بقلم / برهان بن أحمد
في منتصف أبريل 2026، كشف النظام الإيراني عن مهام جديدة لوكلائه؛ ففي اليمن، لوّحت طهران بإغلاق مضيق باب المندب وتعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر وبحر عمان عبر وكيلها الحوثي. وأكدت اعتزامها وقف عمليات التصدير والاستيراد في الخليج وبحر عمان، في إشارة إلى احتمال تعطيل الممرات البحرية الحيوية؛ وهو تحذير يشير إلى تصعيد إيراني تجاه التحركات الأمريكية الأخيرة، واستخدام طهران لورقة حلفائها الحوثيين في اليمن.
وقد سبق أن أعلن الحوثيون، في 28 مارس 2026، تلبية طلب الحرس الثوري الإيراني لتخفيف الضغط العسكري عن إيران، وألمحوا بتصعيد متدرج يصل إلى حد استهداف السفن وإغلاق مضيق باب المندب، إذا تعرضت إيران لتصعيد يهدد وجودها.
ومع إعلان بدء حظر مرور السفن الإيرانية عبر مضيق هرمز، شكلت هذه الأحداث لحظة فارقة لمشروع الحوثي في اليمن؛ إذ يضعنا التفكير العميق في هذا الصراع أمام تحولات جذرية، لأن اليمن لم يعد مجرد طموح جيوسياسي إيراني، بقدر ما أصبح في قلب اشتباك دولي بسبب موقعه الجغرافي المتحكم في باب المندب.
وأدى انخراط الحوثيين في الحرب لإنقاذ النظام الإيراني إلى تجلي حقائق حول مهامهم الجوهرية في اليمن؛ فمع بقاء إيران تحت الحصار البحري الخانق، ستواجه “غرفة العمليات المشتركة” بين الحوثي وخبراء الحرس الثوري أزمة لوجستية حادة، لأن الحصار على موانئ إيران جعل من الصعب تسيير سفن التهريب، مثل سفينة “بهشاد” والتي من المحتمل تدميرها في الحرب، والتي كانت توفر الدعم الاستخباري والتقني للحوثيين في البحر الأحمر.
أما مالياً، فتشير المعلومات المتوفرة إلى عجز الحوثيين عن تقديم رواتب القطاعات العسكرية والمدنية منذ بداية الحرب الإيرانية؛ فإيران المحاصرة غير قادرة على تقديم الدعم السخي لوكلائها بنفس الوتيرة السابقة، وهو ما انعكس على قدرات الحوثيين في توفير رواتب الموظفين، مما أدى إلى شلل شبه تام منذ أشهر. وخلال السنوات الماضية، اعتمد الحوثيون على الغاز المجاني الذي يحصلون عليه من إيران، والتي كانت ترسل سفناً محملة بالغاز المنزلي بشكل منتظم، حيث حولت الجماعة عائدات هذا الغاز (الذي يُباع للمواطنين بـ 6500 ريال من الطبعة القديمة) إلى ثروة هائلة للقيادات ومحرك أساسي للحروب الداخلية ضد الحكومة الشرعية.
وفي العقيدة العسكرية الإيرانية، يمثل اليمن بيد الحوثي ذراع الردع الأكثر الأهمية لبعده عن الأراضي الإيرانية، وسبق أن تحدث الرئيس السابق عبدربه منصور هادي لصحيفة “عكاظ” عن أطماع إيران في احتلال جنوب اليمن عبر الحوثيين، بهدف التحكم المباشر بمضيق باب المندب، باعتباره قوة ردع تماثل القنبلة النووية.
والآن، مع طلب النظام الإيراني من الحوثيين إغلاق باب المندب ووقف الملاحة بالبحر الأحمر، سيجد الحوثيون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الدول المتضررة، وأبرزها مصر التي كبدتها هجمات الحوثيين خلال المرحلة السابقة (2024-2025) خسائر بلغت نحو 12 مليار دولار من عائدات قناة السويس، وإلى جانب عودة الهجمات العسكرية الدولية، سيجد الحوثي نفسه كبش فداء في مفاوضات أكثر أهمية، إذ قد تقايض إيران تهدئة وكلائها الحوثيين مقابل تخفيف الضغط على موانئها.
طالما اعتمدت الدعاية الحوثية في سيطرتها على سردية المظلومية، ومع ذلك، فقد فقدت باستجابتها لإيران طاقتها على الصمود أمام اليمنيين؛ فالحرب وضعت الحوثي في مأزق الهوية الوطنية بعد انخراطه دفاعاً عن إيران، وأثبتت للجميع وللعالم الطرح الذي ساد لسنوات عن ارتباط الحوثي بإيران بمهمة الوكيل. هذا الفهم الشعبي، وحتى لدى أنصار الحوثي، كوّن حالة من العزلة وعدم الثقة مع الجماعة، وبيّن للرأي العام أن اليمن بنظر الحوثي مجرد احتمالية لتدميرها من أجل بقاء النظام الإيراني.
استمرار يد الحوثي على “الزناد”، حسب تعبيرهم، لإنقاذ النظام الإيراني سيكلف المناطق الشمالية كارثة إنسانية؛ فمعظم غذائها يأتي عبر البحر الأحمر، وأي إشعال للمواجهة في مضيق هرمز وباب المندب يعني توقف خطوط الملاحة تماماً نحو موانئي الحديدة وعدن، وارتفاعاً جنونياً في أسعار التأمين والوقود، مما يعني حدوث مجاعة حقيقية قد تفجر ثورة جياع لا يستطيع القمع الأمني الحوثي السيطرة عليها هذه المرة.
الخلاصة أن الحوثي تحول إلى مشكلة إقليمية بانضمامه الكاشف لإيران؛ فبدلاً مما كانت الدول الراعية للتسوية السياسية في اليمن ترى الجماعة طرفاً محلياً في حرب أهلية وتنتهج معها سياسة الاحتواء منذ 2015، صار الحوثي بنظرها الآن مشكلة إقليمية دولية. وطالما أن الحرب الإيرانية غير منتهية على المدى القريب، يجد الحوثي نفسه أمام خيارين: إما التبعية الانتحارية لإيران، أو الانكفاء الداخلي والتكيف مع المتغيرات التي صارت محلياً لصالح القوى الشرعية وتحالف دعم الشرعية، والاستجابة للحوار لإنهاء انقلابه على السلطة.

http://كيف أثرت الحرب الإيرانية وأزمة هرمز على اليمن والحوثيين؟