Arab
انعكست تداعيات الحرب في المنطقة هزةً عميقة خلخلت ركائز سوق العقارات العراقي الذي لطالما اعتُبر ملاذاً آمناً للمدخرات. يؤكد عاملون في هذا القطاع أن المعادلة التي كانت تحكم هذا السوق، المتمثلة في "الطلب المستقر مقابل العرض المتزايد" تعرضت لصدمة غير متوقعة بسبب الحرب أدت إلى تغييرات حادة طاولت قرارات الشراء والبيع على حد سواء.
لا تبدو الأزمة أرقاماً بقدر ما هي قصص يومية لأشخاص وجدوا أنفسهم عالقين بين الحاجة والخوف، بين رغبة في البيع وعجز عن إيجاد مشترٍ، أو طموح في الاستثمار وتراجع أمام غموض المستقبل.
مصعب الربيعي، وهو موظف حكومي، يقول إنه يعاني من ضغوط مالية متراكمة، لذلك قرر بيع منزله الذي يقع في أطراف بغداد الجنوبية، والعيش بشكل مؤقت في منزل والده، لكنه لم يكن يتوقع أن يتحول الأمر إلى "معركة صامتة" بلا مشترين.
يضيف الربيعي في حديثه لـ"العربي الجديد" أنه وضع سعراً معقولاً حسب السوق، ثم بدأ يخفّض السعر تدريجياً، مبيناً: "عرضت المنزل بسعر 150 مليون دينار (114 ألف دولار) وهو ما يمثل أقل من قيمة المنزل التي تصل إلى نحو 160 مليون دينار (120 ألف دولار). ثم قبل شهر قررت أن أخفض السعر خمسة ملايين دينار دفعة واحدة، وهو مبلغ كبير بالنسبة لي، فقط لأجذب أي شخص جاد. لكن لم يتغير شيء".
ويواصل: "كنت أظن أن العقار لا يخسر، وأنه دائماً مطلوب، لكن ما يحدث الآن مختلف تماماً. الناس خائفون، وكل واحد يحتفظ بماله، كأن الجميع ينتظر شيئاً لا نعرفه". هذا الجمود الذي يصفه الربيعي لا يبدو حالة فردية، بل مشهداً واسعاً يرصده العاملون في السوق يومياً، في هذا الصدد يتحدث لـ"العربي الجديد" حيدر الكرخي، صاحب مكتب عقارات، عن تغير حاد في طبيعة السوق، موضحاً: "خلال أسابيع قليلة فقط قبل هذه الأزمة، كنا ننجز عدة صفقات أسبوعياً، حتى لو كانت صغيرة، الآن لدينا أكثر من خمسين منزلاً مستقلاً، و12 شقة، و46 قطعة أرض سكنية معروضة، لكن لا يوجد مشترون".
ويشير إلى أن كُثراً من البائعين قدموا تنازلات غير مسبوقة: "بعضهم خفّض السعر بمبالغ كبيرة فعلاً، فقط لتسييل أصوله، لكن حتى هذه التخفيضات لم تحرك السوق. خلال شهر كامل، لم نبع سوى قطعة أرض صغيرة، وهذه سابقة لم أشهدها طوال سنوات عملي".
ويتحدث سمسار العقارات جمال الدليمي لـ"العربي الجديد" عن مبادرات داخلية قام بها العاملون في القطاع. ويوضح أن "السوق متوقف بشكل شبه كامل. حاولنا أن نخلق حركة ولو شكلية، فبدأ بعضنا بشراء وبيع عقارات في ما بيننا، لتظهر مؤشرات نشاط، على أمل أن يطمئن الناس ويعودوا للسوق". لكن هذه المحاولات، بحسب الدليمي، لم تحقق الهدف: "الناس اليوم لا ينظرون إلى الأرقام فقط، بل إلى الأخبار. عندما يسمعون عن حرب قريبة، أو احتمال تصعيد، لا يغامرون.
حتى المستثمرون الكبار أصبحوا أكثر حذراً، لذلك كل محاولاتنا بقيت محدودة التأثير". هذا الحذر ينعكس بشكل أكثر وضوحاً لدى المستثمرين، الذين وجدوا أنفسهم أمام مشاريع متوقفة ورأسمال مجمّد، وفي هذا السياق يصف واثق حسين، مستثمر عقاري، الوضع بأنه "الأصعب منذ سنوات"، وبحسب ما ذكره لـ"العربي الجديد" يعمل حسين بنظام واضح من خلال شراء الأراضي السكنية بمساحات مختلفة ثم بناء دور عليها بمساحات صغيرة وبيعها.
ويستدرك قائلاً: "لكن الآن أوقفت عملي لأن الاستمرار يعني ضخ أموال في سوق لا يتحرك"، لافتاً إلى أن رأس ماله موزع على ثمانية منازل أنهى بناءها منذ نهاية العام الماضي، بالإضافة إلى عشرين قطعة أرض سكنية كان ينوي المباشرة ببنائها قبل بدء حالة الركود. وفي الطرف الآخر من المعادلة، يقف المواطنون الذين كانوا يخططون لتحركات مالية، لكنهم تراجعوا تحت ضغط القلق. رحيم العيساوي، صاحب مخبز، يقول لـ"العربي الجديد" إن خطته كانت واضحة قبل أن تتبدل الظروف: "كنت أنوي بيع المخبز والدخول في مشروع آخر، ربما في مجال أكثر ربحية. درست الأمر جيداً، وكنت مستعداً للمخاطرة. لكن مع هذه الأوضاع، كل شيء توقف".
ويشرح أسباب تراجعه، موضحاً: "اليوم، لا أحد يستطيع أن يتوقع ما سيحدث. إذا توسعت الحرب، قد تتأثر الأعمال كلها". أما مصطفى علي، وهو موظف حكومي، فيروي لـ"العربي الجديد" كيف اصطدمت خطته لبناء منزل بالواقع الجديد: "كنت على وشك شراء قطعة أرض سكنية، واتفقت مع البنك على قرض لبناء منزل. كنت أرى أن هذه خطوة استقرار لي ولعائلتي. لكن الآن أعتقد أن التوقيت غير مناسب".
هذه القرارات الفردية، كما يوضح الخبير الاقتصادي علي الجحيشي لـ"العربي الجديد"، تشكل في مجموعها صورة الركود الحالي، مضيفاً: "ما يحدث في سوق العقارات ليس مجرد أزمة عرض وطلب، بل أزمة ثقة. عندما يشعر الأفراد والمستثمرون بأن البيئة غير مستقرة، فإنهم يؤجلون قراراتهم، وهذا يؤدي إلى تجميد السوق". وعن مستقبل السوق، يرى الجحيشي أن التعافي ممكن، لكنه مشروط بـ"عودة الاستقرار الأمني إلى منطقتنا".
