مانجو تهامة: محصول وفير وأسعار منهارة
Reports and Analysis
4 hours ago
share

في ظل صيف تهامة، يقف المزارع علي سعيد، (42 عاما)، بين أشجار المانجو التي رافقته لسنوات طويلة، يتفحّص الثمار التي امتلأت بها أغصان بستانه، يمرر بيده على بعض الحبات الناضجة، لكن نظراته لا تحمل فرح الحصاد بقدر ما تعكس قلقا من سوق لا يرحم.

يقول علي لـ”ريف اليمن”: “إن هذا الموسم لا يشبه ما سبقه؛ فوفرة الإنتاج تحوّلت إلى عبء ثقيل، إذ انهارت الأسعار إلى مستويات لا تغطي حتى تكاليف الريّ والعناية والنقل”، وفق ما نقله عن واقع المزارعين في منطقته.

يشير علي إلى أن ما يحدث ليس أزمة إنتاج، بل أزمة تسويق وتنظيم، موضحا أن انخفاض الأسعار في السوق المحلي انعكس سلبا على المزارعين إذ أصبح يبيع محصوله بأثمان زهيدة خوفا من تلفه.

ويؤكد أن المزارعين يقفون وحدهم في مواجهة هذه الخسائر، دون دعم حقيقي أو حلول، ما يهدد استمرارية زراعة المانجو في تهامة، التي تعد مصدر رزق رئيسي لآلاف الأسر.


مواضيع مقترحة


في مشهد مواز من محافظة الحديدة، يروي الحاج سالم إبراهيم الأهدل، أحد كبار المزارعين، قصة لا تقل قسوة عن سابقاتها، إذ يشير الأهدل إلى أن الإنتاج هذا العام وفير جدا، لكن صعوبات التصدير تقف حاجزا أمام تصريفه، موضحا أن تكلفة نقل البرّادات عبر الطرق البعيدة تصل إلى نحو 30 ألف ريال سعودي، وهو رقم يرهق المزارعين ويقلّص هامش الربح.

ويضيف لـ”ريف اليمن” أن فتح منافذ نقل جديدة، مثل طريق الطوال، يمكن أن يخفّض التكلفة إلى ما بين 3000 و4000 ريال سعودي، ما قد ينعكس إيجابا على الأسعار، مؤكدا أن الحل يكمن في التوجّه نحو التصنيع، وتحويل الفائض إلى منتجات ذات قيمة مضافة مثل العصائر والتعليب.

ويرى أن غياب هذه الصناعات يجعل السوق المحلي غير قادر على استيعاب الإنتاج، ما يؤدي إلى خسائر فادحة للمزارعين، منوها أن مستقبل القطاع الزراعي مرتبط بفتح الأسواق وتحسين البنية التحتية.

مانجو تهامة: محصول وفير وأسعار منهارة

وفرة إنتاج مانجو تهامة

تشير المعطيات التي قدّمها مدير عام الإدارة العامة للبرامج والأنشطة الإرشادية، يوسف صبرة، لـ”ريف اليمن”، إلى أن السبب الرئيسي لانهيار أسعار المانجو يعود إلى التوسّع الكبير في الإنتاج، ما أدى إلى زيادة المعروض بشكل يفوق قدرة السوق المحلي على الاستيعاب.

ويوضح أن الإنتاج تجاوز 100 ألف طن من المانجو المُعدّة للتصدير، نتيجة التوسّع في المساحات المزروعة، وهو ما تسبب في هبوط حاد في الأسعار بسبب الفائض.

ويضيف صبرة أن الحلول تبدأ من تقليل التوسّع العشوائي في زراعة المانجو، والتوجّه نحو زراعة محاصيل بديلة تُسهم في تخفيف الضغط على السوق المحلي، كما يشير إلى أهمية توجيه المزارعين، عبر الجمعيات التعاونية والجهات المحلية، نحو محاصيل تدخل ضمن فاتورة الاستيراد، بما يحقق التوازن في الإنتاج ويعزّز الاستفادة الاقتصادية، وفق رؤيته.

بدوره يرى المزارع أبكر معوضة، أحد كبار مزارعي تهامة، أن الأزمة ليست جديدة، بل هي نتيجة تراكمات خلال موسمي 2024 و2025، حيث وصل الإنتاج إلى نحو 381 ألف طن، بينما لم يتمكّن السوق المحلي من استيعاب هذه الكمية.

ويضيف خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، أن الأسعار هبطت بشكل كبير، من مستويات كانت تتراوح بين 1000 و1500 ريال للكيلوغرام، إلى ما بين 100 و200 ريال، بل في بعض المناطق انهارت الأسعار من 1500 ريال إلى 20 ريالًا فقط”

يؤكد معوضة أن السبب الأساسي يتمثل في غياب قنوات التصدير الفعّالة، إلى جانب ضعف القوة الشرائية للمواطنين، فضلا عن غياب التخطيط الزراعي، وعدم وجود “خريطة إنتاج” تُنظّم المواسم، وكلها أدت إلى تزامن الحصاد، ما تسبب في تدفّق كميات ضخمة إلى السوق دفعة واحدة.

