القضية الفلسطينية وميلاد نظام دولي جديد
Arab
6 days ago
share
يمارس الاحتلال الصهيوني والولايات المتّحدة الأميركية عنفاً مفرطاً هدفه تغيير النظام الدولي، والسيطرة على الاقتصاد العالمي من خلال فرض مشاريع اقتصادية في مناطق عديدة من العالم، وفي مقدمتها المنطقة العربية. لكن لا تتزايد العنجهية الإمبريالية وحدها، بل باتت تتناسب طرداً مع غضب شعوب العالم، الذي يزداد كلما زادت الإمبريالية؛ وذراعها الصهيونية، من تماديها. إذ لم يؤدِ هذا العنف كلّه، والتمادي في خرق الخطوط الحمراء كلّها إلى ترهيب الضمير العالمي، كما خطط له ربّما، بل على العكس فجر بركانًا من السخط العابر للقارات، الذي لم يقتصر على الشعوب، بل امتد ليشمل أنظمةً وحكومات عدّة حول العالم. إذاً باتت شعوب العالم ترى في القذيفة الّتي تسقط في قطاع غزّة أو بيروت، وفي عنف المجتمع الاستعماري الصهيوني وتطرفه، تعدّياً مباشراً على إنسانيتها، وخطراً على السلام العالمي، نتيجة تهشّم السردية الصهيونية. تحلل هذه المقالة كيف تحوّل عنف الإمبريالية المتصاعد إلى وقود ثورة وعي عالمية، تعيد تعريف الصراع؛ لا بكونه صراعاً دينياً، كما تروج له الصهيونية، أو نزاعاً حدودياً، بل على اعتباره صراعاً بين منطق القوّة الغاشمة وإرادة الشعوب الحرّة. في خضم صراع الوجود هذا؛ يراهن التحالف الصهيوأميركي على عامل الوقت، وذاكرة الشعوب القصيرة أملاً أن يطوي النسيان صفحة جرائمه. لذلك فإن استدامة الزخم تفرض علينا تحويل المظلة الإنسانية إلى ثقافة عالمية عابرة للأجيال انطلاقاً من هذا المشهد؛ لم يعد التحول في المواقف مجرد سحابة صيف عابرة، أو كما يرغب بعضهم بتشويهها عبر تسميتها بـ "ترند عالمي"، بل هو انزياح ضرب أركان القناعات العالمية. فإذا نظرنا إلى كوريا الجنوبية؛ حليف الإمبريالية الأميركية والصهيونية الوثيق، نجد جيل الشباب الكوري، والعديد من المشاهير الكوريين قد استبدلوا صحوة الضمير الإنساني بالانبهار بالنموذج الأميركي والتقنيات الإسرائيلية، حتّى حدث غير المتوقع فعلاً في الآونة الأخيرة، حين أعاد رئيس كوريا الجنوبية نشر مقطع فيديو لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي وهم يرمون ثلاثة شبان تمت تصفيتهم من أعلى بناء، ودعا إلى المحاسبة، ووقف الانتهاكات كلّها في الضفّة الغربية، وقطاع غزّة. طرقَ التمرد الأخلاقي أبواب سيول قادماً من دول غربية عديدة كانت في ما سبق عصيةً على التغيير، فمن ميادين لندن، الّتي شهدت أكبر زحف بشري في تاريخها المعاصر، وساحات روما وأمستردام، وصولاً إلى إسبانيا الّتي توافق فيها الموقفان الشعبي والرسمي، واتخذت إجراءات فعلية داعمة للقضية الفلسطينية، وتحاول الخروج بالاتحاد الأوروبي من تحت المظلة والهيمنة الأميركية. كما تحوّلت جامعات الولايات المتّحدة إلى قلاع لمحاكمة السياسة الأميركية، كما واجه أكاديميون عدّة الفصل التعسفي، وخطر الترحيل. وعلى مستوى موازٍ؛ خاطر مشاهير أميركيون عديدون؛ ممثلون ورياضيون وإعلاميون، بالنبذ من أوساط عملهم في سبيل التمسك بمواقفهم الرافضة للسياسات الإمبريالية والصهيونية، ما انعكس على استطلاعات الرأي الأميركية، الّتي أظهرت أن أكثر من 60% من الأميركيين تحت سن الـ50 يحملون مشاعر سلبية تجاه إسرائيل. كما لا يمكن نسيان دول أميركا اللاتينية، الّتي تسابقت على قطع علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي، وطرد سفرائه. تحوّل العنف الإمبريالي الصهيوني إلى انتحار جيوسياسي يفتت ما تبقى من ادعاء تفوق الغرب الأخلاقي على وقع الرفض العالمي، ففي الميزان الاستراتيجي؛ كشفت حرب الإبادة ضدّ الفلسطينيين عن عجز بنيوي في نظرية الردع التقليدي، فرغم الهمجية والعنف والإبادة الممارسة كلّها لم ينجحوا في كسر إرادة الشعوب، بل وحدوا ساحات جبهات المقاومة على عكس ما كانوا يسعون إليه. حقيقة الأمر أنّ تمادي الولايات المتّحدة في استخدام القوّة الغاشمة، والانجرار إلى الحروب ليس مجرد خيار سياسي، بل انعكاس للكينزية العسكرية المتجذرة منذ أزمة الكساد الكبير. اليوم؛ ورغم امتلاك الولايات المتّحدة أكبر اقتصاد في العالم؛ نحو ربع الاقتصاد العالمي، إلّا أنّه يعاني من التضخم، والديون غير المسبوقة؛ الّتي وصلت إلى 34 ترليون دولار، لذلك تحتاج الولايات المتّحدة إلى دوامات العنف، من أجل إعادة تدوير رأس المال عبر مجمع التصنيع العسكري المتحكم بمفاصل الاقتصاد والسياسة والابتكار الأميركي. تجد واشنطن اليوم نفسها مضطرةً لضخ الحياة في شرايين اقتصادها عبر الحروب أداةً للتحفيز الاقتصادي، في محاولة للهروب إلى الأمام من شبح الركود وتفاقم العجز. لكن يقدم هذه النهج الأميركي هديةً ذهبيةً للقوى الدولية الصاعدة، وتحديداً الصين، لرسم ملامح نظام عالمي متعدد الأقطاب، أو عالمٍ لا قطبي، على أنقاض العدالة العوراء، وازدواج المعايير. كما تحول الرأي العام العالمي إلى فاعل يملك القدرة على تعطيل صفقات التسلّح، ويهدد بسقوط حكومات، وضاغطاً من أجل ملاحقة مجرمي الحرب وطنياً ودولياً، ما حوّل إسرائيل من الحليف المدلل إلى عبء ثقيل. إذ تردد صدى إبادة الفلسطينيين في العالم كلّه، معلناً أن الجغرافية الّتي أرادوها ممزقةً باتت اليوم توحد العالم ضدّ منطق الاستعلاء والعنجهية. إن الحفاظ على هذا المارد العالمي مستيقظاً يتطلّب الانتقال من ردة الفعل إلى الفعل نفسه، وصولاً إلى تكتيكات جديدة، من هتاف الساحات، إلى هندسة الضغوط، ومن التفاعل العاطفي اللحظي إلى الاستراتيجية المستمرة. لا تتزايد العنجهية الإمبريالية وحدها، بل باتت تتناسب طرداً مع غضب شعوب العالم، الذي يزداد كلما زادت الإمبريالية؛ وذراعها الصهيونية، من تماديها في خضم صراع الوجود هذا؛ يراهن التحالف الصهيوأميركي على عامل الوقت، وذاكرة الشعوب القصيرة أملاً أن يطوي النسيان صفحة جرائمه. لذلك فإن استدامة الزخم تفرض علينا تحويل المظلة الإنسانية إلى ثقافة عالمية عابرة للأجيال. يبدأ ذلك بكسر الوصاية الإعلامية الغربية، عبر صناعة سردية واحدة بمختلف لغات العالم، تخاطب العقل القانوني، والضمير الحقوقي، وقلوب الجماهير في سيول ونيويورك والعالم كلّه، مفادها أنّ التضامن مع فلسطين بوصلةٌ أخلاقيةٌ لكلّ حرٍ في هذا الكوكب. والأهم من ذلك؛ ضرب عصب الكينزية العسكرية في مقتل، عبر تحويل الرأي العام إلى سلاح اقتصادي وقانوني يجعل المقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية، والملاحقة القضائية عبئاً مالياً وسياسياً لا يمكن للحكومات والشركات الداعمة للكيان احتماله، أو على أقلّ تقدير يصبح عبئاً غير مرغوب به. إننا بصدد تحويل القضية الفلسطينية إلى قضيةٍ تقاطعية تلتقي بها نضالات شعوب العالم ضدّ العنصرية والفقر والعنجهية الإمبريالية الصهيونية، لنضمن أن يظلّ صوت العدالة والحق أعلى من هدير الطائرات، كما أن يكون الضمير العالمي القبضة الّتي تكسر قيد الاحتلال. حطمت الإبادة الجماعية ضدّ الفلسطينيين، والعدوان المستمر على لبنان وإيران صنماً لطالما عبده العالم، المركزية الغربية، والقيم الأخلاقية الغربية الّتي نصبت نفسها قاضياً على قيم الحق والباطل لعقود. اليوم يعلق نعي ذلك الزمن الذي كان فيه العالم ينتظر صكوك الغفران من واشنطن، وشهادات التحضر من أوروبا. لقد كسر العنف الأميركي الصهيوني احتكارهما الحقيقة تاريخياً، فالمواطن في جوهانسبرغ أو ساو باولو لم يعد بحاجة لعدسات الإعلام الغربي، الذي يعتم على الجريمة، بل بات ينظر إلى المأساة بعينيه المجردتين، وبعيون الشعوب المضطهدة متحرراً من الوصاية الفكرية، الّتي حاولت طويلاً تغليف القوّة الغاشمة بوعود الديمقراطية الزائفة. في نهاية المطاف؛ فإنّ معركة الوعي هي معركة النفس الطويل، والرهان اليوم ليس على ما تملكه واشنطن وتل أبيب من ترسانة، بل على ما تملكه الشعوب من إصرار. لا بدّ للعالم كلّه أن يستفيق على حقيقة أن أمنه مرتبط بإنصاف المظلومين، فالعدالة لا تُجزأ، فإما أن تشمل الجميع، أو تكون فوضى تبتلع الجميع تحت أنقاض نظام أرعن يسير بالبشرية نحو فنائها.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows