Arab
دخل المشهد السياسي في ليبيا، مرحلةً جديدة من التعقيد، مع توازي مسارين للحل: مسار أممي تقوده البعثة الأممية عبر خريطة طريق سياسية شاملة تستهدف إعادة بناء الإطار السياسي وصولاً إلى الانتخابات، ومسار آخر يرتبط بتحركات أميركية غير معلنة في ليبيا تدفع نحو تفاهمات تدريجية بين سلطتي طرابلس وبنغازي باعتبارهما الفاعلين الأكثر تأثيراً على الأرض. وفي ظلّ تزامن هذين المسارين وغياب إعلان رسمي من جانب كل منهما، يحدد طبيعة العلاقة بينهما، تتزايد التساؤلات عن حدود التقاطع أو التباعد بينهما.
خريطة الطريق الأممية
وتقوم خريطة الطريق الأممية، التي أعلنتها رئيسة البعثة هانا تيتيه في 21 أغسطس/ آب 2025، على ركنين أساسيين: يتمثل الأول بمراجعة القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات، وقد أُوكل تنفيذ هذه المهمة إلى مجلسي النواب والدولة، بينما يقوم الثاني على إطلاق "الحوار المهيكل" بمشاركة نحو 120 شخصية ليبية من مجالات الأمن والاقتصاد والحوكمة والمصالحة الوطنية، بهدف صياغة توصيات تمهد لإجراء الانتخابات في ليبيا وتوسيع قاعدة التوافق السياسي. ورغم انطلاق مشاورات بين مجلسي النواب والدولة بشأن تنفيذ الركن الأول، فإن الخلافات بينهما تصاعدت لتصل إلى حالة من الجمود السياسي دون التوصل إلى اتفاق، في حين أطلقت البعثة مسار الحوار المهيكل منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، ولا يزال هذا المسار مستمراً حتى الآن دون أن يفضي إلى نتائج ملموسة.
المقاربة الأميركية تقوم على بناء تفاهمات تدريجية بين سلطتي طرابلس وبنغازي باعتبارهما الفاعلين الفعليين على الأرض
مقاربة مسعد بولس
بالتوازي مع ذلك، برزت مقاربة أميركية غير معلنة في ليبيا ترتبط بتحركات يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، تمثلت بتنظيم لقاءات مباشرة بين ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر في بنغازي، خلال اجتماعين عُقدا في روما في سبتمبر/ أيلول الماضي، وفي باريس في يناير/ كانون الثاني الماضي. وتعكس مخرجات هذين اللقاءين، أن المقاربة الأميركية تقوم على بناء تفاهمات تدريجية بين سلطتي طرابلس وبنغازي باعتبارهما الفاعلين الفعليين على الأرض، إذ توصل الطرفان إلى اتفاق مشترك لتوحيد الميزانية العامة للدولة في العاشر من إبريل/ نيسان الحالي، وشاركا ضمن قوة عسكرية مشتركة في تدريبات "فلينتلوك 2026" العسكرية التي نظمتها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في سرت منتصف شهر إبريل الحالي (بحسب السفارة الأميركية في ليبيا، لعبت إيطاليا دوراً قيادياً مهماً في التخطيط للتمرين ودعم تنفيذه في ليبيا). ومع ذلك، لا يزال هذا المسار غير مكتمل على الصعيد السياسي، رغم تداول حديث عن إمكانية عقد جولة جديدة في واشنطن تجمع الطرفين لبحث صيغة أوسع لتوحيد السلطة بين الشرق والغرب.
ورغم هذا التوازي في التحركات، لم يُعلن أي ربط رسمي بين المقاربة الأميركية وخريطة الطريق الأممية، إذ يكتفي مسعد بولس في معظم تصريحاته بالتشديد على دعم جهود الأمم المتحدة، مع اعتبار أن التقدم في المسارين العسكري والاقتصادي اللذين رعاهما يمكن أن يشكل قاعدة لتوحيد المؤسسات السياسية الليبية لاحقاً. في المقابل، تكتفي البعثة الأممية بالترحيب بما تحقق من تقدم على الصعيدين العسكري والاقتصادي دون تبني أي مقاربة خارج إطارها الرسمي.
غير أن إعلان رئيسة البعثة هانا تيتيه خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن (الأربعاء في 22 إبريل الحالي) تطوراً جديداً داخل إطار المسار الأممي، تمثل بإنشاء "طاولة مصغرة" ضمن خريطة الطريق، أثار قدراً من الالتباس بشأن موقع هذا التطور ضمن العلاقة بين المسارين. وتضم هذه الآلية ثمانية ممثلين، أربعة عن حكومة الوحدة والمجلس الأعلى للدولة، وأربعة عن مجلس النواب وقيادة حفتر، على أن تتولى معالجة ملفي القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات، وهما الملفان اللذان تعثر فيهما التوافق بين مجلسي النواب والدولة.
المسار الأممي لا يزال متمسكاً بخيار الانتخابات كمدخل رئيسي للحل
وتتجه البعثة الأممية إلى عقد أولى جلسات لجنة الحوار الليبية المصغرة "4+4"، اليوم الأربعاء، في روما، فيما أفادت مصادر ليبية مطلعة لـ"العربي الجديد" بأن البعثة تنوي عدم حصر نقاشات أطراف الطاولة في ملفي القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات ضمن الجوانب القانونية والفنية فقط، بقدر ما يسير توجهها الحالي نحو معالجة أوسع تتعلق ببناء الإطار المحيط بالعملية الانتخابية، من خلال تفكيك العوائق التي عطلت المسار الانتخابي في السابق، وعلى رأسها الملفات الأمنية والقضائية، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة الموحدة ومسار الانتخابات، قبل الانتقال لاحقاً إلى النقاشات الفنية والقانونية. وأشارت المصادر إلى أن تيتيه وفريقها لا يخفيان قلقاً متزايداً من انعكاسات المقاربة الأميركية على العملية السياسية، من زاوية أنها فرضت واقعاً من التقارب المباشر بين حكومة الوحدة الوطنية وقيادة حفتر، ما رسّخ الطرفين مركزين فعليين للقرار خارج الإطار الأممي التقليدي، وهو ما تعتبره البعثة تحدياً محتملاً لمسارها في حال تطوره إلى خلق صيغة "هجين سياسي" ترسخ سلطة الطرفين بشكل دائم خارج الأطر المؤسسية. وفي محاولة للتعامل مع هذا الواقع، يبدو أن البعثة اتجهت إلى اعتماد الطاولة المصغرة كآلية لاحتواء هذا المسار بدلاً من موازاته أو تركه يتطور بشكل منفصل.
ومنذ بدء تسرب الأسماء المرشحة للمشاركة في "الطاولة المصغرة" قبل نحو أسبوعين، تباينت مواقف الأطراف الليبية حيال الخطوة الأممية الجديدة، ففيما التزمت الحكومة في طرابلس وقيادة حفتر في بنغازي الصمت، أعلن كل من المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة رفضهما للطاولة، مطالبين البعثة الأممية بتقديم توضيحات عاجلة بشأن طبيعتها وإطارها الشرعي. واعتبر المجلس الرئاسي أن طرح الطاولة دون "إجماع وطني" قد يدفع البلاد نحو "مسارات غير محسوبة، فيما اتهم المجلس الأعلى للدولة البعثة و"بعض الأطراف الدولية" بالسعي لـ"فرض شخصيات وصياغات" تستهدف السيطرة على السلطة وموارد الدولة. ويوم الاثنين الماضي (27 إبريل)، أكدت تيتيه أن "الاجتماع المصغّر" المقترح لن يحل محل "الحوار المهيكل"، مشددة على أنه يمثل آلية تكميلية لمعالجة المعوقات المحددة المرتبطة بالإطار الانتخابي والهيئة العليا للانتخابات، فيما يظل "الحوار المهيكل" المسار الرئيسي لصياغة رؤية وطنية شاملة بقيادة وملكية ليبية. من جهته، قال رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، مساء أول من أمس الاثنين، خلال استقباله تيتيه، إن الأولوية لحل الأزمة السياسية في ليبيا تتمثل بالتوصل إلى إطار انتخابي "واضح وقابل للتطبيق" يمهد لإجراء انتخابات وطنية.
وفي مقابل رفض المجلس الأعلى للدولة لـ"الطاولة المصغرة"، خيّم الصمت على مجلس النواب، الذي لم يصدر عنه أي موقف رسمي تجاه الخطوة، سواء بالتأييد أو الاعتراض. وتحفظ المتحدث باسم مجلس النواب عبد الله بليحق في حديث مع "العربي الجديد" عن إبداء موقف بشأن المقاربة الأميركية، مشيراً إلى أن المجلس لم يتلق أي إحاطة أو تواصل رسمي بشأنها. وبشأن الخريطة الأممية، أكد دعم مجلس النواب وتعاطيه معها، فيما رفض التعليق على مشاركة عضوين من المجلس ضمن "الطاولة المصغرة".
وفي قراءة لطبيعة العلاقة بين المسارين، الأممي والأميركي، يرى الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي رمضان النفاتي، أن حالة "التداخل" القائمة بينهما تعكس مستوى التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة الليبية، حيث بات المساران يتحركان داخل "المساحة السياسية نفسها، لكن بأدوات وأولويات مختلفة".
ويشير النفاتي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن المسار الأممي لا يزال متمسكاً بخيار الانتخابات مدخلاً رئيسياً للحل، وهو ما يظهر في تركيز "الطاولة المصغرة" على معالجة القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات، بعد تعثر مجلسي النواب والدولة في إنجازها. لكنه يلفت في المقابل إلى أن إشراك البعثة ممثلين عن سلطتي طرابلس وبنغازي في الطاولة قد "يفتح الباب أمام نقاشات تتجاوز الملف الانتخابي إلى مسألة تشكيل سلطة موحدة"، خصوصاً أن خريطة الطريق الأممية ربطت منذ إعلانها بين تشكيل حكومة جديدة وإنجاز التوافق على القاعدة الانتخابية.
