أما آن لراشد الغنّوشي أن ينفكّ قيده؟
Arab
1 week ago
share
حلّت، في 17 إبريل/ نيسان الجاري، الذكرى الثالثة لاعتقال رئيس البرلمان التونسي الأسبق، وزعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي، على خلفية اتهامات كيدية ومُسيّسة بغرض تكميم الأصوات المعارضة والمنتقدة لانقلاب الرئيس قيس سعيّد على الديمقراطية التونسية. وكانت الأمم المتحدة قد وصفت اعتقال الغنّوشي بأنّه يقع تحت طائلة "الاحتجاز التعسّفي". وفي الذكرى الثالثة لاعتقاله الظالم بعث الغنّوشي (84 عاماً ومصاب بأمراض عدّة بما فيها "باركسون")، الذي تجاوزت الأحكام القضائية المجنونة بحقّه 70 عاماً، رسالةًً من عتمة سجنه يقول فيها إنّ "تطوّر الأوضاع في البلاد وفي العالم تشهد أنّ الدكتاتورية والحكم الفردي لا أمل فيهما منقذاً من مشكلات أمّتنا، (إذ) تبقى الدكتاتورية (والحكم الفردي) داءً لا دواء"، وأكّد على أنّ انقلاب سعيِّد على الدستور التونسي في 25 يوليو/ تموز 2021 "كان خاطئاً، لا هدف له، وبه مضت تونس في الخيار الخاطئ". ودعا الغنّوشي في رسالته "إلى حوار بعيداً عن كلّ إقصاء، حوار لا يستثني أحداً، من أجل التوافق، من أجل مقاربة وطنية لمشاكل تونس والتحدّيات التي تواجهها". يُعرف الغنّوشي في فضاءات الفكر العربي الإسلامي واحداً من منظّري الحرّية، ويشهد له على ذلك مسار طويل وتأصيل عميق. وكان كتابه "الحرّيات العامّة في الدولة الإسلامية" (1993)، أحد أهم الأدبيات الإسلامية في التنظير لمسألة الحرية، وجادل فيه بأنّ الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، بل يمكن أن يُشكّل أساساً لها. لكنّ الغنّوشي لم يكتفِ بالتنظير في هذا الصدد، بل وضعه موقع اختبار. في انتخابات 2011 التشريعية، أي بعد سقوط نظام الدكتاتور الراحل زين العابدين بن علي، حصلت "النهضة" على 42% من الأصوات، وشكّلت حكومة عبر تحالف "ترويكا" مع حزبَي المؤتمر من أجل الجمهورية، برئاسة المنصف المرزوقي، رئيس تونس الأسبق (2011 – 2014)، والتكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحرّيات الاشتراكي. ورغم المؤامرات التي حيكت ضدّ حركة النهضة، كما في اتهامها باغتيال المعارضَين شكري بلعيد ومحمّد برهامي عام 2013، إلا أنّ الحركة لم تلجأ إلى قمع معارضيها. وعندما حلّت ثانيةً في انتخابات 2014 وراء حزب نداء تونس، لم تتردّد في الدخول في ائتلاف حكومي معه. بل حتى عندما انقسم "نداء تونس" عام 2015، وتحوّلت "النهضة" إلى الحزب الأوّل في البرلمان، لم تلجأ إلى الابتزاز السياسي. وفي انتخابات عام 2019، حلّت "النهضة" أولاً بنسبة 19.55% من المقاعد، وشاركت في حكومة إلياس الفخفاخ، ثمّ دعمت حكومة هشام المشيني التي اعتبرت حكومة "كفاءات مستقلّة"، وهي الحكومة التي انقلب عليها قيس سعيِّد وأقالها، وأعلن تجميد البرلمان الذي كان يرأسه الغنّوشي. أن يتّهِم من قام بانقلاب على الدستور التونسي من تصدّوا للانقلاب بأنّهم متآمرون ومحرّضون أمر فاضح ومعيب عودة إلى رسالة الغنّوشي من معتقله، وتحديداً تأكيده على أنّ "الدكتاتورية والحكم الفردي داء لا دواء"، وأنّ تونس في 25 يوليو "مضت في الخيار الخاطئ"، نقول: لم ترتدّ تونس التي أطلقت رياح التغيير العربي عام 2011 إلى حقب الدكتاتورية والقمع والفساد فحسب، بل استبطن الانقلاب مظاهر الفشل واستظهرها كلّها في تلك الحقب. منذ أصبح سعيِّد الحاكم الأوحد المتفرّد في تونس، والبلاد تعاني نمواً اقتصادياً ضعيفاً وركوداً شبه مزمن، ودَيناً عامّاً