Arab
حين يصبح القرار الحرفي موقفاً أو رؤية ترتئيها ذات خاصة إلى هذا العالم، نكون خارجين -بمجرد النظر لأول مرة- من عالم المهارة والمنوال إلى شيء آخر نشير إليه ونقول: هذا فن. ونحن في مركز كتارا للفنون بالدوحة، حيث يستمر المعرض الفردي الأول للفنانة العراقية خلود هواش في منطقة الخليج العربي تحت عنوان "احتضان الأحلام" حتى الحادي والثلاثين من مايو/ أيار المقبل، يمكن رؤية هذا النموذج الواضح في الفصل بين الحرفة والفن، الفصل المائي الهوائي البرزخي الذي لا يتعسف، إنما يوضح بطاقة التعريف الشخصية.
لدينا في المعرض 15 قطعة من الأعمال المنجزة بين عامي 2022 و2025، تتوزع بين منسوجات جدارية وأثواب قائمة في الفضاء، تذهب من خلالها الفنانة (1977) المقيمة في العاصمة الفنلندية هلسنكي، إلى عالم مكتمل له كائناته وتوتراته ومزاجه الداخلي الخاص، تقنيته (وروحه دائماً) الجودلية العراقية القائمة على ترقيع القماش من بقاياه.
عمل يدوي يتطلب قراراً في كل غرزة، ويحمل في نسيجه زمن صنعه كاملاً، ويحرص على أن يكون محكم الصنع لكن ليس متطابقاً مع ما تنسجه اليد فيما بعد. التطابق مهارة كالمنوال يمكن معاينته في الفن والأدب، فنقول إنه بهذا القدر لم يعد نصاً بالشكل المقنع. المنوال في نهاية المطاف ليس نصاً لأن غير مسكون بجماليات الخطأ، بل مسكون بالنجاح.
يتضمن 15 قطعة تتوزع بين منسوجات جدارية وأثواب
أتيحت لـ"العربي الجديد" متابعة خلود هوّاش، عبر معرضين، هذا المقام في الدوحة والآخر ذو الصبغة الدولية عام 2024 في بينالي البندقية، حيث واصلت الفنانة فكرتها البصرية ضمن مشروع فني اسكندنافي مشترك في جناح "دول الشمال الأوروبي"، ولاحظنا كيف أنها كانت قادرة على إعادة تعريف نفسها داخل واحدة من أكثر المنصات الفنية تعقيداً، من دون أن تفقد منطقها الأول أو صرامتها اليدوية، وحتماً دون أن تفقد فكرتها العميقة عن الفن الذي يجري بحرية بين لغات العالم. ورثت الفنانة نسج الجودلية من سلاسة نساء جنوبيات من البصرة مسقط رأسها، وهي تقنية كانت في أصلها ممارسة منزلية مرتبطة بالاقتصاد اليومي، تصنع فيها الأغطية من بقايا الأقمشة المعاد تدويرها وتخاط يدوياً.
في يد الفنانة تتحول هذه المادة الشعبية إلى وسيط تشكيلي يملك طاقة سردية ودلالية واسعة. اليد التي نحكي عنها ليست اختزالاً للجسد، بل مركز الفعل كله. اليد تعمل وتفكر في الوقت نفسه، وفي نيتها على الدوام ألا تنفّذ فكرة جاهزة. الغرزة قرار صغير ينجدل من فعل جدلَ يجدلُ لتصعد الجودلية من كونها مفرشاً أرضياً يضج بالألوان إلى معلقة جدارية أو ثوب منصوب على حامل في الصالة، غير مكتفيين بالألوان الكريمة المتداخلة، بل يستدعيان مفردات الثقافة الشعبية وأساطيرها.
تتراجع يد الفنانة أحياناً وتصحح نفسها، وتبدل اتجاهها تبعاً لمقاومة القماش أو لمصادفة لون خرج من سياقه. التفكير لا يسبق العمل، بل يحدث داخله، في الإيقاع السري الذي تفرضه الإبرة وهي تلضم الخيط وتنغرس في الخامة وتخرج لتقول نصاً لم توقع عليه باسمها إلا بعد أن ضبطت الفوضى ولم تفكر بأن تلغيها. تتكرر في المعرض وجوه نسائية واسعة العينين تقف في مركز التكوين بطمأنينة غامضة. المرأة عند هوّاش لا تقدم موضوعاً جمالياً رائجاً في السوق، ولا ضحية، ولا أيقونة خطابية. تظهر محوراً هادئاً تحيط به الكائنات الحية، والمفردات البصرية التي تقع وتصعد أمامنا كل يوم، والنباتات طويلة المدى والموسمية.
