أحمق من ترامب
Arab
2 days ago
share
ليس عنوان المقال صيغة من صيغ أساليب التفضيل في اللغة العربية، بل هو تعبير عن سؤال كبير يطرح نفسه لمناسبة حديث الرئيس المُتكرّر عن ضرورة توقيع اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي للأخيرة، وهو الحديث المبني على أنّ اتفاق العام 2015 الموقّع بين الدولتين في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما لا يُرضي الرئيس الحالي ومن ثم يعتبره لاغياً. والسؤال هنا: إذا حدث اتفاق جديد فما الذي يضمن لإيران ألّا يأتي رئيس أميركي أكثر حمقاً واستجابة لرغبات الكيان الصهيوني من ترامب، فيعلن إنّ الاتفاق الموقّع بين طهران وواشنطن في فترة ترامب سيئ جدّاً، وإنه سوف يلغيه، ويطلب من إيران أن تأتيه خاضعة راكعة طائعة لتُسلّم نفسها وتوقعّ اتفاقاً جديداً يوافق هواه؟ الاتفاق التنفيذي بين واشنطن وطهران الذي وقّعه الرئيس الديمقراطي باراك أوباما مرّ من مجلسي الشيوخ، بأغلبيته الجمهورية، والنواب بالأغلبية الديمقراطية، على الرغم من المعارضة الشديدة للجمهوريين، غير أنّه في المحصلة اتخذ صفة الحجية القانونية في مايو/ أيار 2015 حين نجح الديمقراطيون في تعطيل رفض الجمهوريين القرار، فيما فشل هؤلاء في إنهاء هذا التعطيل، ليصبح الاتفاق النووي نافذاً تشريعيّاً. الخلاصة أنّه صار اتفاقاً بين دولتين وليس بين شخصين، وكلتاهما من المفترض أنّهما دولتا مؤسّسات، وليستا شركتين مملوكتين لأشخاص، بحيث يموت الاتفاق بتغيير الشخوص، أو بالأحرى تغير مزاج الشخص الذي يتولى قيادة هذه الشركة، وهذا ما يمارسه دونالد ترامب، والذي يسلك وكأنّ أميركا لم تكن شيئاً قبل أن يرأسها، وبالتالي هو يديرها كأنّها ثمرة سقطت في حجره، يمتلك السلطات المُطلقة في إنهاء التزاماتها الدولية السابقة، على نحو ما يفعل حيال الأمم المتحدة وحلف الناتو. والنموذج الصارخ إيران، إذ يريد أن يُصفي معها حسابات تعود إلى خمسينيّات القرن الماضي وسبعينياته، بحجّة أنّ كلّ من تولوا رئاسة الولايات المتحدة قبله فاشلون، وأنّه المُكلّف من السماء بإصلاح أخطائهم وتغيير حدود العالم، جغرافيّاً وثقافيّاً، والهيمنة على ثرواته بما يحقّق مصالحه. في بداية ولاية دونالد ترامب الثانية، وبعد ثلاثة أشهر فقط، كتبتُ إنّ العالم مدين بالاعتذار لزعيم كوريا الشمالية الذي جرى تصويره أنّه يقود البشرية إلى حتفها، ذلك أنّ ممارسات ترامب في تسعين يومًا أولى من حكمه أسقطت أكذوبة أنّ الزعيم الكوري الشمالي كما تمّ تصويره في أدبيات السياسة المعاصرة هو ذلك الدكتاتور الذي يلهو بسلسلة مفاتيح الترسانة النووية، ليتبيّن أنّ تلك واحدة من الأكاذيب الكبرى التي صنعتها آلة الدعاية الأميركية السوداء. فالشاهد أنّ هذا الرجل لم يُصب الكوكب بالأذى ولم يصدر شروره وأطماعه وأحقاده "القرونوسطية" إلى العالم، كما يتحدّث ويفعل دونالد ترامب، الذي يسطو على دول، ويطارد أخرى، مثل القراصنة المُحترفين ويوزّع الموت والدمار في كلّ مكان ثم يدّعى أنّه رسول السلام. شخص لا يكتفي باحتقار القانون الدولي، بل يرى نفسه القانون مُجسّداً في شخص، يبدّل في خطاباته ويتخبّط في قراراته ويتعثّر في تصوّراته الغبية عن البشر والعالم، ويدّعي الجنون أحياناً، ويمارس كلّ أشكال الغدر والنكث بالعهود والاحتقار للاتفاقات، ولا يتورّع عن الاغتيالات والقتل، ثم يحتفل بكلّ ذلك باعتباره من الإنجازات الشخصية العظيمة، فيحتفل بمنتهى المجون بنجاحه في قتل زعماء واختطاف رؤساء ثم يريد من العالم أن ينتحب حزناً على إصابته بجرح في إصبعه، ويعطي دروساً في أهمية احترام حياة الناس وكرامتهم. الأكثر سوءاً أن تجد من يتعامل مع هذا الحمق بكثير من التوقير، كما في الحادث السينمائي الأخير، حين هبّ الجميع لصياغة بيانات التضامن مع ترامب إثر محاولة فاشلة، لا يعلم أحد حقيقتها، لاستهداف حفل عشاء كان يحضره، لنجد أنفسنا أمام مفارقةٍ مُذهلة، وازدواجية مُحزنة في توزيع الأسى والاستنكار، فحين اقتحم إرهابي أميركي صهيوني طهران، وقتل الرجل الأوّل فيها وعائلته ووزراءه ومساعديه لم يصدر عن الأنظمة العربية سطر واحد يندّد بالجريمة، باستثناء سلطنة عُمان، بينما حين حاول مسلّح أميركي استهداف ترامب في أثناء حفل عشاء بواشنطن انتفضت الأنظمة العربية ببيانات الشجب والإدانة والاستنكار لجريمة هوليوودية لم تقع. 

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows