د. إبراهيم الكبسي
تتناسل آلاف المدارس والجامعات الخاصة في طول البلاد وعرضها زبدا كغثاء السيل لم تروِ ظمأ الأجيال لتعليم نوعي ولم ترق يوما لتكون بديلا حقيقيا عن مؤسساتنا التعليمية الحكومية العريقة التي لا تشكو عيبا في جوهرها بل تئن تحت وطأة اهمال السلطات وتجويع متعمد للكادر التعليمي والأكاديمي.
لقد انحرفت بوصلة التعليم الأهلي والخاص، وتحولت صروح العلم في إعلاناتها الترويجية إلى ما يشبه المجمعات التجارية (عروض وتخفيضات، سحوبات وجوائز)، في مشهد مؤلم يختزل رسالة التعليم السامية في صفقات استهلاكية.
ولأن المقدمات الخاطئة تقود حتماً إلى نتائج كارثية، فإن المحصلة النهائية هي: إخفاق بمرتبة الشرف، وصفرية في ميزان المعرفة الحقيقية.
المأساة أن هذه المؤسسات تتبنى سياسة ارضاء الزبون الدافع
فأصبح الطالب هو محور العملية لا من حيث الارتقاء بعقله بل من حيث استرضائه فتطبع الشهادة المزخرفة بأعلى الدرجات ويمنح صك النجاح المجاني لأن الغاية لم تعد التقييم العلمي الرصين بل التنجيح المضمون لضمان استمرار تدفق رأس المال.
وفي خضم هذا البازار التعليمي، تُذبح كرامة المعلم والأكاديمي على مذبح الربح المادي، فلم يعد المربي في المقام الأول،
ففي عرف هذه المتاجر (الزبون دائماً على حق)، وإذا ما وُضعت الإدارة في كفة المفاضلة بين أكاديمي أو معلم يحترم رسالته، وطالب يلوح برسومه، فإن ميزان التجارة يميل بلا خجل لصالح المال، فيُستغنى عن القلم إرضاء للريال.
إننا أحوج ما نكون إلى توجيه رؤوس الأموال نحو تأسيس صروح تعليمية خاصة كبرى بمدارس وجامعات ذات بنية تحتية متكاملة وطاقة استيعابيةواسعة
تقدم تعليما نوعيا يوازن بين نبل الرسالة ومشروعية الربح كاستثمار معرفي راق بدلا من هذا التكاثر العشوائي لكيانات هشة تفتقر لأبسط المقومات التعليمية.
إننا أمام مأساة مزدوجة تصادر مستقبل الأجيال، تعليم حكومي يُغتال بسيف الإهمال والتجويع، وتعليم خاص يُفرغ العقول بحثاً عن المال.