كيف أصبح عشاء مراسلي البيت الأبيض ساحة مواجهة مع ترامب؟
Arab
3 days ago
share
كان من المفترض أن تنتهي هذا العام سنوات مقاطعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعشاء "رابطة مراسلي البيت الأبيض" (White House Correspondents’ Association)، إذ اعتبرت مشاركته يوم 25 إبريل/نيسان هي الأولى بصفته رئيساً، في حدث يُعد تقليداً سنوياً للاحتفاء بحرية الصحافة في واشنطن. وسجّل ترامب وزوجته ميلانيا سابقة بعدم حضور العشاء منذ دخولهما البيت الأبيض عام 2017. إذ غابا عنه في 2018 و2019، فيما أوفد ترامب المتحدثة باسم البيت الأبيض آنذاك سارة هاكابي ساندرز لتمثيله عام 2018 والتي برّرت الغياب بصعوبة تجاهل التوتر القائم بين الإدارة والصحافة. قبل أن يُلغى الحدث عام 2020 بسبب جائحة كورونا، أما نسخة 2025، فقد كانت أول فرصة لترامب للعودة إلى الحدث بعد سنوات، لكنها تزامنت مع حضوره جنازة البابا، ما حال دون مشاركته. وبذلك، يُعد ترامب الرئيس الوحيد الذي لم يحضر هذا العشاء خلال فترة ولايته منذ انطلاقه عام 1921. باستثناء رونالد ريغان عام 1981، حين تعذّر عليه الحضور بسبب إصابته بعد محاولة لاغتياله. ورغم حضوره العشاء هذا العام، إلّا أن هناك من قاطعه هذه المرة. فقبل الساعة الثامنة مساءً ببضع دقائق، شوهد ترامب، كما تقول صحيفة "نيويورك تايمز"، وهو يطالع نسخة من الخطاب الذي كان يعتزم إلقاءه خلال الاحتفال، وهو الخطاب الذي وصفه لاحقاً في مؤتمره بالبيت الأبيض بأنه "الخطاب الأكثر خروجاً عن اللياقة على الإطلاق"، لكن بعد جلوسه بدقائق على المنصة لتناول العشاء، حاول رجل مسلح اختراق الحواجز الأمنية، ما دفع عناصر الخدمة السرية إلى التدخل سريعاً لحماية أعضاء الحكومة وتأمين إخراجهم. ورغم غيابه عن العشاء رئيساً، كان ترامب قد حضر سابقاً ضيفاً قبل دخوله السياسة، ويعتقد البعض أن تجربته أسهمت في نفوره من الحدث. ففي عام 2011، تعرّض لسخرية لاذعة من الرئيس آنذاك باراك أوباما، وكذلك من مقدّم الحفل، الكوميدي سيث مايرز. وجاء ذلك في وقت قاد ترامب، الذي كان آنذاك شخصيةً إعلامية، حملة التشكيك بمكان ولادة أوباما. وردّ الأخير بسلسلة نكات لاذعة، سخر فيها من هذه الادعاءات ومن شخصية ترامب التلفزيونية، ما ترك انطباعاً واضحاً على ردّات فعله التي التقطها كاميرات الحفل حينها. واستمر أوباما في توجيه انتقادات ساخرة لترامب في مناسبات لاحقة، حتى مع تحوّل الأخير إلى مرشح رئاسي فعلي. ومع وصوله إلى البيت الأبيض، بدأ ترامب بمقاطعة العشاء بشكل منتظم، مفضلاً إقامة تجمعات سياسية، وواصفاً الحدث بأنه "ممل" و"سلبي".  وشهدت التحضيرات لنسخة هذا العام تغييرات عدّة، إذ قررت الرابطة إلغاء فقرة الكوميديا بالكامل، التي كانت ستقدمها أمبر روفن، مبرّرة ذلك بالرغبة في التركيز على تكريم العمل الصحافي ومنح الدعم للجيل الجديد من الصحافيين، في ظل ما وصفته بـ"لحظة مفصلية" تمر بها المهنة، واستبدالها بخبير قراءة الأفكار ومؤدي فقرة الليلة، أوز بيرلمان. وتُعدّ تلك المرة الأولى التي يجري فيها التخلي عن العروض الكوميدية الارتجالية التي تُعتبر جزءاً ثابتاً من العشاء، باستثناء عام 1983 خلال عهد ريغان، حين أوضح أنه عاد في اليوم نفسه من مراسم استقبال جثامين أميركيين قُتلوا في تفجير السفارة الأميركية في لبنان، معتبراً أن اللحظة لا تحتمل المزاح. علاقة ترامب مع الصحافة عندما وصل دونالد ترامب إلى حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض مساء السبت، دخل قاعة ممتلئة بمئات الصحافيين الذين يعملون في صحف قضى الأسبوع بأكمله في مهاجمتها بعبارات شديدة القسوة، وكان السبب في ذلك حربه على إيران، وإحباطه من تغطية وسائل الإعلام لها. ففي يوم الاثنين الماضي، كتب ترامب على منصة "تروث سوشال" (Truth Social) أنه ينتصر في الحرب "بفارق كبير، ولكن لو قرأتم الأخبار الكاذبة، لظننتم أننا نحن من يخسر الحرب". ويوم الثلاثاء الماضي، كتب أن "صحيفة وول ستريت جورنال ضلت طريقها"، وأنها "أصبحت مجرد صحيفة صفراء سياسية فاشلة"، بينما كتب في منشور آخر عن صحيفة "واشنطن بوست"، أنها أصبحت الآن في "حكم المنتهية"، وذلك في منشور كتبه عن وسائل الإعلام الكاذبة المناهضة لأميركا، والتي اعتبر أنها "تشجع إيران وتتمنى لها الفوز". ووصف الرئيس الصحافيين الذين يقدمون التقارير عن الحرب بأنهم "يفتقرون إلى الوطنية"، أما صحيفة "نيويورك تايمز" وشبكة "سي أن أن"، فنالتا النصيب الأكبر من الهجوم، ووصفهما، هما والصحافة عموماً، بأنهم "إعلام الأوغاد الذي يريد لنا أن نخسر"، مهدداً بمقاضاتهما. وفي العام الماضي، قطعت إدارة ترامب وصول وكالة أسوشييتد برس بسبب رفضها استخدام تسمية "خليج أميركا" (Gulf of America) بدلاً من "خليج المكسيك" (Gulf of Mexico)، كما وصف مراسلة من "بلومبيرغ نيوز" بعبارات مهينة خلال نفس الفترة. وضغط ترامب على الكونغرس لسحب تمويل سبق إقراره لوسائل إعلام عامة مثل "إن بي آر" (NPR) و"بي بي إس" (PBS)، ودعا إلى سحب تراخيص بث من شبكات تلفزيونية لا يوافقها، وهدد بسجن صحافيين إذا لم يكشفوا مصادرهم بشأن تقارير عن الحرب في إيران، كما رفع دعاوى قضائية ضد "وول ستريت جورنال" و"بي بي سي". واتخذ بعض أعضاء إدارته خطوات أبعد، ففي يناير/كانون الثاني، داهم مكتب التحقيقات الفيدرالي منزل صحافية من "واشنطن بوست" في سابقة غير معهودة في التاريخ الحديث. وخلال هذا الأسبوع، رفع مدير المكتب كاش باتيل دعوى ضد مجلة "ذا أتلانتيك"، قبل أن تنشر "نيويورك تايمز" تقريراً يفيد بأن المكتب بدأ تحقيقاً مع صحافية بتهمة "الملاحقة" بعد نشرها مقالاً انتقدت فيه شريكته. كما صعّد وزير الدفاع بيت هيغسيث لهجته ضد الإعلام، واتهمهم بالوقوف ضد البلاد، في وقت قلّصت وزارته بشكل منهجي وصول مراسلي الدفاع إلى المعلومات، وسخرت من شبكات فقدت مساحات عملها. هذه التطورات دفعت منتقدين إلى التساؤل عن جدوى دعوة ترامب إلى مناسبة تُكرّس التعديل الأول في الدستور الأميركي، الذي يحظر على الحكومة تقييد حرية الصحافة. تخفيف التوتر لليلة واحدة دعت رسالة وقّعها أكثر من 250 شخصاً، بينهم صحافيون بارزون مثل دان راذر وسام دونالدسون، الرابطة إلى تضمين العشاء "دفاعاً قوياً عن حرية الصحافة وإدانة من يهدّدها". وترى كارولاين هندري، المديرة التنفيذية لـ"جمعية الصحافيين المحترفين" (Society of Professional Journalists)، أن ما يحدث في الولايات المتحدة "ليس مجرد احتكاك طبيعي بين الحكومة والصحافة، بل محاولة مستمرة للترهيب وتقويض الإعلام المستقل". في المقابل، ترى كيلي ماكبرايد، من "معهد بوينتر" (Poynter Institute)، أن المشكلة لا تقتصر على حضور ترامب فحسب، بل تمتد إلى فكرة العشاء نفسها، معتبرةً أن مثل هذه الفعاليات قد "تضعف ثقة الجمهور بوسائل الإعلام"، في وقت تشير فيه دراسات طويلة الأمد إلى تراجع هذه الثقة. من جهتها، أكدت رئيسة الرابطة ويجيا جيانغ أن العشاء يهدف أيضاً إلى تمويل جوائز التميز الصحافي ومنح دراسية للصحافيين المستقبليين، مضيفة قبل الحفل: "نحن سعداء بقبول الرئيس دعوتنا ونتطلع إلى استضافته". ويهدف العشاء، الذي يجمع صحافيي الشأن السياسي ومسؤولي البيت الأبيض، إلى الاحتفاء بالتعديل الأول في الدستور الأميركي، وتخفيف التوتر بين الإعلام والسلطة لليلة واحدة. لكن في المحصلة، يعكس هذا العشاء جدلاً أوسع حول العلاقة بين السلطة والإعلام في الولايات المتحدة، وحدود التوازن بين الحفاظ على تقاليد التواصل، والدفاع عن حرية الصحافة.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows