Arab
لا مؤشرات على أي هدوء بين "حركة فلسطين" وشرطة لندن (سكوتلانديارد) في بريطانيا، حيث بدأت الحركة استعداداتها لتنظيم مسيرة ذكرى النكبة الفلسطينية، رغم عدم موافقة الشرطة حتى الآن على خط سير المسيرة التي وصفتها الحركة بأنها ستكون "حاسمة" في تأكيد التضامن مع فلسطين ومعارضة اليمين المتطرف. وتصرّ شرطة لندن على عدم السماح بتنظيم المسيرة المقررة في 16 مايو/ أيار المقبل كما جرت العادة خلال العقود الماضية، فيما يستعد الطرفان لمعركة قادمة بثلاثة عناوين: مسيرة يوم نكبة فلسطين، واليمين المتطرف، وشوارع لندن.
كيف بدأ الخلاف؟
في 18 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تقدّم "ائتلاف فلسطين" بطلب إلى شرطة لندن لتنظيم مسيرته السنوية لإحياء الذكرى الـ78 لنكبة الشعب الفلسطيني. في طلبه حدد الائتلاف، المؤلف من ست منظمات كبرى، يوم 16 مايو/ أيار المقبل، موعداً للمسيرة وأوضح خط سيرها. وبحسب مصادر مطلعة على الاتصالات حينها، فإن الائتلاف الذي يتولى تنظيم المسيرات والتظاهرات المؤيدة لفلسطين منذ سنوات، فإن خط السير المقترح هو "اتباع مسار الجسرين، الذي يبدأ من إمبانكمنت، ويمر فوق جسر ويستمنستر، ثم العودة في الاتجاه العكسي عبر جسر ويستمنستر مرة أخرى، على أن تنتهي المسيرة في وايتهول"، حي الوزارات، على بعد أمتار من مقرّ البرلمان.
وقال مصدر في "حملة التضامن مع فلسطين"، التي تولت الاتصال بالشرطة لـ"العربي الجديد" إن قادة الشرطة "لم يُبدوا أي اعتراضات حينها". وأكد أنّ الشرطة "لم تُبلغنا بوجود مشكلة". غير أنه في يناير/ كانون الثاني الماضي، أبلغته شرطة لندن "بوجود مشكلة". ووفق المصدر ذاته، فإن ما قالته الشرطة جاء "عندما نشر تومي روبنسون (زعيم اليمين المتطرف في بريطانيا) على منصة إكس منشوراً يعلن فيه أنه سيشارك في مسيرة بوسط لندن".
وأشار مسؤول آخر في "حملة التضامن مع فلسطين"، كان على تواصل مباشر مع الشرطة، فضّل عدم الكشف عن هويته، إلى أنه "يبدو لنا أن الشرطة وافقت ضمنياً على وجوده (روبنسون) في ذلك الموقع بناء على منشوره". وفي منشوره قال، روبنسون، واسمه الحقيقي هو ستيفن ياكسلي-لينون، إنّ "لندن لنا في يوم 16 مايو". وأطلق على مسيرة اليمين المضادة اسم "ليتوحد الغرب".
وفي الأول من إبريل/ نيسان الجاري، دعا روبنسون الأوروبيين إلى "التدفق" على لندن للمشاركة في مسيرته. وقال في فيديو، بُث على "يوتيوب" من الولايات المتحدة، إنّ الهدف هو "توحيد المملكة المتحدة، وتوحيد الغرب" من أجل "التعبير عن معارضتنا لاستبدال شعوبنا، وتدمير ثقافاتنا، وتدمير أممنا"، على حدّ زعمه. وكغيره من قادة تياره، يشير روبنسون إلى ما يراه خصوم اليمين "عداء للمهاجرين" ومزاعم تُروج عن حدوث تغيير ثقافي بسبب وجود هؤلاء المهاجرين في بريطانيا والغرب.
وأضاف مسؤول "حملة التضامن مع فلسطين" "لا يبدو أنه (روبنسون) قدم أي طلب رسمي لهم". ولذا، فهم الائتلاف أن الشرطة أرادت "ببساطة أن تخبرنا بأنه لا يمكننا اتباع هذا المسار لوجوده هناك".
ماذا كانت ردة فعل ائتلاف فلسطين؟
دأب أنصار الائتلاف، وهو جزء من "حركة فلسطين" الأوسع المنضوية تحتها عشرات المنظمات والجمعيات المهنية والنقابية والحقوقية والإنسانية المختلفة، على تنظيم مسيرة النكبة الفلسطينية لعقود. ويؤكد القائمون على الائتلاف أنّ مسيرة هذا العام تتسم بخصوصية في ظل الحروب الإسرائيلية، بدعم أميركا وبريطانيا، على فلسطين وإيران ولبنان.