في "بحيرة الملك" (2022) ثمة ملك متأمل تطوف حوله جوقة من الأسماك الملوّنة في تشكيلات حية، كل سمكة مستقلة عن الأخرى، لا تشكّل مملكة. في "حلم" من العام نفسه، كائن مجنّح بوجه أسود وريش داكن يحلق فوق نائم في قارب، ثنائية النوم والطيران هي جوهر اللوحة. لعل حضور العيون عنصراً متكرراً هو ما يجعل احتضان الأحلام عنواناً لتجربة تشكيلية، موافقاً للوظيفة الوجودية لهذين الشقين في ثلث الوجه الأعلى، بما هما مستودع الأحلام وشرفته.
في "العيون الساطعة" (2023) تنبثق من كل نجمة عين تراقب امرأة تمشط شعرها الطويل البرتقالي بتركيز لا يأبه بما حوله. في "حسد" (2022)، وهو الأصغر حجماً والأكثف دلالة، ترتفع كفّان على جانبي وجه أنثوي بشعر أزرق وعيون من خرز، والكفّ مزينة بعيون داخلها. الحماية ترى، وهذا التوتر بين الخطر والزينة، وبين الرمز الوقائي والعنصر الجمالي، هو ما يمنح الأعمال حيويتها، لأن الأشياء لا تستقر في قول واحد، بل يمكنك العودة مرة أخرى لتجد عيوناً غيرها تنظر إليك نظرة لن تكون هي غداً. الخطوة الأذكى في عالم هوّاش هي إدخال الأداة اليومية في السياق الأسطوري دون تفسير. في "ألفة" (2023) تمسك امرأة بشعر أحمر مسدساً بيد واحدة وبملامح هادئة تماماً، تحيط بها عظاية صفراء وطائر من الجهتين.
العنوان يقلب المتوقع، فحمل السلاح هنا ليس لحظة طارئة، إنه حال عادية مألوفة، تجعلنا نفكر في كلمة "مسدس"، أو "فرد" خارج الفعل الذي يطلق نحو هدف. أي إزاحة في التكوين تفرض معاني جديدة. مسدس يلامس الصدر مظهر اجتماعي يمتد من فرد الماء الذي يخوض به الصبيان معاركهم في الأعياد، أو مسدس الوجاهة الاجتماعية.
في "تأرجح" (2025) جسد ذهبي مقلوب رأسه في الأسفل يخترقه خنجر مزخرف، وهو العمل الأكثر إيلاماً في المعرض. الإيقاع الزخرفي يؤطر عنفاً ضمنياً، والانقلاب الجسدي يحتمل أن يكون استعارة للانقلاب الوجودي. في "ضوء" (2025) وجه محاط بشفرات حلاقة وضفيرة تتدلى خارج حدود اللوحة وتلمس الجدار الفعلي. الشفرات الحادة تدخل مجال اللوحة مفردة اجتماعية بوصفها شفرات حلاقة غزت المجتمعات الرجالية في القرن العشرين.
من أشد ما في المعرض خصوصية الأثواب القائمة منتصبةً في قلب الفضاء، فهي ليست لوحات، بل مباشرة أثواب إذا طالعتها فوراً ستعرف أنها خرجت من وظيفة الزي إلى التعبير الفني الحر. ثوب "سفينة البخور الأخضر" وثوب "الحصان الأسود" وثوب "طائر مائي" كلها ملابس تتحول إلى بنية معمارية، وجسد غائب حاضر في الوقت نفسه، وخريطة أو ذاكرة يمكن ارتداؤها. والنظر إلى التسلسل الزمني للأعمال يقرأ خطاً درامياً. أعمال 2022 أكثر هدوءاً وحكائية، و2023 أكثر توتراً وجسدانية، وأعمال 2025 تخيّم عليها سحنة داكنة. وعليه فإن هذا المسار لا يوحي بتخطيط مسبق بقدر ما يوحي بأن الفنانة تتابع شيئاً يتطور من الداخل.