كبيراً، وتوتّرات داخلية مع المعارضة السياسية والنقابات، وخارجية، كما مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي. في عام 2023، كانت نسبة النمو الاقتصادي في تونس حوالي 0.4% فقط، في حين ارتفعت إلى 1.4% عام 2024، و2.5% عام 2025، وهي نسب ضعيفة جدّاً لبلد يعاني بطالة إجمالية تبلغ 16%، في حين تتجاوز 40% بين فئة الشباب ما بين 15 – 24 عاماً. وارتفعت نسبة الدَّين العام التونسي إلى حوالي 85% من حجم الناتج القومي الإجمالي، في غياب أيّ مؤشّرات على خطط إنقاذ عملية. دع عنك طبعاً نسب التضخّم العالية والارتفاع الكبير للأسعار. المفارقة أنّ الغنّوشي كان قد اعتُقل بذريعة ما عرف إعلامياً بـ"المسامرة الرمضانية" في جبهة الخلاص الوطني التي اتُّهم فيها بالإدلاء بتصريحات "تحرّض على الفوضى والعصيان"، وحكم فيها، وحدها، بـ20 سنة سجناً. لكن ما الذي قاله الغنّوشي يومها؟ كلّ ما في الأمر أنّه حذّر من أنّ أيَّ محاولة لإقصاء أيّ مكوّن سياسي في تونس يمثّل تمهيداً لحرب أهلية. وفي هذا الصدد، يقول الغنّوشي في رسالته: "كان خطابي قبل ثلاث سنوات في مسامرة جبهة الخلاص خطابَ المُشفِقِ على بلده، الخائفِ على وطنه، الخوف والشفقة من الردّة على ثورة مباركة ألهمت العالم. قلتُ إنّ الاحتراب الأهلي هو بديل التنوّع والتحاور وقبول الاختلاف، وسماع الآخر هو ضمانة التعايش السلمي. فتحوّل خطاب النصح والتحذير إلى خطّة تآمر انتهت إلى محاكمة وُظّف فيها القضاء، وزُج فيها عددٌ من الأصدقاء لا علاقة لهم ببعضهم ببعضاً، مُتَّهمين لم يجمع بينهم مكان، بل ربّما فرّقتهم الفكرة. لا يتصوّر عاقل أنّ المجموعة التي زُجّ بها قادرة على أن تقلب حكماً، هذا تسخيف للسياسة واستخفاف بعقول الناس واحتقار لذكاء الناس". في كتابه "الحرّيات العامّة في الدولة الإسلامية" جادل الغنّوشي بأنّ الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية وفعلاً، أن يتّهِم من قام بانقلاب على الدستور التونسي من تصدّوا للانقلاب بأنّهم متآمرون ومحرّضون أمر فاضح ومعيب. ليس وحده الغنّوشي الذي تحدّى دبّابات العسكر، التي طوّقت البرلمان التونسي يوم 25 يوليو (2021) ومنعته من الدخول إليه وهو رئيسه حينها، من يقبع في المعتقل اليوم، بل إنّ تقريراً لمنظمة هيومان رايتس ووتش الحقوقية أفاد بأنّ المعتقلين السياسيين من نشطاء وصحافيين وشخصيات حزبية تجاوزوا الثمانين حتى نهاية عام 2024. إذن، ليس وحدهم "الإسلاميون"، الذين هم في عرف بعض الاستئصاليين مستباحةٌ دماؤهم وأعراضهم وحرّياتهم، هم هدف هذه الحملة، بل إنّها شملت الكلّ التونسي، كقيادات جبهة الخلاص الوطني، جوهر بن مبارك وعصام الشابي...، كما شملت محامين مثل سنيّة الدهماني، والمرشَّح الرئاسي السابق العيّاشي الزمّال، أحد ثلاثة مرشَّحين فقط قُبلوا للانتخابات الرئاسية عام 2024، وتحدّوا قيس سعيّد. وصدق الغنّوشي في رسالته حين قال: إنّ "البلاد تحتاج إلى حوار بعيداً عن كلّ إقصاء، حوار لا يستثني أحداً، من أجل التوافق، من أجل مقاربة وطنية لمشاكل تونس والتحدّيات التي تواجهها. وفكرة الدعوة إلى دولة اجتماعية لا تقوم إلا مع حليفتها السياسية وهي الديمقراطية، لأنّ مقولة العدل بديلاً من الحرّية هي قول فاسد غير صحيح". ترى، هل تجد صرخة الغنّوشي صدى في بلاد الياسمين لينتشر عبقها من جديد في كلّ الفضاء العربي، كما كاد أن ينتشر "الربيع العربي" الموءود منها نهاية عام 2010؟... نتمنّى ذلك.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows