"يمين متطرّف" سوري؟
Arab
4 days ago
share
في الأدبيات السياسية، يُعرَّف اليمين المتطرّف بأنه تيار يقوم على تقديس الهُويّة الوطنية بشكل مُغلق، واعتبارها حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش أو النقد. تتجلّى هذه الأيديولوجيا في الولاء المطلق للرموز الوطنية (علم ونشيد ورموز أخرى منها شخصية الزعيم)، وفي رفض الاختلاف، سياسياً كان أو دينياً أو ثقافياً. وغالباً ما يترافق هذا مع نزعات سلطوية، تصل أحياناً إلى ممارسات فاشية، مثل قمع المعارضين، أو تبرير العنف ضدّهم، أو شيطنة كلّ صوت ناقد بوصفه "خيانة" أو "تهديداً للوطن". ولا يقتصر هذا النمط على الغرب أو تجارب تاريخية بعينها، إنّما يظهر في سياقات مختلفة، ومنها السياق السوري المعاصر. يثير غياب موقف واضح للحكومة تساؤلات مشروعة، إذ لم يصدر تعليق رسمي يرفض خطاب الإقصاء في الآونة الماضية، برزت مؤشّرات مقلقة في سلوكيات بعض المؤيّدين للسلطة الجديدة في سورية، توحي بملامح ما يمكن تسميته "يمين متطرّف سوري". وعلى الرغم من أنّ كثيراً من هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن نزعات إقصائية ذات طابع مذهبي، فإنّ كاتب هذه السطور يفضّل استخدام هذا المصطلح المذكور تحديداً، تجنّباً للوقوع في توصيفات طائفية تختزل الظاهرة أو تعيد إنتاجها. فالمقصود هنا ليس إنكار البعد الهُويّاتي لهذه السلوكيات، بل نقل النقاش إلى مستوى أوسع، يركّز على طبيعتها بوصفها آلية إقصاء واحتكار لتعريف الوطنية، بصرف النظر عن الغطاء الديني أو المذهبي الذي تُقدَّم من خلاله. ما يلفت النظر ليس وجود تظاهرات مضادّة فقط، بل طبيعة الخطاب والممارسة، إذ بدا في بعض الحالات أنّ الاعتراض على مطالب اجتماعية يُقابل بالتشكيك في انتماء أصحابها، أو بمحاولة تصنيفهم وفق خلفياتهم الدينية أو المناطقية أو السياسية. يعكس هذا السلوك جوهر التفكير اليميني المتطرّف: تحويل الاختلاف السياسي إلى تهديد وجودي، وربط "الوطنية" بمعايير ضيقة تستبعد الآخرين. الأخطر من ذلك هو تبرير العنف اللفظي أو الجسدي ضدّ المتظاهرين، أو اعتبار قمعهم دفاعاً مشروعاً عن الدولة. في التظاهرة التي شهدتها ساحة يوسف العظمة في دمشق (17 إبريل/ نيسان الجاري)، خرج متظاهرون بمطالب معيشية وسياسية تحت شعارات مثل "قانون وكرامة"، مطالبين بالعدالة وتحسين الأوضاع الاقتصادية. إلا أنّ الحدث لم يمر من دون توتّر، فسُجّلت صدامات بين متظاهرين ومجموعات مؤيّدة للسلطة، وسط حالة استقطاب حادّة. غير أنّ اللافت لم يكن مجرّد وقوع الاحتكاك، بل طبيعة السلوك الذي رافقه؛ إذ تحوّل الخلاف حول مطالب اجتماعية إلى عملية فرز حادّة على أساس الهُويّة، إذ طُرحت أسئلة تتعلّق بانتماءات المتظاهرين الدينية أو المناطقية، أو حتى السياسية، وكأنّ شرعية المطالب تُقاس بهُويّة أصحابها أو بدينهم، لا بمضمونها. بموازاة هذا، برز خطاب يرفض أي نقد للحكومة بشكل مطلق، ويعامل الاحتجاج بوصفه تعدّياً على الدولة لا حقّاً من حقوق