الأطفال المنسيّون... شبكات الجريمة الفرنسية تجند العرب القُصّر
Arab
5 days ago
share
تحبّذ الشبكات الإجرامية الفرنسية اصطياد القاصرين غير المصحوبين بذويهم، ولا سيّما المنحدرين من الجزائر والمغرب وتونس؛ لسهولة التحكّم بهم، ولأنّ القوانين المطبقة أكثر ليونة تجاههم، مستغلة حاجتهم وإهمال الدولة لهم. - عند السادسة من مساء كل يوم، يتوجه الطفل الكونغولي إمبالا إلى ساحة قصر بلدية باريس للحصول على حصته من مساعدات عينية توزعها جمعية يوتوبيا 56 (Utopia 56) التي تأسست في عام 2015 وتنشط في دعم اللاجئين والمهاجرين، إذ يعد من بين الفئة المستفيدة من المساعدات وهم القُصّر غير المصحوبين بذويهم، وتحديداً من شكّكت السلطات الفرنسية في سنّهم ما حرمهم الاستفادة من الخدمات الاجتماعية كالسكن والتعليم والطبابة. إمبالا، الذي امتنع عن الإفصاح عن هويته الكاملة خشية من أيّ تبعات على اعتبار أنّ وضعه القانوني ما يزال معلقاً، وصل إلى فرنسا على نحو غير شرعيّ أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 قادماً من جمهورية الكونغو الديمقراطية، ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ تاريخ ميلاده هو 2 أغسطس/آب 2010 واستخرج من سفارة بلاده وثيقة إثبات سنه. لكن الجهات الرسمية شكّكت فيها، لترفض الاعتراف بعمره، وبانتظار البتّ في الطعن الذي تقدم به أمام محكمة الأحداث في باريس، لم يجد أمامه سوى الاعتماد على ما تقدمه الجمعية لتأمين قوته اليوميّ والثياب المناسبة لفصل الشتاء كما المواد اللازمة للاعتناء بالنظافة الشخصية خاصة أنه يبيت في الشارع. على العكس من إمبالا واعتماداً على بيانات وزارة العدل الفرنسية، جرى قبول 13.554 قاصراً في برنامج المساعدة الاجتماعية للطفولة في عام 2024، غالبيتهم أتوا من دول أفريقية وعربية. إلّا أن العدد هذا لا يعكس حجم المشكلة، ولا أحوالهم المتردية ما دفع مرصد حقوق الأطفال التابع للمكتب الفرنسي لمنظمة اليونيسف إلى التذكير في تقريره السنوي لعام 2026 بوجوب توفير الرعاية للقاصرين غير المصحوبين بذويهم بمعزل عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني انسجاماً مع اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة. مقابلات مفخخة وفقاً للتعريف الرسمي، القاصر غير المصحوب بذويه فهو كل شخص دون 18 عاماً، لا يحمل الجنسية الفرنسية ويقيم في فرنسا بمفرده. بالتالي، مسؤولية رعايته وتمثيله قانونياً تقع على عاتق السلطات المحلية، وعلى وجه التحديد على المجالس الإقليمية كل في نطاقه الإداري، حسب "دليل رعاية القاصرين غير المصحوبين بذويهم"، الصادر عن وزارة العدل الفرنسية في 5 يناير/كانون الثاني 2026. والمجالس الإقليمية هي هيئة منتخبة كل 6 سنوات، يدخل ضمن مهامها إدارة وتوزيع مساعدات اجتماعية للفئات التي لا يتوفر لها أي مصدر دخل (القاصرون غير المصحوبين بذويهم، كبار السن غير المستفيدين من راتب تقاعدي، العاطلون عن العمل غير المستفيدين من إعانة البطالة...) إلى جانب مسؤوليات أخرى كإدارة المواصلات والمدارس الإعدادية (أو المتوسطة) ورعاية الأنشطة الثقافية والرياضية. وبوسع كل مجلس إقليمي توفير الرعاية للقاصرين غير المصحوبين بذويهم على نحو مباشر أو بصورة غير مباشرة عبر تفويض إحدى الجمعيات غير الحكومية بهذه المهمة مع الإبقاء على مهمة الإشراف. يوضح الدليل أن مواكبة القاصرين غير المصحوبين بذويهم تمر بعدة مراحل عملاً بقانون العمل الاجتماعي والأسرة، إذ أنه بمجرد توجه القاصر إلى السلطات الرسمية للإفصاح عن سنة، على الجهة المعنية تأمين مأوى مؤقت له لمدة خمسة أيام قابلة للتجديد مرتين وهو ما يعرف بـ"الاستقبال المؤقت الطارئ"، بانتظار إتمام إجراءات المرحلة الثانية. المقصود بالمرحلة الثانية هو التحقق من سنه عبر مقابلة مع متخصصين: إذا ثبت قصوره، تُبلغ السلطات القضائية ليصبح مشمولاً ببرنامج "المساعدة الاجتماعية للطفولة" الذي تشرف عليه المجالس الإقليمية، شأنه شأن أي قاصر فرنسي الجنسية محروم من ذويه. وهو برنامج يوفر له تأهيلاً أكاديمياً و/أو مهنياً ورعاية صحية ومسكناً حتى سن الـ 18 مع إمكانية تمديد مدة الاستفادة حتى سن الـ 21 في إطار ما يعرف بـ"عقود الشبان الراشدين". استناداً إلى الدليل، يُوزّع القٌصر غير المصحوبين بذويهم على مختلف الأقاليم الفرنسية بما يتناسب مع الطاقة الاستيعابية لكل إقليم. أما في حال عدم الإقرار بقصوره، فيمكن للشخص المعني اللجوء إلى محكمة الأحداث للطعن بالقرار. لكن دراسة صادرة عن جمعية يوتوبيا 56 في يوليو/تموز 2025، بعنوان "القاصرون الأجانب غير المصحوبين بذويهم: تفاوت في الحقوق بين إقليم وآخر؟"