رفض الائتلاف، المكون من "حملة التضامن مع فلسطين" و"الرابطة الإسلامية في بريطانيا"، و"حملة نزع السلاح النووي"، و"ائتلاف أوقفوا الحرب" في لندن، و"المنتدى الفلسطيني في بريطانيا"، و"أصدقاء المسجد الأقصى" موقف الشرطة، واعتبره "محاباة لليمين المتطرف على حساب فلسطين"، وأيّده 31 نائباً برلمانياً من مختلف الأحزاب. وتشير إحدى حجج أنصار فلسطين إلى سوابق اليمين المتطرف الذي يقولون إنه لم يستهدف الحركة الفلسطينية فقط، بل الشرطة أيضاً "بالعنف اللفظي والمادي". وهذا ما برر وصف "حركة فلسطين" قرار الشرطة بأنه "مروع" و "مخز" لأنه "يفضّل اليمين المتطرف".
كيف تبرر الشرطة موقفها غير المسبوق؟
في حملتها الإعلامية، تنفي الشرطة أي أبعاد سياسية وراء رفضها طلب تنظيم مسيرة النكبة. وتقول إنّ مثل هذه القرارات تتعلّق "بتأمين الاحتجاجات" وتستند إلى "ضمان سلامة سكان لندن وأمنهم من خلال منع حدوث اضطرابات خطيرة". ورداً على تساؤلات "العربي الجديد"، أشار جهاز الشرطة إلى أنّ "حجم الاحتجاج المتوقع (هو) العامل الأهم" من بين العوامل التي تأخذها في الاعتبار عند تحديد المسارات والمواقع المناسبة. وأضاف متحدث باسم الجهاز أنّ الجهاز يتوقع أن "تجذب مسيرة "ليتوحد الغرب" حشوداً غفيرة، وأن هذا التوقع يستند إلى "عدد الحضور في الفعالية الأخيرة التي نظمتها المجموعة نفسها". وبحسب التقديرات فإن عدد المشاركين في تلك الفعالية، التي نظمت في سبتمبر/ أيلول 2025 بلغ 100 ألف شخص. وأصيب خلالها 26 عنصراً بسبب اشتباكات أنصار اليمين مع الشرطة.
ومضى المتحدث في تبرير قرار منح وسط لندن لأنصار اليمين المتطرف قائلاً "لا يوجد سوى عدد محدود من الطرق في وسط لندن التي يمكن استخدامها بأمان لاستيعاب مثل هذا الحشد". ووصف منطقة وايتهول بأنها "الأنسب". لم تغلق الشرطة الباب أمام التفاوض لكنها تصرّ على أن يأخذ شكل إحياء ذكرى النكبة شكل "تجمع" وليس مسيرة. وبينما أقرّ المتحدث باسم الشرطة أنّ القرار "مُحبط" لأنصار فلسطين، أبدى استعداداً في الوقت عينه "لمناقشة بديل يمكن المشاركين من التجمع في موقع مناسب لقضيتهم والاتفاق عليه".
ماذا عن طلب اليمين تنظيم مسيرته؟
لم تؤكد الشرطة وجود اتصالات مباشرة مع روبنسون، غير أنها تقول إنه من "الخطأ" أن يفترض أنصار فلسطين وجود "أي تواصل مع جماعات احتجاجية أخرى". وقال المتحدث باسم الشرطة إن المناقشات مع الجماعات الأخرى "كانت جارية منذ أكتوبر/ تشرين الأول" الماضي. ومع هذا، فإنّ الشرطة "لا تعتمد مبدأ الأسبقية" في تقديم طلبات التظاهر، وتؤكد صراحة أن توقيت أول اتصال بها بشأن طلب تنظيم مسيرة أو تظاهرة "ليس عاملاً مهماً" في عملية اتخاذ القرار، وفق المتحدث.
وفي إشارة إلى أنه لم يعد لأنصار فلسطين بعد الآن الحق في تنظيم مسيرتهم السنوية في الشوارع التي يحددونها، تقول الشرطة إنه "لا يمكنها، تخصيص أو حجز أجزاء من وسط لندن لأي منظمة أو قضية". وأكدت بوضوح أنه "لا يمكن لأي جماعة احتجاجية أن تتوقع حق الوصول الحصري إلى مناطق معينة من المدينة، ولا توجد جماعة لها حق أكبر من غيرها في موقع محدد". وقالت "دورنا هو إدارة الحقوق المتنافسة بشكل آمن وعادل وقانوني". وفي محاولة لإثبات ذلك، قالت إن المشاركين في مسيرة "ليتوحد الغرب" سيُطلب منهم "التجمع واتباع مسار مختلف عن المسار الذي اقترحه المنظمون في البداية".
كيف يتفاعل معارضو اليمين مع الخلاف؟
منذ أعلنت الشرطة قرارها، لم تتوقف التحذيرات لمؤسسات الدولة عن اللعب بنار اليمين المتطرف لمقاومة حركة فلسطين. لم يترك معارضو اليمين والفاشية في بريطانيا مناسبة إلا واستغلوها في التنبيه إلى خطورة حملة روبنسون وأقرانه. وحذروا البريطانيين مما قاله داني تومي، الذراع اليمنى لروبنسون في فيديو بثه على "يوتيوب"، أوائل الشهر الجاري. قال داني: "لسنا قادمين إلى لندن للتلويح بالأعلام. نحن قادمون للدفاع عن بلدنا، وأطفالنا، وعائلاتنا، وتراثنا. إننا نعرف ما ينبغي فعله. يجب ألا يخطيء أحد: في يوم 16 مايو الأمور تتغير". ولذا، فإن منظمات مثل "كاونترفاير"، المناهضة للفاشية والرأسمالية، شجعت تحالف حركة فلسطين مع مناهضي الفاشية في تنظيم مسيرة يوم النكبة لحشد أكبر عدد من البريطانيين للحضور. ورفضت قرار الشرطة باعتباره "استراتيجية متعمّدة من جانب الدولة لاستخدام الفاشيين لمحاولة تحطيم حركة فلسطين".
وانضم "ائتلاف أوقفوا الحرب" إلى مساعي إفشال المحاولة. ولما وصف جون ريس، المنسق الوطني للائتلاف وأحد مؤسسي "كاونترفاير" قرار الشرطة بأنه "عون من الدولة للفاشيين"، ردّ عليه روبنسون قائلاً "هذا صحيح.. لندن لنا في يوم 16 مايو".
ما هو دور عمدة لندن؟
العمدة هو حاكم المدينة المنتخب بشكل مباشر، وهو المسؤول عن وضع الرؤية الاستراتيجية للمدينة، ويتحكم في الخدمات الرئيسية بما في ذلك النقل والشرطة (ممثلة في شرطة لندن)، والإسكان. من بين وظائف العمدة الإشراف على عمل شرطة العاصمة، ومحاسبة قياداتها على عملهم. ولهذا، طلب ائتلاف فلسطين من العمدة صادق خان التدخل لمطالبة الشرطة بالعدول عن قرارها بشأن مسيرة يوم النكبة.
ودعت منسقة "ائتلاف أوقفوا الحرب" في لندن، ليندسي جيرمان، خان إلى تحمّل مسؤولياته "عن ضمان أمن المجتمع في العاصمة". وحذرت، في تصريح لـ"العربي الجديد" من "خطورة السماح لليمين المتطرف بتنظيم مسيرة كراهية" في وسط لندن ورفض طلب أنصار فلسطين تنظيم مسيرتهم السنوية في يوم النكبة. وقالت إن تدخل خان هو من صميم عمله عمدة للندن.
غير أن العمدة لم يبد، حتى الآن، أي استعداد للتدخل في قرار الشرطة الذي اعتبر "عملياتياً". ورأى أن "القرارات تتخذ لتحقيق التوازن بين الحقوق والحريات والسلامة". وأشار إلى أن موقفه واضح وهو أن شرطة لندن "ينبغي أن تفعل هذا دون خوف أو محاباة". وتفادى العمدة إبداء رأيه في قرار الشرطة بشأن مسيرة يوم نكبة فلسطين ومسيرة اليمين المتطرف.
ما هو الموقف بشأن مسيرة النكبة الآن؟
بينما تتمسك الشرطة بقرارها، والعمدة بموقفه، وأنصار فلسطين بحقهم في تنظيم المسيرة، تثار مخاوف من أن الأمور تسير باتجاه تكرار سيناريو أزمة مسيرة يناير 2025. حينها حدث خلاف بين الشرطة وائتلاف فلسطين بشأن مسيرة وطنية دعا إليها للتنديد بالإبادة الجماعية في غزة، وطلب المنظمون، ورفضت الشرطة، أن تمر المسيرة من أمام مقر هيئة البث البريطانية "بي بي سي" للاحتجاج على تغطيتها للحرب على غزة وما اعتبره المتظاهرون انحيازها لإسرائيل. وانتهت الأزمة بأن قُدّم اثنان من قادة الائتلاف، هما بن جمال وكريس نانيهام، لمحاكمة جنائية أدانتهما بخرق شروط التظاهر والتحريض على خرقها. وقررا استئناف الحكم.
وحذر عضو البرلمان عن حزب العمال الحاكم، جون ماكدونال، من تكرار الأزمة، بينما لم يتبق سوى أقل من ثلاثة أسابيع على موعد المسيرة التي لا يزال أنصار فلسطين يحشدون لها. وفي محاولة للضغط الشعبي، وقّع العشرات من النواب والمنظمات المهنية والنقابية والحقوقية والخيرية والشخصيات العامة على خطاب إلى الشرطة طالبوها من خلاله بـ"التراجع الفوري" عن قرارها "المخزي". ودعت "حملة التضامن مع فلسطين" و"ائتلاف أوقفوا الحرب" البريطانيين إلى إرسال احتجاجات إلى نوابهم في البرلمان، والشرطة، وعمدة لندن. وأصرّوا على دعوة "كل ذي ضمير حيّ للانضمام" إلى مسيرة يوم النكبة من أجل فلسطين في 16 مايو.

Related News
مورينيو ينفي أي تواصل مع ريال مدريد
aawsat
5 minutes ago
غوارديولا مازحاً: مواجهة سان جيرمان - بايرن كانت «رديئة»
aawsat
10 minutes ago
عندما يصير اللجوء تهمة
alaraby ALjadeed
17 minutes ago
ما قيمة الحدس في معرفة الحقيقة؟
alaraby ALjadeed
17 minutes ago