المشروع الديمقراطي العربي والقضية الفلسطينية
Arab
6 days ago
share
أظهرت قدرة إيران المحدودة نسبياً، وصمودها الصلب في آنٍ واحد في مواجهة العدوان الأميركي الصهيوني، أن هناك مشكلة كبرى في شكل مواجهتها السابق للدولة الصهيونية، وفي سياساتها الداخلية القمعية والاقتصادية، وأنّ من أكبر أخطائها أنّها سعت، طائفياً، للسيطرة على الدول العربية، منذ نجاح ثورتها عام 1979، وأنّ ما تواجهه هذه الأيام من عدوانٍ يفرض عليها إعادة النظر بسياستها تلك، والعودة إلى حدودها الطبيعية، وإقامة علاقات نديّة ومتكافئة مع كافة دول المنطقة، ودعم القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني وحرية للشعب الفلسطيني، والأمر ذاته يخص تركيا ودولنا العربية؛ وألّا تستثمر دول الإقليم جميعها في الصراع الشيعي السني، وأن تتحوّل ديمقراطياً، وتشرك الشعوب في إدارة الدولة والسلطة. إذ وضع الصراع الشيعي السني بالتحديد حداً لتوسع دعمها للقضية الفلسطينية، وهي مسؤولية مشتركة للدول الّتي استثمرت في  هذا الصراع.  يرى كاتب هذا النص أنّ الدولة الصهيونية هي الخطر الوجودي على العرب، وليس على الفلسطينيين وحدهم، وأن إيران إحدى دول المنطقة، أما الدولة الصهيونية فهي دولة استيطانية احتلالية من بقايا الاستعمار الكولونيالي، تجسد مشروعاً كولونيالياً ضد المشروع العربي الديمقراطي، لذا فإنّ مصلحتها في كافة أشكال الحكم غير الديمقراطي. وبينما فشلت حكومات الإقليم في الإطار الاقتصادي، وفي إرساء دول قوية، ومواجهة الدولة الصهيونية والمشروع الإيراني في الدواخل العربية؛ قطعت دول النمور الأسيوية شوطاً كبيراً في النمو الاقتصادي، وأصبحت الصين عملاقاً رغم شمولية نظامها، وبالتالي كانت ديكتاتورياتنا من النمط الرديء إذاً. الآن، وبغض النظر عن شكل الحكم الإيراني، فقد فشل في نصرة القضية الفلسطينية، ولأسباب كثيرة، استكمالاً لفشل الأنظمة العربية في ذلك، الّتي أصبحت إمّا غير معنية بهذه القضية أو متحالفةً مع العدو الصهيوني ضدها! لا شك أن أسباباً متعددة أوصلت القضية الفلسطينية لما هي فيه من ضعف شديد، تمتد لأكثر من قرن، وتبدلت أحوال العالم كثيراً، وأشكال المقاومة الفلسطينية كذلك، ولكن ما هو الجدير بالتوقف عنده: أيّة أشكالٍ هي الأفضل لمواجهة العدو في ظلِّ كل هذا التعقيد الراهن؟ إن الدفاع عن المشروع الديمقراطي هو الدفاع عن دور الشعب في اختيار الاقتصاد المتطور الصناعي والزراعي أولاً، وفي اختيار العلم الحديث، وأشكال متقدمة من التنسيق بين الدول العربية، وتفكيك المشروع الصهيوني إجابة عن السؤال السابق: إن إعادة حضور الشعب في السياسة هو الأصل في إنتاج أشكال جديدة للمقاومة، وفي توسّع المشاركين فيها. لقد تهشمت البنية الاجتماعية العربية والفلسطينية تهشماً مذهلاً، وتسيست البنى الأهلية، طائفياً ومناطقياً، تسيساً كبيراً، وهذا يشمل المجتمع الفلسطيني. تتطلب الفكرة الأخيرة، وبغض النظر عن أسبابها، كثيراً من البحث، وتتطلب أيضاً العودة إلى الشكل الديمقراطي من المقاومة، وكذلك الأمر بما يخص العمل السياسي العربي، وصولاً إلى اعتماد الديمقراطية شكلاً للحكم، بما يتيح المجال واسعاً لاستعادة الشعوب دورها في السياسة؛ من خلال إعادة تشكيل علاقات سليمة مع "نفسها"؛ ومع كافة شعوب المنطقة، وضد كافة أشكال الحكم غير الديمقراطية، وبما يساهم في تفكيك الدولة الصهيونية، واستيعاب اليهود من غير الصهاينة في إطار الدولة الفلسطينية، أو في إطار العالم العربي، وكل من تركيا وإيران. إن دفاعنا عن النظام الديمقراطي لا ينطلق من