Arab
كانت أمي، وعماتي (رحمهنّ الله) يتباريْن في الوصول إلى بيت العزاء، وكنَّ يفضلن اللحاق به قبل الدفن، حين يكون الميت ممدّدأ، ما يستدعي بكاءً أكثر، وينقل عدواه من جفنٍ إلى جفنٍ كريح تعبر أوراق شجرة.
لم تكن تعنيهنّ درجة القرابة بالميت، ولا بعمره، ولا بعافيته، ولا بطول مرضه قبل ساعته، كنّ يذهبن ليبكين. ويقلن بوضوح: "ما رحت إبكي عليه، رحت إبكي على حالي".
في داخل كلِّ قلب حزنٌ يحتاج أن تغسله الدموع، ويتشارك الناس الأحزان عادةً، لأن التشارك يضاعفها، وقد فعل السوريون هذا مطلع هذا الأسبوع. استحضر كل واحد منّا حزنه، وعبر عنه، حتى بدوْنا وكأننا جميعاً فقدنا ابناً في حفرة حي التضامن.
مع نشر خبر القبض على المجرم أمجد يوسف، أخرج كل سوريّ ما في قلبه، ووضعه في قفّة الحزن الوطني.
هرع أهالي الضحايا إلى موقع الجريمة، إلى الحفرة التي صارت رمزاً لكل جرائم الأسد، أهالي الضحايا البعيدين عن الحي، أخرجوا صور أحبائهم المغيبين وحملوها على صدروهم، ووقفوا في الشارع أو على الشرفات. نشروها على "فيسبوك"، ذكّروا بجرائم أخرى، وبمجرمين آخرين. الخائفون على المستقبل ذكّروا بجرائم أكثر طزاجة، وبمجرمين ما زالوا طلقاء، استحضروا إلقاء الشبان الثلاثة من شرفة منزلٍ في السويداء الصيف الماضي، بمجازر بانياس العام الماضي، وبمجازر بانياس الأخرى في عام 2011.
حضر سجن صيدنايا وكأن بابه السميك فُتح للتوّ، وبكت حتى أمهات جنود من جيش الأسد قضوا مخدوعين أو مضلّلين. وكأن القبض على أمجد يوسف أوحى للسوريين بأن العدالة ممكنة، فقفزوا يريدون العدالة كلها، يريدونها عن كل ظلم، عن كل خوف. محقّاً كان أم لا، مبرّراً أم لا.
بين كل هذه المشاعر التي فاضت فجأة، حضر اسم شبه مجهول، لسيدةٍ سوريةٍ كانت البطلة في هذه القصّة كلها، أنصار شحّود، الأكاديمية التي درست في هولندا، وتخصّصت في مركز الهولوكست والإبادة الجماعية، وعملت عامين في ملاحقة مجرمي نظام الأسد، حتى نجحت في تحديد المجرم الرئيسي، وتوثيق اعترافاته، وعملت مع فريق يضمّ سوريين آخرين، مثل دمر سليمان وحازم عبد الله، ومع البروفيسور أور أوميت أونغر، وحوّلت مجزرة التضامن إلى قضية عالمية بعد نشرها في صحيفة الغارديان.
افتخر الجميع بها، وعبرّوا عن امتنانهم لها، ولمهنيّتها ووطنيتها وإنسانيتها، افتخر بعضٌ بأنها ابنة بلدهم، وافتخر آخرون بأنها ابنة محافظتهم، وهناك من اعتزوا بأنها ابنة طائفتهم، حتى إن طائفتيْن تنازعتا شرف انتمائها بالولادة. ولا يهم أن شخصاً يفعل ما فعلته لا يمكن أن يكون ابن طائفة، أو جماعة، او حتى دولة، فهذه الدرجة من الشجاعة والنبل لا يصل إليها من ينتمي إلى غير الإنسانية.
حين كانت سميرة مخملباف في السابعة عشرة أخرجت فيلمها المبكّر "تفاحة" عن فتاتين من طهران سجنهما أبواهما 11 عاماً ليحمياهما من شرور العالم. حظي الفيلم باحتفاء عالمي، وعرض في مهرجان كان دورة 1997 ضمن تظاهرة "نظرة خاصة"، في المؤتمر الصحافي الذي تلا عرض الفيلم نهض صحافي أميركي، وقال: يكشف هذا الفيلم عن حقيقة إيران. أي بلدٍ هذا الذي تسجن فيه فتيات في الخامسة والعشرين؟ فرد عليه صحافي آخر: هو البلد الذي تُخرِج فيها فتياتٌ في السابعة عشرة أفلاماً سينمائية. ولذلك سورية هي البلاد التي ولدت مجرماً وجريمة بهذا الحجم، ولكنها أيضاً من ولدت كل هذا الحزن، وأنجبت أنصار شحود أيضاً.

Related News
مفاوضات مع ترامب !
alaraby ALjadeed
12 minutes ago
بيريرا: أنا فخور بإسقاط أستون فيلا
aawsat
22 minutes ago
اليابان تتدخل بـ35 مليار دولار لـ«حماية الين»
aawsat
22 minutes ago
«إن بي إيه»: أنونوبي يقود نيكس لفوز «تاريخي» على هوكس
aawsat
22 minutes ago