، تؤكد تقصير الحكومات الفرنسية المتعاقبة، ما يدل أن التعامل الرسمي أقرب ما يكون بمنطق التصدي للهجرة غير الشرعية لا حماية الأطفال. بدورها فتحت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة تحقيقاً حيال انتهاك فرنسا لحقوق القاصرين غير المصحوبين بذويهم بناء على طلب منظمتَين فرنسيّتَين. عملاً بأحكام المادة 13 من البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق بإجراء تقديم البلاغات. وبحسب تقرير اللجنة، فقد تلقت البلاغات الأولى في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وبعد التدقيق بمضمونها ومراسلة الحكومة الفرنسية، انتدبت لجنة حقوق الطفل بتاريخ 11 فبراير/شباط 2022 عضوين اثنين لإجراء التحقيق اللازم، ليضيف التقرير أن لجنة التحقيق قصدت فرنسا في ما بين 16 و20 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لإجراء تحقيق ميداني. هنا يوضح المندوب العام للمجلس الفرنسي لجمعيات حقوق الأطفال أرتور ميلون، في حديث مع "العربي الجديد" أن ما دفعهم إلى طرق هذا الباب ليست حالة بعينها، بل "سلسلة من الانتهاكات الجسيمة"، فقد خلص تقرير اللجنة المنشور في أكتوبر 2025، إلى وجود انتهاكات متعدّدة ولا سيما ما يخصّ آلية تحديد سن القصور وبرنامج المساعدة الاجتماعية للطفولة. بالمثل يوضح متطوعو يوتوبيا 56 لـ"العربي الجديد" أنّ مسار بعض المقابلات يوحي بتعمد الضغط على القاصر. وهو ما أكّده عبد الرحمن، جزائري (15 عاماً) قائلاً: "سألوني عن حراك العام 2019 وانصبوا عليّ بوابل من الأسئلة. صحيح أنني كنت أبلغ 9 سنوات في حينها، لكنّني كنت مهتماً بالشأن العام كمتنفس من المشاكل الأسرية التي دفعتني للقدوم إلى فرنسا". ويختصر عبد الرحمن مناخ المقابلة الضاغط بكلمة شعبية جزائرية: "هِبلوني" (أي جننوني)، وفقاً لحديث عبد الرحمن لـ"العربي الجديد"، اعتبر المتخصصون أنّ وعيه السياسي لا يتناسب مع سنه، يضاف إلى ذلك التشكيك بأصالة جواز سفره. تقرير يوتوبيا 56 الصادر في 10 فبراير/شباط 2026 بعنوان "حال القاصرين غير المصحوبين بذويهم المتروكين في باريس وضواحيها 2020-2025"، أكد شهادة عبد الرحمن، إذ رصد أن جانباً من الأسئلة المطروحة على القاصرين خلال المقابلة يتمحور حول أحداث مفصلية شهدتها بلدانهم الأصلية لرصد طبيعة تفاعلهم معها ما قد يساهم في تحديد سنهم. ويتساءل أنجلو فيور، مسؤول برنامج التقاضي لصالح القاصرين غير المصحوبين بذويهم في جمعية يوتوبيا 56، حول ما إذا كانت هذه الأسئلة "فخاً": "لماذا طُلب من قاصر بعمر الـ 15 عاماً سرد معايشته لأحداث جرت وهو في التاسعة؟ من الوارد جداً أن يسردها بمنظور اليوم". تشكيك بالوثائق القرار الإداري الصادر عن الحكومة الفرنسية في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 حدد الإطار العام لآلية تحديد سن القصور. في حال لم يكن قصور السن واضحاً على الهيئة الخارجية، يخضع القاصر غير المصحوب بذويه لمقابلة (المادة 3) على أن يجرى التواصل خلالها بلغة يفهمها القاصر (المادة 4) وبحضور ما لا يقل عن متخصصين اثنين (المادة 6) مجازين في أحد الاختصاصات التالية: حماية الطفولة، القانون، علم النفس، الصحة أو التربية (المادة 5). تحدد المادة 8 من القرار محاور المقابلة: جمع البيانات الشخصية، ومعلومات الوضع الاجتماعي، وظروف العيش في بلده الأصلي، الدافع للهجرة، مسار الهجرة، وأحوال العيش في فرنسا ومشروعه المستقبلي. كما شدد القرار الإداري على إصدار "تقرير التقييم الاجتماعي" مكتوباً بنتيجة المقابلة (المواد 6، 7، 8 و9). لكن على أرض الواقع، تثير هذه الآلية ملاحظات وانتقادات الجمعيات والمنظمات الحقوقية الفرنسية والدولية وكذلك جهات رسمية فرنسية. دليل وزارة العدل لفت إلى أنه في حال الشك بأصالة الوثائق، يمكن للمجلس الإقليمي إحالة الملف إلى الجهات القضائية أو الأمنية للتحقق، كالمدعي العام وشرطة الحدود. لكن مؤسسة "المدافع عن الحقوق"، وهي هيئة إدارية رسمية فرنسية تتمتع بالاستقلالية تأسست في العام 2011 وأوكلت إليها مهمة مراقبة التحقق من احترام حقوق وحريات المواطنين في فرنسا، أصدرت قرارا بتاريخ 6 سبتمبر/أيلول 2021 أشارت فيه إلى أن القاعدة تكمن في افتراض أصالة الوثيقة، لا التشكيك بها. الدراسة التي نشرتها جمعية يوتوبيا 56، والمذكورة أعلاه، خلصت إلى أن التشكيك بالوثائق بات القاعدة لا الاستثناء، دون إنكار التفاوت بين إقليم وآخر، وأوضحت الدراسة أن 26% من القاصرين يبرزون وثيقة رسمية خلال المقابلة لتأكيد سنهم (وثيقة ولادة، جواز سفر، بطاقة هوية...)، فيما يمتلك 13% صورة عن إحدى الوثائق، أما 35% من القاصرين فيحاولون إثبات سنهم من خلال صورة مأخوذة بهاتف محمول. أما الـ26% المتبقين فلا يمتلكون أي وثيقة تشير إلى سنهم. وعلى هامش عملهم في توزيع المساعدات العينية، تحدث متطوعو يوتوبيا 56، عن أن احتكاكهم بالقاصرين غير المصحوبين بذويهم راكم لديهم معرفة في عيوب آلية تحديد سن القصور. من الأمثلة التي ذكرت، اتخاذ المتخصصين من النموذج الإداري الفرنسي مرجعاً صالحا للتعميم: "فبعض الدول تكتفي بكتابة تاريخ الميلاد في وثيقة الولادة بالأرقام فقط على عكس ما هو معمول به في فرنسا إذ نجده بالأحرف أيضاً، ليُتّخذ هذا الأمر ذريعة للتشكيك بأصالة الوثيقة"، ما يعكس برأيهم "سطحية ومحدودية". الحكومة الفرنسية أرسلت في 22 سبتمبر 2025 رداً على خلاصات لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة. وفقاً للحكومة الفرنسية، الأخذ بالوثائق الأجنبية يخضع لمعايير: استيفاء كل المصادقات الرسمية، عدم وجود ما يدفع إلى الشك بأصالتها ومطابقتها مع ما يرويه صاحبها، كما أن رفضها ليس قراراً عشوائياً بل يتخذ بعد دراسة كل حالة على حدة وبما يضمن حقوق صاحب الوثيقة. بالمقابل توسعت دراسة جمعية يوتوبيا 56 في عرض الأمثلة والحالات الدالة على وجود عيوب خلال مقابلة تحديد السن منها غياب مترجم مؤهل ما ينعكس سلباً على القرار النهائي، كما أن المقصود بالأهلية ليس فقط القدرة على التواصل بعدة لغات، بل استيعاب ثقافة البلد الأصلي للقاصر توخياً للدقة والمصداقية. وأوضحت الدراسة أيضاً أن التقييم على أساس الهيئة الخارجية بات متبعاً، ما يثير إشكالات كبيرة. وفقا لهذا المعيار فإن تقدير السن ليس موضوعياً، خاصة أن الفيزيولوجيا البشرية ليست موحدة بل تختلف من شخص إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى. علاوة على ذلك، الظروف الصعبة التي يواجهها القاصرون (سواء في بلدانهم الأصلية أو خلال رحلة الهجرة أو عند وصولهم إلى فرنسا) تنعكس حكماً على هيئتهم الخارجية، وهي إشكالية وردت كذلك في تقرير لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة. وفي سياق متصل، ورد في تقرير يوتوبيا 56، أن متوسط مدة المقابلة هو ساعة واحدة، وفي بعض الحالات لا يتعدى نصف ساعة، وهي مدة غير كافية للإحاطة بكافة المحاور المنصوص عليها في القرار الإداري. ومن الممكن أن يتعرض خلالها القاصر للضغط النفسي، وهي إشكالية توقف عندها مسؤول التقاضي في منظمة اليونيسيف كورنتان بايول، مرجعا ذلك الضغط إلى إجبار القاصر خلال المقابلة على سرد معاناته أو إدراكاً منه لأهمية المقابلة في تحديد مصيره المستقبلي، وهو ما لا يؤخذ بعين الاعتبار من قبل المتخصصين. المعضلة ذاتها رصدتها جمعية يوتوبيا 56 في تقريرها وجاء فيه: "قد يؤدي الاضطراب إلى إجابات غير واضحة، ما يدفع إلى الشك بكلام القاصر وتصنيفه في خانة الكذب". وفي المقابل، لاحظ التقرير أن عدداً من القاصرين يدخلون المقابلة متماسكين، ما يخولهم تقديم إجابات واضحة، تماسك من شانه إثارة "ريبة معاكسة" واتخاذه دليلاً على تحضير مسبق، وبالتالي تصنيفه في خانة "الرواية المنسوجة". جهل بالترسانة القانونية الفرنسية من جانب آخر، لا يأخذ المتخصصون في الاعتبار اختلاف البيئة الثقافية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية بين فرنسا والدول الأخرى، وفقاً لتقرير يوتوبيا 56. ويتوسع فيور في هذه النقطة ضارباً مثالين، الأول ما يحدث مع القاصرين الأفارقة الذين يتجنبون النظر مباشرة إلى المتخصصين خلال المقابلة كنوع من الاحترام الذي ترعرعوا عليه في بلدانهم الأصلية، إلا أن هذه التربية تُقارب بصورة مغايرة من قبل المتخصصين الفرنسيين، لأن: "القيم التربوية الفرنسية تعتبر إشاحة النظر مؤشراً محتملاً على سوء النيات والمراوغة". المثال الثاني يتعلق بقاصر أفغاني بعمر الـ 13 سنة، ذكر خلال المقابلة اضطراره للعمل خلال عبوره في الأراضي الإيرانية، لكن صدقه اتخذ ذريعة لرفض الاعتراف بقصور سنه، بعبارة أخرى، اعتبر المتخصصون أن عمله مرادف لسن الرشد، متجاهلين أن قانون العمل الفرنسي نفسه يمنح الحق بالعمل للقاصرين ابتداء من سن الـ14. بحسب الموقع الرسمي للإدارة الفرنسية، يحدد قانون العمل الفرنسي طبيعة المهن المتاحة لكل فئة عمرية، يضاف إليها ما يتعلق بموسم العمل المسموح به (أي خلال الإجازة الصيفية) والأجر وساعات العمل مع التشديد على إلزامية الحصول على موافقة ولي الأمر. لكن وفقاً لفيور، يجهل المتخصصون (أو يتغافلون) أن هذه الترسانة القانونية الفرنسية غير نافذة في كل دول العالم. تقرير يوتوبيا 56 نقل أيضاً شهادة لأحد المتخصصين، الذي امتنع عن ذكر هويته وطبيعة اختصاصه لعدم حصوله على تصريح للإدلاء بشهادته، جاء فيها (بما معناه): كل يوم أعقد اجتماعاً مع مديري لعرض خلاصة المقابلات والبت بسن أصحابها. ذات مرة كان قصور السن جلياً على أحد الفتيان، لكن المدير رفض قبول ملفه معللاً قراره بالموافقات الكثيرة التي منحت في هذا اليوم، مضيفاً: "لو حضر في يوم آخر لاعترفنا بقصور سنه". لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أشارت من جهتها إلى أن المقابلة تجرى عادة بحضور متخصص واحد (بخلاف ما نصت عليه المادة 6 من القرار الإداري المذكور آنفاً) وبغياب أي ممثل قانوني أو وصي أو محامٍ، وفي العديد من الحالات تعطى النتيجة شفهياً ودون إبلاغ القاصر بحقه في الطعن في الحكم. واقع يدفع بمتطوعي جمعية يوتوبيا 56 إلى الانتظار خارج أماكن إجراء المقابلات في باريس لتوجيه القاصرين للطعن في قرار عدم الاعتراف بقصور سنهم. أما الحكومة الفرنسية فقد اعتبرت في ردها أن أحد أهداف مقابلة تحديد سن القصور معرفة ما إذا كان القاصر بمفرده أم برفقة أحد الراشدين من عائلته.، بالتالي، من غير الممكن تعيين وصي عليه قبل نتيجة المقابلة. طعون أمام محاكم الأحداث استناداً إلى دليل وزارة العدل، يحق لأي قاصر غير مصحوب بذويه التوجه إلى محكمة الأحداث للطعن في قرار المجلس الإقليمي بشأن رفض الاعتراف بقصور سنه. انطلاقا من مسؤوليتهم، أسست مجموعة من الكيانات الحقوقية (من ضمنها يوتوبيا 56) جمعية "التنسيق الوطني للشبان المنفيين"، لتنشر في 25 سبتمبر 2025 دراسة بعنوان "القاصرون غير المصحوبين بذويهم المرفوضون أو المتقدمين بطعن". وقدرت الدراسة عدد القاصرين غير المصحوبين بذويهم والمتقدمين بطعون أمام محاكم الأحداث الفرنسية بنحو 3800 قاصر، وذلك حتى تاريخ 18 يونيو/حزيران 2025. وأضافت أن المعدل الوسطي لقبول هذه الطعون يبلغ 60%، بعبارة أخرى: "من بين كل 10 قاصرين رفض مجلس إقليمي (فرنسي) اعتبارهم قاصرين، ينجح 6 منهم في انتزاع قرار قضائي يقر بقصور سنهم". في سياق دراستها، أوضحت جمعية يوتوبيا 56 أنه في العام 2023، لجأ 2550 قاصراً إلى محاكم الأحداث للطعن في قرار المجالس الإقليمية، ليقبل 1550 طعناً، أي ما نسبته 60.7%. بحسب الدراسة، ويعكس  الرقم "قلة الموثوقية في ما يتعلق بمقابلات تحديد سن القصور التي تجريها الأقاليم". أنجلو فيور أوضح لـ"العربي الجديد" أن الجمعية توصي بتمديد فترة "الاستقبال المؤقت الطارئ" من أجل السماح للقاصرين بإعداد "ملف متين"، قائلا : "بوسع القاصرين التوجه إلى البعثات الدبلوماسية لطلب الاستحصال على وثائق أو الاتصال بأهاليهم وطلب إرسال ما يلزم. إنها إجراءات تحتاج إلى أسابيع ويصعب إتمامها في خمسة أيام، أي خلال مرحلة الاستقبال المؤقت الطارئ، وهو أحد الأسباب التي تفسر النسبة المرتفعة لقبول الطعون". أرتور ميلون أشار في هذا السياق إلى الإصلاح الأكثر إلحاحاً برأيه: ضرورة الإقرار بـ"قرينة القصور". بحسب ميلون: "بالنظر إلى العيوب الموثقة خلال مقابلات تحديد سن القصور من جهة والنسبة المرتفعة لقبول الطعون من جهة أخرى، على المجالس الإقليمية افتراض قصور السن لكل من تقدم بطعن، وبالتالي رعايته على هذا الأساس. بعبارة أخرى، لا بد أن يستفيد القاصر من خدمات البرنامج بانتظار صدور حكم محكمة الأحداث، مع أنه قد يطول انتظاره". وفقاً لدراسة "التنسيق الوطني للشبان المنفيين"، فترة الانتظار ما بين تقديم الطعن والمثول أمام القاضي تتراوح بين 6 و18 شهر، وقد تصل حتى إلى عامين بحسب تقرير يوتوبيا 56: "ما يدفع جمعيتنا إلى توزيع مساعدات عينية هو عدم تفعيل قرينة القصور.  