المواطنين، مع ميل واضح إلى تخوين المعترضين أو تصويرهم خطراً داخلياً. تعكس هذه الممارسات، بما تحمله من نزعة إقصائية عنصرية ورفض للاختلاف، بوضوح المنطقَ الذي يقوم عليه ما يمكن تسميته اليمين المتطرّف: اختزال المجال العام في صوت واحد، وتجريد أي معارضة من شرعيّتها، تمهيداً لتبرير إقصائها. تبدو هذه السلوكيات أكثر وضوحاً في أوساط شريحة من مؤيّدي السلطة، إذ يختلط الولاء السياسي بخطاب ديني يُستخدم أحياناً أداة تبرير شاملة. لا يعني هذا اختزال هذه الشريحة في بُعد ديني أو طائفي. إنّه توصيف نمط من التفكير يُضفي قداسة على الموقف السياسي، ويحوّل السلطة إلى ما يشبه المرجعية التي لا تُخطئ. في هذا السياق، يصبح الدين وسيلة لإضفاء الشرعية على كلّ ممارسة، من رفض الاحتجاجات إلى تبرير العنف ضدّها، وهو ما يعزّز فكرة استخدام مصطلح "يمين متطرّف سوري" بوصفه توصيفاً سياسياً يتجاوز الانقسامات الطائفية، ويشمل كلَّ مَن يوظّف الهُويّة (الدينية وغيرها) لإقصاء الآخرين ونزع الشرعية عنهم. في المقابل، يثير غياب موقف واضح للحكومة تساؤلات مشروعة، إذ لم يصدر تعليق رسمي يرفض خطاب الإقصاء أو يذكّر بأنّ الدولة، في جوهرها، يفترض أن تكون ممثّلة لجميع السوريين، بغضّ النظر عن مناطقهم أو انتماءاتهم. يترك هذا الصمت، مقصوداً كان أو ناتجاً من حسابات سياسية، المجالَ مفتوحاً أمام تصاعد هذه الممارسات، ويعطي انطباعاً ضمنياً بالتسامح معها. والحال أنّ أي سلطة تسعى إلى ترسيخ الاستقرار الحقيقي لا بدّ أن تؤكّد، قولاً وفعلاً، أنّها تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، وأنّها تضمن حقّهم في التعبير والاختلاف من دون خوف أو تخوين. يشير مصطلح "يمين متطرّف سوري" إلى نمط من التفكير والسلوك، يتغذّى من الخوف ومن إرث الصراع يبقى التذكير بأنّ استخدام مصطلح "يمين متطرّف سوري" لا يعني بالضرورة وجود حركة منظّمة تحمل هذا الاسم، إنّما يشير إلى نمط من التفكير والسلوك آخذ في التشكّل، وهو نمط قد يتغذّى من الخوف، ومن إرث الصراع الطويل، ومن الرغبة في الاستقرار بأي ثمن، لكنّ الخطورة تكمن في أنّ هذا المسار، إذا استمرّ، قد يُعيد إنتاج آليات القمع نفسها التي عاناها السوريون سابقاً، وإن بأشكال وشعارات مختلفة. وليس في وجود تيّارات سياسية محافظة، أو حتى يمينية، بحدّ ذاته ما يدعو إلى القلق، بل إنّ وجودها ضمن إطار مدني وسياسي طبيعي يُعدّ جزءاً من أي حياة سياسية صحّية، شريطة أن تلتزم قواعد التعدّدية، وتقبل الاختلاف، وتحتكم إلى القانون لا إلى الإقصاء. وفي الحالة السورية، تزداد خطورة هذا النمط حين يتغذّى من خطاب ديني أغلبي يُقدَّم بوصفه معياراً وحيداً للانتماء والشرعية، ما يدفع باتجاه إقصاء بقية التنوّعات السورية الدينية والثقافية والمناطقية. لا يمكن بناء دولة مستقرّة على أساس إقصاء جزء من مواطنيها. الوطنية الحقيقية تُقاس بقدرتها على استيعاب الاختلاف، لا بسحقه.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows