Arab
في مشهد إنساني لا تجده إلا في فلسطين، تتجسد واحدة من أكثر الحكايات إيلامًا، حيث وُلد الطفل "يمان" بعد أقل من 24 ساعة على استشهاد والده الشاب نايف سمارو (26 عاماً) برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام شهدته مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية أمس الأحد، لتبدأ حياته الأولى بغيابٍ لم يكن في الحسبان.
وداهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي وسط مدينة نابلس وداهمت إحدى البنايات وفتشتها، وأطلقت الرصاص وقنابل الغاز السام المسيل للدموع، ما أدى إلى وقوع 40 حالة اختناق بالغ و45 إصابة منها خمس إصابات بالرصاص، بينها الشهيد نايف.
هزّت قصة يمان مشاعر الفلسطينيين وضجت بها منصات التواصل الاجتماعي، حيث لم تكن مجرد خبر عابر، بل تحولت إلى حكاية تختصر وجع الفقد، حين يتقاطع الموت مع الولادة في لحظة واحدة. يقول سامر سمارو، قريب الشهيد نايف، لـ"العربي الجديد": "إن نايف كان ينتظر هذه اللحظة منذ أشهر، واتفق مع زوجته رغد الشامي (21 عاماً) على تسمية مولودهما الأول (يمان)، وهو الاسم الذي بقي حاضرًا رغم كل شيء". مضيفًا أن "بعض المقربين اقترحوا تسمية الطفل على اسم والده، إلا أن الأم أصرت على الالتزام بالاسم الذي اختاره زوجها قبل استشهاده، وكأنها تتمسك بآخر خيط يربطها به". يقول سمارو: "كان نايف يعيش حالة من الفرح والترقب، وكان يعدّ الأيام للقاء طفله الأول، يحلم بأن يحمله بين ذراعيه، وأن يسمع كلماته الأولى، لكن كل تلك الأحلام توقفت فجأة".
وبحسب الرواية العائلية، كان الشهيد على موعد ظهر أمس الأحد مع زوجته لزيارة الطبيب من أجل تحديد موعد الولادة، إلا أن اقتحام قوات الاحتلال مدينة نابلس غيّر مجرى الأحداث بالكامل. في الوقت الذي كانت فيه زوجته داخل منزلها غير مدركة لما يجري في الخارج، كان نايف يتعرض لإطلاق النار من قناص إسرائيلي، ما أدى إلى استشهاده. يقول مكاوي الشامي، والد الزوجة، لـ"العربي الجديد": "إن العائلة تلقت الخبر الصادم، وقررت التعامل معه بحذر شديد، خشية على صحة رغد وجنينها، ثم ذهبنا إليها وأبلغناها بأن زوجها أُصيب فقط، ثم رافقناها إلى المستشفى، لكن الحقيقة كانت أثقل من أن تُخفى طويلًا".
داخل المستشفى، انكشفت الحقيقة، لتدخل رغد في حالة انهيار شديد فور علمها باستشهاد زوجها، بحسب والدها، الذي يشير إلى أن الأطباء تدخلوا فورًا، وأدخلوها لمتابعة حالتها الصحية والنفسية، خاصة في ظل الصدمة الكبيرة التي تعرضت لها، مع الحرص على استقرار وضع الجنين. وبحسب الأطباء، فقد تقرر تأجيل عملية الولادة التي كانت مقررة في اليوم السابق لإعطاء الأم فرصة لاستعادة جزء من استقرارها النفسي والجسدي، بعد الصدمة التي تعرضت لها.
ووسط هذا الألم الثقيل، وُلد الطفل يمان، ليحمل في أول لحظات حياته حكاية لا تشبه أي بداية أخرى، فالطفل جاء إلى العالم دون أن يرى والده، لكنه يحمل وصيته، ويمتد به الأمل رغم كل الفقد. وفي غرفة الولادة، امتزجت دموع الفرح بمرارة الغياب، بينما كانت الأم تحتضن طفلها للمرة الأولى، في وقت كانت فيه لا تزال تحت وقع الصدمة. مشهد يلخص حجم التناقض الذي تعيشه العائلة الفلسطينية، حيث الفرح ناقص، والحزن مكتمل، ويقول والد رغد: "هذا الطفل هو عزاؤنا الوحيد، هو ما تبقى لنا من نايف"، مشدداً على أن العائلة ستحرص على أن يكبر "يمان" وهو يعرف قصة والده، ويحمل ذكراه.
قصة نايف سمارو ليست مجرد حادثة فردية، بل هي صورة مكثفة لواقع يعيشه الفلسطينيون يوميًا، حيث يمكن للحياة أن تنقلب في لحظة، وحيث تتداخل البدايات مع النهايات بشكل قاسٍ.