بالتالي حرمان القصر من برنامج المساعدة الاجتماعية للطفولة من جهة، ومن جهة أخرى لا يستطيعون تقديم طلب لجوء والاستفادة بالتالي مما توفره الدولة الفرنسية للاجئين الراشدين قبل البت بالطعن. لذا يجدون أنفسهم دون رعاية والأهم دون مأوى"، وفقاً لحديث متطوعي الجمعية مع "العربي الجديد". وعليه، تقدم النائب إيمانويل غريغوار باقتراح قانون إلى الجمعية الوطنية لحماية القاصرين غير المصحوبين بأهاليهم، وأقرته الجمعية الوطنية في 28 أكتوبر 2025 لتحيله إلى مجلس الشيوخ. ونص على تعديل قانون العمل الاجتماعي والأسرة بما يسمح بالاعتراف بقرينة القصور خلال فترة الطعن. للتوضيح، تقدم غريغوار بهذا النص قبل فوزه بمنصب عمدة باريس في 22 مارس/آذار 2026. كورنتان بايول أثار من جهته ملفاً بالغ الإشكالية تشهده محاكم الأحداث التي تنظر في الطعون المقدمة من قبل قاصرين غير مصحوبين بذويهم: تحديد السن عبر فحص نمو العظام بالأشعة السينية. دليل وزارة العدل أشار إلى إمكانية إجراء هذا الفحص بشرط احترام الإطار الذي حددته المادة 388 من القانون المدني الفرنسي. بحسب المادة المذكورة، اللجوء إلى الفحص المذكور مرهون بموافقة القاصر بعد التأكد من غياب وثائق تدل على سنه. المادة المذكورة ألزمت الجهات المعنية باستصدار تقرير طبي يشير إلى هامش الخطأ في هذا الفحص على أن يفسر الشك لصالح القاصر. ويحرص بايول على التذكير ببيان المجلس الأعلى للصحة العامة (في فرنسا) الصادر في 13 مارس 2014 الذي أكد عدم وجود فحص طبي أو مؤشرات علمية تسمح بتحديد السن بدقة. والحال أن التقارير والدراسات المنشورة حديثاً لا تزال تحذر من عيوب اعتماد هذه الآلية. هامش الخطأ الذي أشارت إليه المادة المذكورة ورد في تقرير يوتوبيا 56، وقد يصل إلى 24 شهراً وهو ما ينعكس سلباً على القاصرين الذين يتخطى سنهم 16 عاماً. أما تقرير لجنة حقوق الطفل، فأوضح أن السلطات الإقليمية "تحبذ اعتماد فحص نمو العظام رغم هامش الخطأ فيه"، مضيفاً أن اللجوء إلى هذا الفحص لا بد أن يكون آخر الخيارات. من جهتها، أكدت الحكومة الفرنسية في ردها المرسل إلى لجنة حقوق الطفل أنها لا تعتمد حصراً على فحص نمو العظام للبت قضائياً في سن القاصر إنما إلى مجموعة من الأدلة التي تسمح مجتمعة بالإقرار بسن القصور من عدمه. القاضي المتقاعد والرئيس السابق لمحكمة الأحداث في بوبيني (الواقعة في الضاحية الشمالية – الغربية لباريس) جان بيار روزانفيك أوضح في حديث مع "العربي الجديد" ضرورة التعامل بحذر ودقة مع القاصرين. روزانفيك الذي يرأس حالياً جمعية "إيسبوار" لحماية الأطفال (غير حكومية)، أصدر عدداً من الكتب في مجال حقوق وحماية الأطفال، آخرها كتاب "تحقيق العدالة للأطفال" الصادر عام 2018. يوضح روزانفيك أن رفض المجالس الإقليمية الاعتراف بسن القصور هو للاشتباه بالكذب، فرضية لا يجب إغفالها عند وصول الملف إلى المحكمة، ليؤكد في الوقت نفسه "تفهمه الكذب" إذ يسعى الأفراد وراء مستقبل أفضل. ولا يخفي القاضي السابق الإشكالية التي يطرحها فحص نمو العظام ليؤكد ضرورة البت بأي ملف من خلال سلة متكاملة تشمل تقييم الهيئة الخارجية والوثائق المقدمة وسردية كل قاصر محتمل: "لا توجد قاعدة ثابتة، لكل ملف خصوصيته". وعليه، انتقد روزانفيك الآلية المرعية التي تمنح صلاحية البت في سن القصور بالدرجة الأولى للمجالس الإقليمية على حساب السلطة القضائية التي يقتصر دورها على النظر في الطعون، وذلك لأن "القضاة مؤهلون أكثر من غيرهم للاضطلاع بهذه المهمة" وهو ما وافق عليه أنجلو فيور. رد الحكومة الفرنسية تضمن تشديداً على حرصها على توفير تأهيل للمتخصصين الذين يجرون المقابلات لرفع كفاءتهم، بالتعاون مع المدرسة الوطنية للحماية القضائية للشباب والمكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية. ويشمل التأهيل بشكل رئيسي الجانب الحقوقي وكل ما يتصل بأمن وسلامة القاصرين وسلامتهم، كالتوجيه التربوي والتعامل مع الذين تعرضوا للعنف والاغتصاب والاستغلال الجنسي. عدم احترام سن القصور نهاية عام 2023، أحصت مديرية الأبحاث والدراسات والإحصاء الفرنسية إجمالي المستفيدين من برنامج "المساعدة الاجتماعية للطفولة" مشيرة إلى بلوغهم 221000 حالة. ونسبة القاصرين غير المصحوبين بذويهم كما الذين يقعون ضمن "عقود الشبان الراشدين" بلغت 20.9%، أي 46200 شخص، بحسب ما جاء في دراسة نشرتها في العام 2025 بعنوان "المساعدة الاجتماعية للطفولة: المستفيدون، التدابير ونفقات الأقاليم". إلّا أن مسؤول التقاضي في منظمة اليونيسيف كورنتان بايول لفت إلى أنه وبالمقارنة مع دول أخرى، تنفرد فرنسا في عدم احترامها لآلية تحديد سن القصور، فما واجهه إمبالا وعبد الرحمن لجهة التشكيك أمر مألوف، قائلاً: "يؤدي نقص خبرة المتخصّصين المكلفين بإجراء المقابلات إلى التشكيك بأصالة الوثائق وبالتالي رفض اعتمادها ما يؤدي إلى اعتبار القاصر شخصاً راشداً". إفادة أكد عليها أنجلو فيور، وبالمقابل، لم يتفق فيور مع ما أدلى به بايول على صعيد انفراد فرنسا في انتهاك آلية تحديد سن القصور: "نشهد حالات مشابهة في الدول المجاورة كإسبانيا وإيطاليا". غير أنّ إقراراً رسمياً بفشل الدولة في حماية القصر، جاء هذه المرة عبر الجمعية الوطنية الفرنسية، بعد إصدارها في 1 إبريل/نيسان 2025 تقرير لجنة التحقيق النيابية التي أوكلت إليها مهمة تقييم سياسة حماية الأطفال في فرنسا (وهو ما بات يعرف بتقرير سانتياغو نسبة للنائبة إيزابيل سانتياغو التي كلفت بإعداده). التقرير الذي استغرق العمل على إنجازه ما يقرب من عام، تضمن 92 توصية لإصلاح هذه السياسة بعدما خلص التحقيق إلى "قصور خطيرة وغياب الرؤية السياسية على صعيد سياسة رعاية الطفولة في فرنسا" وفقاً لما ورد في الصفحة 31. برأي كورنتان بايول، أحد أسباب هذا القصور هو نقص الموارد المالية؛ إذ تعتمد المجالس الإقليمية في إيراداتها على نحوٍ رئيسي على الضرائب والرسوم العقارية وترتب على: "الجمود الحالي لسوق العقارات تدنّي الإيرادات، ما يدفع المجالس الإقليمية إلى التقشف في إنفاقها. فينعكس الأمر سلباً على المستفيدين من كافة الخدمات الاجتماعية بمن فيهم المستفيدين من برنامج المساعدة الاجتماعية للطفولة من أطفال فرنسيين وغير فرنسيين". المنسيون ضمن المنسيين اللافت في تقرير سانتياغو هو وصفه للقاصرين غير المصحوبين بـ"المنسيين ضمن المنسيين"، كما جاء في الصفحة 229 التي أوضحت أنّ الخدمات المقدمة لهذه الشريحة من الأطفال تعد "متدنية التكلفة" وهي نتيجة لسياسة الكيل بمكيالين؛ إذ لا يعامل القاصرون غير المصحوبين بذويهم على قدم المساواة مع باقي الأطفال الفرنسيين مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الحال من إقليم إلى آخر. تقرير سانتياغو توقف عند الانتهاكات في ما يخصّ توفير المسكن. بحسب المادة 7 من القانون رقم 140-2022 الخاص بحماية الأطفال، يحظر إيداع الأطفال المشمولين برعاية وحماية الدولة في الفنادق إلّا في الحالات الطارئة ولمدة لا تزيد عن الشهرين، لهذا يوضح ميلون أن القاصرين الذين يحالون إلى الفنادق بصورة مؤقتة يجب أن يبقوا تحت إشراف أحد الراشدين المنتدبين من المجلس الإقليمي. لكن جمعية يوتوبيا 56 أشارت في دراستها المذكورة سابقاً إلى "انتشار الممارسة هذه على نطاق واسع" ودون إشراف من أحد الراشدين أو التأكد من ملاءمة هذه المباني لاستقبال أي قاصر في انتهاك للمادة 1-312 من قانون العمل الاجتماعي والأسرة التي تنص على ضرورة تهيئة المرافق الخاصة برعاية القاصرين غير المصحوبين بذويهم (السكنية والتعليمية والصحية) بما يضمن أمنهم وسلامتهم. تقرير سانتياغو وفي إطار تأكيده ازدواجية المعايير، ذكر أن نسبة القاصرين غير المصحوبين بذويهم الموجودين في الفنادق أعلى من باقي الأطفال الفرنسيين، وأوضح التقرير كيف يؤدي غياب الرقابة إلى وقوع القاصرين ضحية شبكات إجرامية: "كل يوم يُطلب منهم إخلاء الغرفة لتنظيفها، ليمضوا وقتهم في الشارع ما يؤدي بهم إلى الإدمان". بالمقابل، تتوسع المصادر في تناول الخلل على المستوى الأكاديمي والمهني. فقد نشرت منظمة يونيسف تقريراً بتاريخ 20 سبتمبر 2023 بعنوان "ضمان حق التعليم للقاصرين غير المصحوبين بذويهم"، تناولت فيه العوائق التي قد تمنع توفير فرص تعليمية لهذه الفئة. التقرير أشار إلى التباطؤ في تقييم المستوى التعليمي لكل قاصر، ما يؤدي إلى تأخره عن الالتحاق بالمدرسة مدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات. من جهة أخرى، لاحظ التقرير توجهاً يدفع القاصرين إلى اعتماد التأهيل المهني بدلاً من الحصول على شهادة مدرسية تفتح أمامهم أبواب التعليم الجامعي. التقرير أوضح بالمقابل أن هذا التوجه مرده إلى عدة أسباب: أولاً عائق اللغة لدى البعض، ثانياً ضرورة الموازنة بين رغبات القاصر ومؤهلاته وما هو متوفر من خدمات تعليمية. أما التحدي الأبرز فيكمن في أنه بمجرد بلوغ القاصر سن الثامنة عشرة، وإن لم يكن قد حصل على صفة لاجئ، سيتوجب عليه استصدار بطاقة إقامة، شأنه شأن أي أجنبي مقيم على الأراضي الفرنسية. في الحالة هذه، تفضل المجالس الإقليمية توفير تأهيل مهني سريع يسمح للقاصر بالدخول إلى سوق العمل، ما يعزز فرص حصوله على بطاقة إقامة. أرتور ميلون أوضح أن المسار هذا لا يوفر للقاصر تأهيلاً مهنياً مناسباً بدخل محترم. فما يُعرض على القاصرين هو العمل في شركات الأمن الخاصة، وورش البناء والمطاعم والمخابز... رد الحكومة الفرنسية حيال هذه النقاط (المسكن، الرعاية التربوية والصحية) لم يتضمن أي توضيحات تفصيلية، بل اكتفت الحكومة بالإشارة إلى المواد القانونية التي تضمن توفير رعاية مناسبة للقاصرين غير المصحوبين بذويهم مع التشديد على أن أولويتها تبقى المصلحة العليا للقاصرين. كما أوضح الرد الرسمي الفرنسي أن أي تقصير من قبل المجالس الإقليمية يعرضها لإجراءات عقابية. الأطفال المغاربيون في أكتوبر 2022 أصدر المرصد الفرنسي للمخدرات والإدمان في فرنسا مذكرة حملت عنوان "تعاطي المخدرات وظروف حياة القاصرين غير المصحوبين بذويهم" ورد فيها أن الفنادق التي تأوي القاصرين غير المصحوبين بذويهم تعد من الأماكن المرصودة من الشبكات الإجرامية للإيقاع بهذه الشريحة، ودفعهم إما إلى الإدمان على الممنوعات أو لاستغلالهم في أنشطة بيع السجائر المهربة، والسرقة، والسطو، والترويج للممنوعات. يتقاطع ما سبق مع تقرير الجمعية الوطنية الفرنسية الصادر في 10 مارس 2021 بعنوان "الإشكاليات الأمنية المرتبطة بالقاصرين غير المصحوبين" وجاء فيه أنّ 10% من إجمالي القاصرين غير المصحوبين بذويهم في فرنسا ارتكبوا جنحاً، بحسب بيانات تعود إلى سبتمبر 2020، وأضاف أنّ المعلومات الرقمية هذه غير متوفرة بصورة دائمة وتفتقد إلى التحديث، لكنه أوضح أن غالبيتهم من الدول المغاربية (الجزائر، المغرب، تونس): "في العام 2019 شكلت هذه الجنسيّات الثلاث مجتمعة 75% من إجمالي القاصرين المرتكبين لجنح في باريس"، بحسب مصادر قضائية. 75 % من إجمالي القاصرين المرتكبين لجنح في باريس هم مغاربيون هنا ذكر التقرير خصائص هذه الشريحة من القاصرين: جميعهم يعانون من اضطرابات راكموها في بلدانهم الأصلية و/أو خلال رحلة الهجرة، يضاف إلى ذلك أنهم من المدمنين، كما لا ينشطون بمفردهم بل ضمن شبكات تقوم باستغلالهم في أعمال جرمية (السرقة في الأماكن العامة ووسائل المواصلات، السطو ...) مقابل توفير مسكن، وملابس ذات علامة تجارية، وتحويل أموال لذويهم في الخارج أو لقاء تمويل ما يدمنون عليه من ممنوعات. وفقاً لتقرير الجمعية الوطنية، تحبذ الشبكات الإجرامية اصطياد القاصرين غير المصحوبين بذويهم لسهولة تطويعهم والتحكم بهم، ولأن القوانين الفرنسية أكثر ليونة تجاههم. كذلك ذكر المرصد أن الشبكات الإجرامية ترصد أيضاً القاصرين الذين يبيتون في الشارع بسبب عدم الاعتراف بسن قصورهم وتحاول الإيقاع بهم. وعليه، يرى ميلون أن الإشراف على القاصرين غير المصحوبين بذويهم ليس مجرد إجراء إداري، بل لحمايتهم داخل الفندق وخارجه. أمراض واضطرابات نفسية في ما يخص الرعاية الصحية، أشار تقرير سانتياغو إلى "إهمال في متابعة احتياجات القاصرين الصحية". تقرير جمعية يوتوبيا 56 ذكر أن ظروف معيشة القاصرين غير المصحوبين بذويهم ترفع احتمال إصابتهم بأمراض جلدية بسبب الإقامة في أماكن تفتقر إلى المعايير الصحية (الشارع...) وعدم توفر مياه صالحة.  مجموعة من الباحثين توسعت في هذه المسألة لتنشر في 14 يناير/كانون الثاني 2025 دراسة في المجلة الأوروبية للهجرة الدولية بعنوان "أن تكون قاصراً غير مصحوب بذويك في باريس". إلى جانب الأمراض الجلدية كالجرب، رصدت الدراسة معاناة القاصرين من مشاكل في الأسنان وسوء التغذية، تضاف إليها الحاجة إلى استكمال ما ينقصهم من لقاحات. كما لفتت الدراسة إلى انتشار الأمراض النفسية في أوساط القاصرين غير المصحوبين بذويهم، كاضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات النوم والاكتئاب، وحتى قد تؤدي إلى الانتحار. وهنا ذكر تقرير يوتوبيا 56 أن الاضطرابات تلك نتيجة رحلة الهجرة وصعوباتها وما يتعرضون له من عنف واعتداءات جنسية. تقرير سانتياغو كما المصادر المذكورة أعلاه لم توضح ماهية تقصير برنامج "المساعدة الاجتماعية للطفولة" في ما يخص الرعاية والمتابعة الصحية للقاصرين غير المصحوبين بذويهم. التوضيح الوحيد ورد في دراسة جمعية يوتوبيا 56 في سياق تناولها مرحلة الاستقبال المؤقت الطارئ. وفقاً للدراسة، 55% من القاصرين غير المصحوبين بذويهم لا يخضعون لأي فحص طبي بخلاف ما