Arab
في مناسبات عديدة، كانت أطرافٌ عراقية كثيراً ما تحتجّ بطبيعة العلاقة الخاصّة بين العراق وإيران قياساً إلى العلاقة مع أميركا مثلاً، بأنّ إيران تبقى قدراً جغرافياً وجاراً لا يمكن إنكار وجوده، بينما أميركا هي التي جاءت من وراء البحار إلى المنطقة، وأنّها حتماً زائلة. تبدو وجهة النظر هذه وجيهةً، ولكن متبنّيها أنفسهم يغفلون عن تطبيقها على الجوار العربي للعراق. فلطالما ساد التوتّر والاضطراب علاقات العراق مع جواره العربي، ويتحرّج كثيرون من تحديد أسباب هذا الاضطراب. وتصرّح الفصائل والتيارات السياسية المقرّبة من إيران بالأسباب علناً وبشكلٍ فاقع أحياناً، بأنّها أسباب طائفية؛ فهذا جوار عربي "سنّي" معادٍ للشيعة في العراق، بزعمهم.
الحقيقة أنّ صورة اضطراب العلاقة وارتباكها أوسع، والمنظور المليشياوي يخطئ في تحديد الأسباب؛ فليست المسألة محصورةً في السنّة أو الشيعة، وإنّما تبدأ المشكلة من افتراق المسار التاريخي الخاصّ بالعراق عن مسارات دول الخليج والأردن، مع انقلاب تموز 1958. فقبل هذا، كان العراق الملكي منسجماً مع الرؤية العامّة التي تتحرّك وفقاً لها منظومة هذه الدول. فقد انضوى العراق، في تلك المرحلة، بحسب المؤرّخة الأميركية فيبي مار، في كتابها "تاريخ العراق المعاصر 1921 - 2003"، "ضمن منظومة إقليمية محافظة، تتوحّد مصالحها مع الأنظمة الملكية في المنطقة، وتستند في وجودها إلى تحالفات متينة مع المنظومة الغربية".
كانت هذه الرؤية ترتكز على التحديث البطيء والحذر، من دون هزّات اجتماعية ولا انعطافات مفاجئة صاخبة، وبمصالحة توفيقية بين عناصر ثقافية واجتماعية محلّية ومعطيات الحداثة الوافدة. وكانت الأُسر الحاكمة، مع الحلقة الضيّقة من النُّخب الثقافية والاجتماعية المحيطة بها، تتقدّم بخطوات على الوعي الاجتماعي العام المحافظ بطبيعته، فتسحبه معها بهدوء من دون أن تصطدم به.
تقاطعت هذه الرؤية بشكل حادّ مع الرؤية الثورية للضبّاط الذين قاموا بانقلاب 1958 واعتمدوا نمطاً من التحديث العشوائي والراديكالي استمرّ مع كلّ انقلاب لاحق، عبر اجتهادات كان يقوم بها الزعماء والقادة من دون نظر كافٍ إلى الحاضنة الاجتماعية. والأهم، في ما يتصل بفكرتنا هنا، هو اتخاذ موقف سلبي من دول الخليج والأردن وسائر النظم الملكية العربية، واتهامها بـ"الرجعية" والتخلّف، لأنّها لا تقفز قفزات متسارعة مثل الدول الثورية العربية، حتى لو أدّت هذه القفزات إلى سحق مراحل نمو ضرورية في الطريق.
ولافتٌ أن النظام الثوري العراقي، الذي تخلّص من الخبراء الأميركيين والبريطانيين بعد قرار تأميم النفط عام 1971 بدعوى أنّهم أدوات استعمارية، ظلّ يعتمد على خبراء أجانب، لكن من السوفييت، حتى عشية حرب 2003، حين غادر نحو 600 خبير روسي من حقول النفط ومحطّات الطاقة العراقية قبيل اندلاع الحرب بأيام.
وظل نظام صدّام حسين، بعد انسحابه من الكويت في 1991، يشنّع على دول الخليج، ويشجّع على تأليف الأغاني التي تهاجمها، ويُسمّي السعودية، مثلاً، في نشرات الأخبار "أرض نجد والحجاز"، ويعيد إنتاج ثنائيات "البدو" مقابل "أرض الحضارات" (العراق)، في وقت كان العراق يغرق أكثر فأكثر في منفى زمني توقّف فيه كلّ شيء عند عقد الثمانينيّات، بينما كانت دول الخليج، مثل بقية دول العالم، تخطو لاستقبال الألفية الجديدة.
ورث نظام ما بعد 2003 ارتيابات نظام صدّام حسين، ثم أضاف إليها عناصر من المواجهات الطائفية التاريخية، وظلّت العلاقات بين العراق وجواره العربي تتأرجح بين مدّ وج جزر. أمّا جذر المشكلة فلم يُمسّ بعد؛ وهو بقاء الحسّ الثوري الانقلابي، الانفعالي والخيالي، فاعلاً في الثقافة السياسية والاجتماعية العراقية. وقد ثبت أنّ هذا الحس لم يؤدِّ إلى نتائج جيّدة، لكن أحداً لا يريد الانتباه إلى ذلك، حتى مع وضوح الفارق التنموي الكبير بين العراق ودولة بلا موارد ولا مياه شرب منتظمة مثل الأردن.
ستبقى إيران جاراً للعراق، ولن يستقرّ هذا الأخير من دون علاقة طبيعية، إيجابية ومنتجة معها. لكنّ الأمر نفسه ينطبق على علاقاته مع تركيا والجوار العربي. والأصل في تطوير هذه العلاقات هو البناء على المصالح الوطنية وعمل المؤسّسات، بعيداً من مغامرات الثوريين الذين ما زالوا جياعاً لمواجهات لا تراعي سوى مصالح أقلّية صغيرة تريد أن تبني مشاريعها على تخريب العراق والمنطقة.

Related News
تأييد أميركي للزيدي يربك حسابات بغداد
aawsat
1 minute ago
إيران: هل دقت ساعة كسر الجمود؟
france24
9 minutes ago