Arab
رغم ما تعانيه معظم المهرجانات الفنية في مصر من أزمات تمويل، فإن صنّاعها يصرون على إقامتها سنوياً، في مشهد يعكس تمسّكاً باستمرارية الحراك الثقافي، حتى في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة. ينعكس ذلك أحياناً على مستوى التنظيم، إذ لا تعكس بعض هذه المهرجانات الثقل الفني لمصر ولا مكانتها الثقافية، ولا سيما في الشق الإعلامي الذي يُعد أحد أبرز عناصر نجاح أي مهرجان وانتشاره وتأثيره. ومع محاولات خفض النفقات، تتقلص دعوات الصحافيين والإعلاميين، وتتبدل وسائل السفر من الطيران إلى القطارات، كما تتجه بعض المهرجانات إلى تقليص عدد أيامها وبرامجها، ما ينعكس مباشرة على حجم التغطية الإعلامية وجودة الفعاليات ومدى انتشارها.
مع ذلك، لا يزال المشهد نشطاً، إذ يتراوح عدد المهرجانات في مصر بين 35 و40 مهرجاناً فنياً سنوياً، تتنوع بين الرسمية والخاصة، وتشمل مهرجانات للأفلام الطويلة والقصيرة، إلى جانب مهرجانات الموسيقى والمسرح والرقص وغيرها، ما يعكس حيوية المشهد الثقافي رغم التحديات، ويؤكد وجود رغبة مستمرة في الحفاظ على هذا الزخم الفني وعدم انقطاعه.
حول تعدّد المهرجانات المسرحية، يؤكد الفنان أحمد عبد العزيز، الذي سبق أن تولّى رئاسة المهرجان القومي للمسرح، أن هناك بالفعل عدداً كبيراً من المهرجانات المسرحية حالياً، لكن الارتقاء بالمسرح لم يكن يوماً مرتبطاً بتعدد المهرجانات وكثرتها، بل بمضمون ما تقدمه من ورش وماستر كلاس وفعاليات، إلى جانب الإنتاج الجيد والعروض المهمة التي تحمل قيمة فنية حقيقية. يشير عبد العزيز، في تصريحاته لـ"العربي الجديد"، إلى ضرورة التنسيق بين المهرجانات، سواء السينمائية أو المسرحية أو التلفزيونية، حتى لا يحدث تضارب، وحتى يحصل كل مهرجان على الاهتمام الذي يليق به، مؤكّداً أنه لا جدوى من تكدّس المهرجانات في شهرين أو ثلاثة، في حين يخلو باقي العام من الفعاليات.
اختُتمت، أخيراً، فعاليات مهرجان أسوان لسينما المرأة (20 - 25 إبريل/نيسان 2026)، الذي يمثل منصة مهمة لدعم قضايا المرأة من خلال الفن، بينما شهدت محافظة الإسكندرية تنظيم مهرجان الإسكندرية للأفلام القصيرة (27 إبريل - 2 مايو/أيار 2026)، كما أقيم مهرجان المركز الكاثوليكي للسينما المصرية (24 إبريل - 1 مايو 2026)، ويجري التحضير حالياً لمهرجان المسرح القومي المصري، ما يعكس انتشار الفعاليات السينمائية والفنية في مختلف المحافظات، وعدم اقتصارها على العاصمة فقط، بما يعزز من مفهوم اللامركزية الثقافية.
تتفاوت ميزانيات المهرجانات في مصر، بما يعكس التباين في مصادر التمويل، وطبيعة كل تظاهرة وحجمها؛ إذ يتصدر مهرجان الجونة السينمائي قائمة الأعلى تمويلاً، فتتجاوز ميزانيته 300 مليون جنيه مصري، بدعم من رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، إلى جانب عدد من الرعاة. يرجع ارتفاع ميزانيته إلى طبيعته الدولية، واستضافته نجوماً وصنّاع سينما من مختلف البلدان، ما يرتّب عليه تكاليف كبيرة تشمل تذاكر الطيران، والإقامة في فنادق فاخرة، وتنظيم حفلات وفعاليات على مستوى عالٍ، فضلاً عن قيمة الجوائز المقدمة.
بصفته مُكرَّماً في عدد من المهرجانات على مدار السنوات الماضية، وعضواً ورئيساً في لجان تحكيم عدة، اعتبر المخرج المصري علي بدرخان، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن كثرة المهرجانات الفنية في مصر تُعد مؤشراً إيجابياً، لا سيما إذا أُقيمت برعاية جهات رسمية كوزارات الثقافة أو السياحة أو الآثار، أو ضمن مؤسسات موثوقة. وشدّد على ضرورة خضوع هذه المهرجانات لإشراف وزارة الثقافة، منعاً لتحوّلها إلى مصالح شخصية أو "سبوبة"، وبما يضمن الحفاظ على جديتها ومصداقيتها.
في المقابل، تصل ميزانية مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي يقام سنوياً في نوفمبر/تشرين الثاني، إلى نحو 70 مليون جنيه مصري، ويتلقى دعماً من وزارة الثقافة المصرية. إلا أن هذا الدعم لا يمثل المصدر الرئيسي للتمويل، بل يقتصر، في جانب كبير منه، على الدعم اللوجستي، مثل توفير قاعات دار الأوبرا المصرية، وبعض الخدمات التنظيمية، فيما يعتمد المهرجان أكثر على الشركات الراعية، مثل شركات الاتصالات والبنوك، ما يعكس نموذجاً تمويلياً متنوعاً يجمع بين الدعم الحكومي والرعاية الخاصة، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول مدى استدامة هذا النموذج في ظل المتغيرات الاقتصادية.
في هذا السياق، يشير الممثل حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في تصريحاته لـ"العربي الجديد"، إلى أنه ليس ضد أن يكون في مصر عدد كبير من المهرجانات، لكن السؤال الجوهري هو: ما هدف هذه المهرجانات؟ ولماذا تُقام؟ وهل تضيف إلى الفن المصري فعلاً أم أنها مجرد تكرار شكلي لا يحمل جديداً؟ يشير إلى أنه يرفض مصطلح المنافسة بين المهرجانات، خاصة إذا كانت في بلد واحد، إذ لا بد أن يكون هناك تعاون وتكامل، وأن تعمل جميع الجهات معاً، لأن الهدف يجب أن يكون واحداً، وهو الارتقاء بحضور الفن المصري عالمياً، لا أن يتحول الحضور إلى مجرد استعراض للإطلالات والفساتين وتسريحات الشعر، بما يفرّغ المهرجانات من مضمونها الثقافي الحقيقي، ويحوّلها إلى مناسبات شكلية. يرى فهمي أن الأزمة ليست في كثرة المهرجانات. فعلى سبيل المثال، توجد في فرنسا مهرجانات كثيرة للغاية، لكنها تقوم على أسس واضحة وتخطيط محكم، ما يجعلها مؤثرة. هذا يشير إلى أن المشكلة تكمن في الكيف وليس الكم، وفي جودة الإدارة.
على جانب آخر، ورغم اعتماد مهرجان أسوان لسينما المرأة، المقامة فعالياته حالياً، على عدة مصادر تمويلية تشمل وزارتي الثقافة والسياحة، وبعض الجهات المعنية بقضايا المرأة، إلى جانب رعاة من القطاع الخاص، فإن التحديات المالية تظل حاضرة بقوة. فقد أعلن مدير المهرجان، حسن أبو العلا، عن وجود أزمة مالية قبيل انطلاقه بأيام قليلة، مشيراً إلى أن المهرجان يواجه سنوياً صعوبات في التمويل، إلا أن الوضع في العام الحالي أصبح أعقد في ظل ارتفاع الأسعار، إلى جانب خفض وزارة السياحة دعمها، الذي كان موجهاً لتغطية تكاليف الإقامة، ما يعكس هشاشة البنية التمويلية لبعض المهرجانات، واعتمادها الكبير على مصادر دعم غير مستقرة.
واعتمد مهرجان الإسكندرية للأفلام القصيرة في ميزانيته على دعم وزارة الثقافة المصرية، إلى جانب الدعم اللوجستي الذي قدمته المحافظة نفسها، وتمثّل في توفير قاعات العرض وبعض التسهيلات التنظيمية. وعلى الرغم من أهمية المهرجان ومكانته، فإن ميزانيته تظل محدودة، فلا تتجاوز حاجز 15 مليون جنيه مصري، ما يعكس طبيعة المهرجانات المتخصصة في الأفلام القصيرة من ناحية الإمكانيات والموارد، ويطرح تحدياً يتعلق بكيفية تحقيق التأثير الفني رغم محدودية الإمكانات المتاحة.
تقول الناقدة الفنية خيرية البشلاوي، في تصريحاتها لـ"العربي الجديد"، إنه يجب أن يكون هناك كيان أو اتحاد يعنى بتنسيق مواعيد المهرجانات الفنية، حتى لا يحدث تداخل بينها، مع ضرورة تقييم أهمية كل مهرجان وما يقدمه للفن، وتحديد ما إذا كان يمثل إضافة حقيقية أم لا، وهو أمر يجب أن يحدده أهل الخبرة، فلا ينبغي استمرار أي مهرجان من دون تحقيق فائدة ملموسة. اختتمت البشلاوي حديثها بالتأكيد أن وجود مهرجانات للسينما، والمسرح، والغناء، والأفلام القصيرة، هو أمر مهم بلا شك، ولكل مهرجان جمهوره وضيوفه، ولكن لا بد أن تقام هذه الفعاليات بما يليق بالفن المصري.
بدورها، تقول الفنانة المصرية سميرة أحمد، التي تغيّبت عن حضور أي من هذه الفعاليات منذ سنوات طويلة، إن هناك بعض المهرجانات القليلة التي تعترف بها، وهي تظاهرات كبيرة لها اسمها وتاريخها، وليس لها هدف سوى ترسيخ الهوية المصرية، ومن هذه المهرجانات: القاهرة السينمائي الدولي، والموسيقى العربية، والكاثوليكي، في إشارة واضحة إلى معيار القيمة لا العدد. تضيف أحمد، في تصريحاتها لـ"العربي الجديد"، أن المهرجانات لا تُقاس بعددها، بل بتأثيرها وما تقدمه من مضمون، وما تحمله من رسالة واضحة، مؤكدة أنها تسمع هذه الأيام عن أسماء مهرجانات غريبة، لا تحظى باهتمام الجمهور.
بدوره، وصف الناقد المصري، أحمد سعد الدين، تعدد المهرجانات بالفوضى، موضحاً، في تصريحات تلفزيونية سابقة، أن المقصود بالفوضى ليس الوجود في حد ذاته، بل التوقيت، فكان في مصر ثلاثة مهرجانات رئيسية هي: القاهرة السينمائي، والإسكندرية السينمائي، والإسماعيلية للأفلام القصيرة والتسجيلية، وكان هناك ما يعرف بخريطة المهرجانات في العالم العربي، تنظَّم في أوقات مختلفة لتفادي التداخل، ليكون هناك فاصل زمني بينها، ولكن حالياً يقام العديد من المهرجانات في توقيت واحد، مع تكرار الضيوف أنفسهم، ما يقلل من قيمة كل مهرجان على حدة ويضعف من تأثيره.

Related News
السردين... سرّ خفض الكوليسترول وتحسين صحة القلب
aawsat
4 minutes ago