رمضان النفاتي: إذا لم يعترف كل من المسارين بالآخر بشكل واضح، فستجد ليبيا نفسها نحو إدارة مزدوجة للأزمة الليبية
وبشأن المقاربة الأميركية، يوضح النفاتي أنها انطلقت من مسار مختلف يقوم على التفاهم المباشر بين القوى المسيطرة على الأرض، معتبراً أن واشنطن تتجه نحو بناء تسوية "من الأعلى" عبر الفاعلين القادرين على فرض الوقائع ميدانياً، بينما تتحرك البعثة الأممية "من الأسفل عبر محاولة ترميم الشرعية المؤسسية لمجلسي النواب والدولة".
إشكالات لتسوية بعيدة في ليبيا
ورغم هذا الاختلاف، يرى النفاتي أن المسارين يلتقيان عند قناعة مشتركة تتمثل باستحالة "العودة إلى نقطة الصفر السياسي"، انطلاقاً من أن الانقسام القائم في ليبيا بات "نتاج خلل بنيوي ترسخ خلال السنوات الماضية"، ولم يعد ممكناً تجاوزه عبر صيغ الحوارات التقليدية السابقة. ويلفت إلى أن أحد أبرز أوجه التباين بين المسارين يتعلق بترتيب الأولويات، فبينما تعتبر البعثة الأممية أن "الانتخابات تمثل المدخل لإعادة إنتاج الشرعية"، تنظر المقاربة الأميركية إلى الانتخابات باعتبارها "مرحلة لاحقة يمكن أن تأتي بعد تثبيت تفاهمات أمنية واقتصادية بين الشرق والغرب". ويعرب النفاتي عن قلقه من استمرار هذا "التوازي غير المعلن" بين المسارين، معتبراً أنه "أخطر ما في المشهد حالياً"، لأن "التقارب بينهما في الظاهر، بينما يتحرك كل طرف بأدوات مختلفة، وإن لم يعترف كل منهما بالآخر بشكل واضح، فستجد البلاد نفسها نحو إدارة مزدوجة للأزمة الليبية".
وبشأن إمكانية تلاقي المسارين لاحقاً، يرى النفاتي أن المقاربة الأميركية قد تحتاج بالفعل إلى غطاء أممي يمنحها شرعية دولية، خصوصاً أن واشنطن لا تزال تبني على ما تحقق في المسارين العسكري والاقتصادي. لكنه يعتبر أن هذا التلاقي "لا يزال بعيداً"، موضحاً أن إنشاء "الطاولة المصغرة" لا يعكس تغيراً كاملاً في رؤية البعثة بقدر ما يمثل تماهياً مع ضغط الواقع الذي فرضته التحركات الأميركية عبر الفاعلين في سلطتي طرابلس وبنغازي. ويشير في هذا الصدد إلى أن إشراك البعثة ممثلين عن مجلسي النواب والدولة داخل "الطاولة المصغرة" يعكس "محاولةً للحفاظ على الغطاء المؤسسي وعدم ترك إدارة التفاهمات بالكامل للقنوات التي فتحتها واشنطن بين سلطتي طرابلس وبنغازي، ما يعني أنه لا يمثل تقارباً أممياً كاملاً من المقاربة الأميركية".
وينتهي النفاتي إلى أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بمدى تقارب المسارين أو تباعدهما، بل بقدرتهما على الاستمرار وإنتاج تسوية مستقرة، متسائلاً عما إذا كان أي منهما يمثل مشروعاً لحل دائم للأزمة الليبية، أو مجرد ترتيبات مؤقتة تخدم مصالح مرحلية، سواء بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو للبعثة الأممية. ويربط النفاتي تباين المواقف الليبية بحالة الغموض التي لا تزال تحيط بطبيعة العلاقة بين المسارين، مشيراً إلى أن غياب مواقف إقليمية واضحة من أطراف مؤثرة مثل مصر وتركيا والدول الأوروبية، يؤكد أن المسارين "لا يزالان في طور التشكل أكثر من كونهما دخلا فعلياً مرحلة التنفيذ السياسي الكامل".

Related News
ناتشو بعد الفوز على النصر: القادسية شرس
aawsat
2 minutes ago
«الدوري الإيطالي»: كييفو بطلا مع إنتر كلاعب ومدرب
aawsat
13 minutes ago
دوري يلو: الدرعية يعزز وصافته... والباطن ثاني المودعين
aawsat
14 minutes ago
«الدوري الإيطالي»: لاعبون لعبوا الدور الرئيس في تتويج إنتر
aawsat
15 minutes ago