تنص عليها الإجراءات المنصوص عليها في دليل وزارة العدل. غياب الإرادة السياسية لا ينكر كونتان بايول هذه التحديات ولا ما قاله لجهة نقص الموارد المالية للمجالس المحلية، ما يدفعها إلى التقشف. رغم ذلك، اعتبر إحالة جزءاً من هذه الممارسات إلى غياب الإرادة السياسية نتيجةً لخطاب معاد للمهاجرين داخل فرنسا. يتفق أرتور ميلون مع بايول، ولتأكيد حجتهما، حرصا على التذكير بقرارات سابقة صدرت عن عدد من المجالس الإقليمية تضمنت تقييداً للخدمات المقدمة للقاصرين غير المصحوبين بذويهم. ففي 28 سبتمبر 2023، أصدر مجلس إقليم "بلفور" مذكرة للإعلان عن توقفه عن استقبال مزيد من القاصرين غير المصحوبين بذويهم، معللاً هذا القرار بنقص الإمكانات والموارد وما تمثله هذه الشريحة من عبء مالي على ميزانية الإقليم. كذلك فعل مجلس إقليم "لان L’Ain" بعد نشره بياناً صحافياً في 29 نوفمبر 2023، اتخذ فيه القرار نفسه للأسباب نفسها. دراسة يوتوبيا 56 ذكرت بدورها قرارات مشابهة صدرت في العام نفسه عن أقاليم "فيين" و"جورا" و"فوكلوز". صحيح أن بعضاً من هذه الإجراءات أُبطلت بقرار قضائي، كالقرار الصادر عن محكمة ليون الإدارية بتاريخ 20 ديسبر 2023 بخصوص إقليم "لان"، إلا أن جمعية يوتوبيا 56 وصفت هذه الخطوات بـ"التمردية" لافتقارها إلى الحجج والمبررات القانونية، وفقاً لما ورد في دراستها المذكورة أعلاه التي أضافت أنه وبالرغم من التحرك القضائي المضاد، لا تكف المجالس الإقليمية عن محاولات الامتناع عن استقبالهم. لا ينكر أنجلو فيور وجود خلل عام في فرنسا في ما يخص سياسة رعاية الطفولة، ما ينعكس حتى على الفرنسيين أنفسهم، لكن التصويب على القاصرين غير المصحوبين بذويهم يعود برأيه إلى كونهم الفئة "الأضعف" ويؤكد البعد السياسي لهذه الإجراءات المغلفة بحجج تقنية. في هذا الإطار، أوضح بايول أن المجالس الإقليمية تسعى إلى التخلي عن واجباتها تلك وتحميلها لإدارات الدولة المركزية. تقرير سانتياغو أكد هذه المسألة عبر الإشارة إلى تقاذف المسؤولية بين المجالس الإقليمية والدولة، مع العلم أن مشروع الموازنة الحكومية لعام 2025 رصد 101.3 مليون يورو لدعم جهود المجالس الإقليمية المكلفة برعاية القاصرين غير المصحوبين بذويهم. مبلغ توزع على النحو التالي: 66.2 مليون يورو للإنفاق على "الاستقبال المؤقت الطارئ" وآلية تحديد سن القصور، بينما جرى توجيه الـ35.1 مليون يورو المتبقين للإنفاق على القاصرين المشمولين ببرنامج "المساعدة الاجتماعية للطفولة" والذي يديره كل إقليم ضمن نطاقه الجغرافي. أرتور ميلون أشار إلى سلبيات نقل هذه الصلاحيات من المستوى المحلي إلى المستوى المركزي: "عندها سيطبق قانون الهجرة على القاصرين غير المصحوبين بذويهم بدلاً من رعايتهم وفقاً لآليات حماية الأطفال". لا ينفي جان بيار روزانفيك تسييس هذا الملف من قبل البعض، لكن البعد السياسي، برأيه، حاضر بطبيعته، إذ يتعلق الأمر بسلم الإنفاق الحكومي: "صحيح أن مساعدتهم واجب إنساني، لكن بالمقابل من حق المواطنين الفرنسيين المطالبة بمساعدات وتقديمات حكومية بالنظر إلى التراجع في مستويات المعيشة، ما يستدعي قراراً سياسياً لا تقنياً". رغم السلبيات ونقاط الضعف الأكيدة، يعتبر روزانفيك أن فرنسا تؤدي واجباتها على نحو جيد، لا سيما إذا ما قورنت بدول أوروبية أخرى كاليونان وإيطاليا: "قد تعترض القاصر غير المصحوب بذويه عراقيل للاستفادة من التقديمات الاجتماعية، لكن متى تم الاعتراف بقصور سنه، ستتوفر له خدمات مناسبة". يستطرد روزانفيك في كلامه مستشهداً بأحد الأمثلة: "ذات مرة صادفت شاباً، موريتاني الأصل، لجأ إلى جمعيتنا وهو قاصر. سألته عن وضعه الحال ليجيبني أنه بات شرطياً". القاضي السابق اتخذ من هذا المثال دليلاً على أن أبواب فرنسا مشرعة أمام القاصرين غير المصحوبين بذويهم. وختم روزانفيك حديثه مع "العربي الجديد" بتأكيد ضرورة التعامل مع هذا الملف بحذر وحكمة: "قد يشكلون عبئاً اقتصادياً ومالياً، لكن بالمقابل يمكن تحويلهم إلى قيمة مضافة". يتفق فيور مع ما قاله روزانفيك: "أن يخوض قاصر تجربة الهجرة بمفرده ليصل إلى فرنسا دليل على تمتعه بطاقة يمكن توظيفها. تضاف إلى ذلك البيانات الرسمية التي تؤكد أن معظم القاصرين يأتون من بلدان فرنكوفونية، بالتالي فرنسا أشبه ما تكون بحلم جميل، لذا نجدهم مستعدين ومتحمسين للاندماج بإيجابية".

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows