Arab
تكشف تغطية الحروب ما لا تقوله البيانات العسكرية وحدها، فوسائل الإعلام لا تنقل الوقائع فقط، إنّما ترتبها داخل سردية تحدد معنى التهديد، وصورة الإنجاز، وحدود ما يظهر في المجال العام. في الحالة الإسرائيلية؛ يؤدي الإعلام دورًا مباشرًا في مرافقة الحرب وصياغة روايتها، بما يجعله جزءاً من الحرب لا مجرد ناقل لها، ظهر ذلك بوضوح في الحرب على إيران عام 2026، حين دخلت الاستوديوهات الإخبارية حالة تأهب موازية للاستعداد العسكري.
بسبب ذلك، تكتسب قراءة التغطية الإسرائيلية لهذه الحرب أهمّيةً خاصّةً؛ كونها تكشف كيف عرضت إسرائيل الحرب على جمهورها؟ وكيف فسرت أهدافها وبررت مسارها وروجت نتائجها؟ فرغم تنوع المنصات الإعلامية، أظهرت المنابر المركزية أنماطاً متكررةً أسهمت في بناء تصورٍ عامٍ للحرب، يمكن تلخيصه في خمس ركائز رئيسية هي:
أولاً: حرب واحدة على جبهات متعددة
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عمل بنيامين نتنياهو على تأطير ما يجري بوصفه حرباً متعددة الجبهات، وكرر أن إسرائيل تخوض حرباً وجوديةً على سبع جبهات، ثمّ تلقف الإعلام الإسرائيلي هذا الإطار ووسعه في تغطيته. لذلك، حين أُعلن وقف إطلاق النار مع إيران في الثامن من إبريل/نيسان 2026 لم يُقدَّم بوصفه نهاية الحرب؛ لأن نتنياهو شدد في كلمةٍ متلفزة على أن لإسرائيل أهدافاً أخرى، وأن وقف النار لا ينهي المعركة. ضمن هذا التصور، تعامل الإعلام الإسرائيلي مع الحرب على إيران باعتبارها حلقةً في صراع إقليمي مفتوح تقف فيه إيران في مركز التهديد، لا مواجهةً مستقلةً بحدودٍ زمنية واضحة. منح هذا التأطير الحرب معنى يتجاوز بعدها العسكري المباشر، ورسخ في وعي الجمهور الإسرائيلي أن التهدئة على جبهةٍ واحدة لا تعني انتهاء الحرب، إنّما انتقالها إلى مرحلة جديدة، أو ساحة أخرى.
اتجه جزءٌ معتبرٌ من الإعلام الإسرائيلي إلى تقديم نتائج الحرب على إيران بلغةٍ إنجازية مرتفعة، تجاوزت وصف الوقائع إلى صورة نصر. ظهر ذلك في عناوين وتحليلات تحدثت عن واقع جديد، وشراكة غير مسبوقة مع الولايات المتّحدة
ثانياً: تعزيز صورة الإجماع على قرار الحرب
صاغ الإعلام الإسرائيلي صورة الإجماع من خلال تغطيةٍ تعبويّة محكمة، اعتمدت لغة التهديد الوجودي، ورفعت حضور المعلقين العسكريين والخبراء الأمنيين، وكررت الرواية الرسمية، ثمّ أبرزت مواقف قادة المعارضة الذين أعلنوا تأييدهم الحرب منذ بدايتها. بهذا الأسلوب، لم يكتفِ الإعلام بعكس مستوى التأييد القائم، إنّما أعاد تنظيمه في صورة تماسك وطني شاملٍ، حتّى بدا أن الحرب تحظى بإجماع يضمّ مؤيدي نتنياهو وخصومه معًا.
ضيّق هذا النمط من التغطية مساحة الاعتراض، ودفع النقاش بعيدًا عن سؤال شرعية الحرب، نحو أسئلة الإدارة والتوقيت والأدوات. كما أنتج صورة إجماع مؤقتة ومضللة؛ لأنّه حجب العوامل الّتي أسهمت في تكوين هذا التوافق، ومنها الخوف المتراكم من إيران في الخيال الإسرائيلي، والدعم الأميركي المباشر، وحسابات الانتخابات الّتي أُرجئت عمليًا إلى ما بعد القتال.
لم يأت هذا الأسلوب من فراغ، إذ وجد أرضيةً مساندةً في استطلاعات رأي ارتفعت في الأسابيع الأولى ثمّ بدأت تتراجع تدريجياً. وهو ما أتاح للإعلام أن يقدمها بوصفها خياراً وطنياً يحظى بشرعية واسعة. فبينما بيّن استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في 12 مارس/آذار 2026 أن 92.5% من اليهود الإسرائيليين أيدوا العملية بعد 12 يوماً من بدئها، أظهرت نتائج أولية لاحقة نشرها المعهد نفسه في أواخر مارس أن 78% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون استمرار الحرب.
ثالثاً، التحكم بتدفق المعلومات
برز التحكم بتدفق المعلومات سمةً مركزيةً في التغطية الإعلامية الإسرائيلية للحرب على إيران، إذ لم يقتصر الأمر على حجب بعض التفاصيل، إنّما امتد إلى إعادة تحديد ما يجوز للجمهور أن يعرفه أصلًا. وقد لفت الصحفي "رفيف دروكر"، عبر القناة 13، النظر إلى هذا التحول، حين تساءل عن غياب نشر مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية، وعدم عرض مشاهد اعتراضها كما في الجولات السابقة، إلى جانب اختفاء الأرقام الدقيقة المتعلقة بعدد الصواريخ في كل رشقةٍ ومكان سقوطها.