أنّه سحري قادر على تغيير الأوضاع بين لحظة وأخرى، وأوردنا أعلاه المثال الصيني في تحقيق التنمية بالرغم من غياب الديمقراطية، بل ينطلق من إعادة الوصل مع كل التراث الديمقراطي العربي، منذ بداية الاستعمار الكولونيالي، وقضايا الثورات في التحول الديمقراطي بعد 2011 خصوصاً. إذ تظهر المراجعات للتطور "المحتجز" عربياً بوضوح ضرورة النظام الديمقراطي وإدخال الشعوب فيه، لتتمكن الدول العربية من مواجهة الخطر الوجودي عليها، وهو المشروع الصهيوني، لأنّ الأنظمة غير الديمقراطية تمثل خطراً وجودياً على العرب كذلك. إذ تعمل الأنظمة المستبدة، أو التابعة، ضد المصالح العربية، وقد وصلت التدخلات الإقليمية مرحلة خطيرة في التأثير على الدواخل العربية، ونقصد دور كل من الدولة الصهيونية والتركية والإيرانية. لا ينطلق الرهان العربي من المشروع الليبرالي، وتغيير شكل الحكم أو شكل الاقتصاد فقط، فالمشروع الليبرالي ليس هو المشروع الديمقراطي، بل يختص بالدفاع عن مصالح الفئات الأكثر ثراءً، ولا يمثل دعمه للديمقراطية شكلاً للحكم تمكيناً للشعوب من دورٍ حقيقي في النهوض بأوضاع المجتمعات كافة. فلم يخدم وجود أشكال دنيا للديمقراطية في بعض الدول العربية الشعوبَ، بل خدم الفئات الأكثر غنى، ومجموعات ليبرالية محدودة. إن الدفاع عن المشروع الديمقراطي هو الدفاع عن دور الشعب في اختيار الاقتصاد المتطور الصناعي والزراعي أولاً، وفي اختيار العلم الحديث، وأشكال متقدمة من التنسيق بين الدول العربية، وتفكيك المشروع الصهيوني، ورفض مختلف أشكال الحكم المستبدة العلمانية والدينية، وتنزيه الأديان عن الحقل السياسي. تتجاوز المعالم الأولية هذه الفهم الليبرالي للديمقراطية، أو نظريات تمجيد الدولة لدى تيار واسع من الليبراليين، وتتجه نحو وراثة الحقوق الليبرالية في إطار المشروع الديمقراطي للشعب. دخلت البشرية مرحلة جديدة مع القيادات الحالية لأميركا وروسيا والصين، فجميع أشكال الحكم هذه غير معنية بمصالح الشعوب، بدءاً بشعوبها، و يوضح النظر العميق في أشكال الحكم فيها هشاشة ديمقراطيتها، فهناك تراجع عام لموقع الديمقراطية عالمياً. أعلنت هذه المرحلة عن نفسها في الآونة الأخيرة من خلال الحرب العدوانية ضد إيران، ولكن نظام الأخيرة مستبد، وثيوقراطي، ورغم حدة الحرب لم يتوقف عن استبداده وقمعه للحريات داخل هذا البلد. وفي المقابل  اجتُثت الثورات العربية لأنّها طالبت بالديمقراطية، و"أُعطيت" السلطات من جديد لأشكالٍ من الحكم العسكري ومختلف أشكال الاستبداد، أوتركت البلاد للحرب الأهلية.  عربيّاً، لا يمكن مواجهة دول المحيط وهذه المرحلة من "الفاشية" العالمية من دون العودة للديمقراطية شكلاً للحكم وخياراً للشعوب، ومن دون إشراك الأخيرة في السياسة. هذا مدخل صلب وواقعي لمواجهة التحديات الإقليمية والصهيونية والدولية. أما فلسطينياً، فقد أثبتت ثورة الحجارة 1987 أنها الأكثر جدارة في مواجهة سياسات العدو، وحازت على تعاطفٍ عالميٍّ هائلٍّ. هناك تعاطف كبير الآن، ولكنّ شكل المقاومة وتوجهاتها وشكل الحكم في رام الله أضعف إمكانية الاستثمار في هذا التعاطف، وجاءت الفاشية الأمريكية لتضع كل العراقيل أمام هذا التعاطف. المقصد هنا، أن الممكن فلسطينياً، ليس التقسيم، غزّة والضفّة والخارج وال 48، بل هناك ضرورة لمشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ، وأن يتبنى الشكل الديمقراطي للمقاومة وإدارة شؤونهم. وأيضاً، لا إمكانية للتقدم عربياً وفلسطينياً من دون الخيار الديمقراطي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows