Arab
بين لبنان وكيان الاحتلال أنهارٌ من دم ودموع، من مجازر وموت ونزوح ودمار واجتياحات، ذاكرة أليمة لا تُمحى وقوائم لا تُحصى من الشهداء، احتلالات وانتهاكات وحروب تحرير، فهل يجرؤ الرئيس جوزاف عون بعد تاريخ مضمّخ بالدماء والعداء على الذهاب إلى واشنطن لمصافحة يد مجرم العصر بنيامين نتنياهو، قاتل عشرات آلاف من اللبنانيين، بعد مئات آلاف من الفلسطينيين؟ وهل يحتمل ضميره ارتكاب معصية بل خطيئة وطنية قاتلة كهذه؟ إن كان سيفعل هذا فما عساها الحاجة الملحّة وما الدافع الحقيقي؟ أهي نزعة "البطولة الفردية" على طريقة أنور السادات، وإظهار القدرة على فعل ما لم يجرؤ الآخرون على فعله، أم هو وفاءٌ بالعهد المسبق للأميركيين: تأتون بي رئيساً فأوقّع اتفاقية سلام مع "إسرائيل"، أم الأمر المعكوس: أتينا بك رئيساً لتوقّع اتفاقية سلام وتطبيع فنفّذ تعهداتك ولا خيار آخر أمامك؟
مهما تكن أسرار المسألة وألغازها في الغرف المظلمة، قبل الرئاسة وبعدها، فممّا لا شك فيه أن ما قد يُقْدِم عليه الرئيس اللبناني المؤتمن على الوطن والدستور والقوانين التي تحرّم التعامل مع العدو، أمر بالغ الخطورة على واقع لبنان الهشّ، وعلى موقع الرئاسة والرئيس نفسه معاً، إذ قد تُحدث "صورة" مستهجنة كهذه (يبدو الرئيس عون ملهوفاً لها كأنه يفتح الأندلس) زلزالاً في الداخل اللبناني، في ظلّ الانقسام العموديّ الحاصل والنفوس المشحونة بين مع وضد، ووجود فئة عريضة من اللبنانيين لا تزال تعدّ "إسرائيل" عدوّاً وتؤمن بمقاومتها عسكرياً لطردها من مواقع ومساحات تحتلّها في جنوب لبنان، ولا ترى البتّة أن الزمن قد حان لمجرّد الحديث، والحديث فقط، عن سلام مزعوم مع الكيان الصهيوني صاحب الأطماع في أرض لبنان ومياهه، والذي لا تُمحى آثار جرائمه وفظائعه الكثيرة منذ سنة النكبة عام 48 بحق الشعب اللبناني. مقابل فئة من الشعب اللبناني، قد لا تكون قليلة، تؤيّد سلاماً مزعوماً مماثلاً مع عدوّ لبنان وفلسطين والشعوب العربية (باستثناء بعض نظمها وحكامها)، وتسأل هذه الفئة ببراءة جاهلة وخبيثة: وَلِمَ لا؟ لِماذا لا يستطيع لبنان عقد سلام مع "إسرائيل" مثلما فعلت مصر والأردن والإمارات؟ من غير أن تنظر إلى تبعات هذا "السلام" المزعوم على المجتمعات المصرية والأردنية والإماراتية ومدى نجاحها أو فشلها حيث الأغلبية الساحقة من شعوب تلك البلدان ترفض التطبيع على الأرض مع الإسرائيلي، وما برحت حتى الساعة تعتبره عدواً للأمة، ولم يستفد المصريون والأردنيون من السلام والتطبيع، بل تفاقمت أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية، ولا يأمن حكام البلدين وشعباهما للنيات الإسرائيلية في مجالات الطاقة والمياه وسواها. والأفعى الصهيونية السامة تزحف على أرض الإمارات، لتبخّ سمومها وتهيمن بالسرّ والعلن اقتصادياً ومالياً وتكنولوجياً. فما هي المكاسب التي يراها الرئيس اللبناني من إقدام أرعن على خطوة مماثلة، من غير حساب التبعات والنتائج على لبنان وعلى مصيره السياسي في آن؟ وإلى ماذا يستند ويأمن ويطمئن؟
اتفاقية السلام المزعومة بين لبنان وكيان الاحتلال يمكن النظر إليها أنها "تهريبة" تتمّ بغفلة من الزمن
يرى العارفون بالواقع اللبنانيّ زلزالاً حتمياً آتياً إذا أقدم الرئيس عون على المعصية، فهذا فعل كبير يستحيل تقدير آثاره بدقة، غير أن الأكيد حصول اضطرابات كبرى من كل نوع، سياسية وأمنية واجتماعية، وحتى مالية واقتصادية، قد تفضي إلى تغيير وجه لبنان السياسي ونظامه، وقد تودي بوحدته الحالية وتعيد تفتيت مناطقه على نحو ما كان في الحرب الأهلية بين 1975و1990، وينقطع التواصل بين المناطق، وينقسم الجيش الوطني، فينهار هيكل الوطن مجدّداً، وقد لا يستعيد وحدته بـ"طائف" جديد، لذا نرى التحرّك السعودي العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في اللحظات الأخيرة، ويحذّر السعوديون المسؤولين اللبنانيين من الذهاب إلى حلول سلمية منفردة خارج نطاق المبادرة العربية المشتركة. ومثل السعودية، تفعل مصر وتركيا وأطراف أخرى معنية في المنطقة، لعدم اطمئنانها إلى النيات الأميركية والإسرائيلية المستعجلة إلى سلام مشبوه مع لبنان ثم سورية.
اتفاقية السلام المزعومة مع كيان الاحتلال يمكن النظر إليها أنها "تهريبة" تتمّ بغفلة من الزمن، على طريقة الـ"أوف سايد" أو التسلّل بلغة كرة القدم، ولكن يبدو أن صفّارة الحكم العربيّ متنبّهة إلى ركلات التسلّل الأميركية ـ الإسرائيلية، وتنطلق كي لا يتحقّق الهدف ولا يُحتسب. ولا يستطيع اللاعب الثالث المتحمّس، أي الرئيس عون، الاستمرار وحيداً في اندفاعته الخاطئة لتسجيل الهدف الخاطئ، فالهدف الذي يشارك في تسجيله مع شريكيه لن يُحسب في شباك التاريخ، وستقع الخسارة الأكبر عليه لأنه اللاعب الأضعف في لعبة الكبار.
حضرة الرئيس جوزاف عون، الصورة في البيت الأبيض مع السفاح نتنياهو، المطلوب عالمياً من المحكمة الجنائية الدولية، لا تستحقّ كلّ هذا العناء... والاندفاع.

Related News
مصريون لمزيد من «التحوط» بالذهب كوعاء ادخاري
aawsat
15 minutes ago
نهج مُبتَكر لعلاج نوبات الهلع بعيداً عن المهدّئات
aawsat
24 minutes ago
مبابي تحت انتقادات ريال مدريد: لاعب وزميل سيئ!
alaraby ALjadeed
31 minutes ago