كما عزز تقرير مجلة +972 هذا التوصيف، إذ أشار إلى أنّ الرقابة العسكرية ألزمت وسائل الإعلام في الخامس من مارس 2026 بعرض طيف واسع من المواد قبل النشر، يشمل المعلومات العملياتية، والتقديرات الاستخباراتية، ومستوى الجاهزية الدفاعية، ومواقع الضربات وسقوط الصواريخ، كما منعت تصوير الأضرار بما قد يكشف المواقع الدقيقة، وفرضت قيوداً على البث المباشر خلال الإنذارات، وعلى تصوير اعتراض الصواريخ أو فشلها.
ومن زاويةٍ أكثر حدّة، رأى جدعون ليفي في هآرتس أن المشكلة تجاوزت الرقابة العسكرية الرسمية إلى الرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية نفسها، فيما أشار نيتسان شابيرا من القناة 12 إلى أن الرقابة منعت نشر معلوماتٍ عن احتمال تصعيد من حزب الله، قبل أن تنشرها لاحقاً CNN، وهو ما يكشف أن إدارة المعلومات في هذه الحرب لم تضبط النشر فقط، إنّما أعادت بناء المجال المعرفي كله داخل إسرائيل.
تعامل الإعلام الإسرائيلي مع الحرب على إيران باعتبارها حلقةً في صراع إقليمي مفتوح تقف فيه إيران في مركز التهديد، لا مواجهةً مستقلةً بحدودٍ زمنية واضحة. منح هذا التأطير الحرب معنى يتجاوز بعدها العسكري المباشر
رابعاً: تضخيم الإنجازات والتعاون الأميركي
اتجه جزءٌ معتبرٌ من الإعلام الإسرائيلي إلى تقديم نتائج الحرب على إيران بلغةٍ إنجازية مرتفعة، تجاوزت وصف الوقائع إلى صورة نصر. ظهر ذلك في عناوين وتحليلات تحدثت عن واقع جديد، وشراكة غير مسبوقة مع الولايات المتّحدة، وزعزعة النظام الإيراني.
في السياق، قدمت وسائل إعلام إسرائيلية الحرب بوصفها لحظةً أضعفت أشرس أعداء إسرائيل، إذ أُلقيت 18 ألف قنبلة على إيران خلال أكثر من خمسة أسابيع من الحرب، ثمّ عددت من بين نتائجها تدمير جل منصات الإطلاق الإيرانية، وخفض وتيرة الصواريخ، وتحقيق تفوق جوي سريع، وقتل عدد كبير من كبار القادة الإيرانيين.
لكن؛ أخفى هذا الخطاب حدود الإنجاز نفسه، إذ أقرت في الوقت نفسه وسائل إعلام إسرائيلية أخرى باحتفاظ إيران بقدرتها على مواصلة إطلاق الصواريخ، وفرض تهديد فعلي للملاحة في مضيق هرمز. كما أعاد خطاب الإنجاز التاريخي إنتاج نفسه بعد أشهر قليلة فقط من الحرب السابقة مع إيران في يونيو/حزيران 2025، حين تحدث نتنياهو أيضاً عن إزالة تهديدين وجوديين وتحقيق نصر تاريخي.
خامساً: استعراض البدائل الّتي تخدم إسرائيل
لم يتوقف الإعلام الإسرائيلي عند تغطية الحرب، إنّما قدّمها بوصفها فرصةً لإعادة ترتيب الإقليم بما يخدم إسرائيل. فقد روجت بعض التغطيات فكرة أن إسرائيل يمكن أن تصبح محوراً في منظومةٍ دفاعية إقليمية في مواجهة إيران، كما طرحت الحرب بوصفها فرصةً لفتح مسارات طاقة وتجارة بديلة عن مضيق هرمز، تمر عبر البحر الأحمر ثمّ المتوسط، بما يعزز موقع إسرائيل الأمني والاقتصادي في المنطقة.
ختاماً، تكشف التغطية الإعلامية الإسرائيلية للحرب على إيران أن الإعلام لم يقف خارج الحرب، إنّما شارك في بنائها سردياً وسياسياً. فقد وحّد الجبهات داخل روايةٍ واحدة، وصاغ صورة إجماع داخلي واسع، وضبط ما يُتاح للجمهور أن يعرفه، ثمّ ضخّم الإنجازات العسكرية وانتقل سريعاً إلى تسويق البدائل الّتي تعزز موقع إسرائيل في الإقليم. لذلك، فإنّ فهم هذه الحرب لا يمر عبر تتبع الضربات والصواريخ ووقف إطلاق النار فقط، إنّما يمر أيضاً عبر تفكيك الطريقة الّتي صاغ بها الإعلام الإسرائيلي معنى الحرب ورسم نتائجها في وعي جمهوره.

Related News
«دوري أبطال أوروبا»: لويس دياز مبدع وسط الفوضى
aawsat
4 minutes ago
النرويج تطرح 70 رخصة جديدة للتنقيب عن النفط والغاز
aawsat
7 minutes ago