على الأسس الاقتصادية التقليدية، بل يتأثر بشكل كبير بالعوامل السلوكية وتوقعات المستثمرين، وهو ما يفسر جزءاً من تقلباتها الحادة.

Related News
إنتر ميامي «منافس قوي» على ضم كاسيميرو
aawsat
3 minutes ago
قطرة فعّالة للسيطرة على قِصر النظر
aawsat
5 minutes ago
الخارجية الصومالية تنفي طرد السفير الإماراتي
alaraby ALjadeed
8 minutes ago
تمارين ذهنية تقوي صحة القلب
aawsat
9 minutes ago