سوق بلا تخطيط

يرى عدد من الخبراء أن المشكلة لا تتعلق فقط بالإنتاج، بل تمتد أيضا إلى الظروف الاقتصادية العامة، إذ يؤكد المهندس عبد الرؤوف الصبري، مدير الإدارة العامة للتسويق والتجارة الزراعية في وزارة الزراعة، لـ”ريف اليمن”، أن ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، نتيجة الوضع الاقتصادي، كان له أثر مباشر في انخفاض الطلب، ما ساهم في انهيار الأسعار.

ويشير الصبري إلى وجود تحديات كبيرة في التصدير، من بينها ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة الإجراءات، إضافة إلى أن المانجو ليست من المحاصيل التي يمكن تخزينها لفترات طويلة، مثل التفاح أو الرمان، ما يفرض ضغطا على المزارع لتصريف محصوله بسرعة، مؤكدا أن حجم الصادرات هذا العام أقل من الأعوام السابقة، وهو ما زاد من حدّة الأزمة.

ويقترح حلولا للمشكلة، أحدها يتمثل في الاستثمار في التصنيع، كإنشاء مصانع لتحويل المانجو إلى لُبّ مركز أو منتجات مجففة، وهو ما من شأنه تقليل الفاقد وخلق فرص عمل جديدة، كما يشير إلى أن بعض المصانع الحالية لا تؤدي دورها بالشكل المطلوب، ما يعكس الحاجة إلى رقابة وتنظيم أكبر، وفق تصريحه.

من جهته يرى المهندس الزراعي صِدِّيق جبريل أن غياب التخطيط الزراعي و”الخارطة الزراعية” يُعدّ من أبرز أسباب الأزمة، حيث أدى إلى نضج كميات كبيرة من المانجو في وقت واحد، ما تسبب في “غرق السوق”، ويضيف أن ضعف البنية التحتية للتخزين والتبريد أدى إلى فقدان ما بين 20% و30% من قيمة المحصول قبل وصوله إلى المستهلك.


صِدِّيق جبريل: ضعف البنية التحتية للتخزين والتبريد يسبب فقدان ما بين 20% و30% من قيمة المحصول قبل وصوله للمستهلك


ويؤكد جبريل أن الحلول تكمن في إنشاء منظومة متكاملة تشمل التخزين المبرد، والتصنيع الزراعي، وتحسين سلاسل التوريد، بما يحوّل المانجو من منتج طازج سريع التلف إلى منتج صناعي يمكن تخزينه وتسويقه على مدار العام.

غياب التصنيع 

تتفق العديد من الآراء على أن غياب الصناعات التحويلية يُعدّ من أبرز التحديات التي تواجه قطاع المانجو في اليمن، ويشير الخبراء إلى أن نقص المصانع المتخصصة في إنتاج العصائر والمركزات والمجففات يجعل السوق يعتمد بشكل شبه كامل على بيع المنتج الطازج، وهو ما يؤدي إلى تكدّس الإنتاج وانخفاض الأسعار.

ويؤكد أبكر معوضة أن وجود مصانع تحويلية يمكن أن يغيّر المعادلة بالكامل، إذ يسهم في امتصاص الفائض وتحويله إلى منتجات قابلة للتخزين والتصدير، كما يوضح أن ضعف الاستثمار في هذا المجال تسبب في خسائر كبيرة، رغم توفر المادة الخام بكميات ضخمة.

أما المهندس عبد الرؤوف الصبري أوضح أن بعض المبادرات بدأت بالفعل، مثل إنشاء مصانع للمركزات، إلا أن هذه الجهود لا تزال محدودة وتحتاج إلى دعم حكومي واستثمارات أكبر. ويشير إلى أن توطين الصناعات الزراعية يمكن أن يسهم في تقليل الاستيراد بنسبة تصل إلى 40%، ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني.

ويضيف أن الاستثمار في الصناعات التحويلية لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يشمل أيضا تحسين دخل المزارعين، وتوفير فرص عمل، وتعزيز الاستقرار الزراعي، وهو ما يتطلب سياسات واضحة ودعما مستمرا.

تحديات التصدير

تعد مسألة التصدير واحدة من أبرز التحديات التي تواجه قطاع المانجو، حيث يشير الحاج سالم الأهدل إلى أن ارتفاع تكاليف النقل يشكّل عائقًا كبيرًا أمام المزارعين، ويوضح أن تكلفة نقل البرّادات عبر الطرق الطويلة تصل إلى مستويات مرهقة، ما يدفع المصدّرين إلى تقليل الكميات أو خفض الأسعار.

ويؤكد الأهدل أن فتح طرق جديدة، مثل منفذ الطوال، يمكن أن يخفّف من هذه التكاليف بشكل كبير، ما يسهم في تحسين أسعار المانجو وزيادة جدوى التصدير، كما يشير إلى أن تطوير البنية التحتية للنقل يُعد خطوة أساسية لدعم القطاع الزراعي.

ومن ناحية أخرى، يرى المزارع صالح الأوزري أن غياب الأسواق الخارجية يحد من فرص تصريف الإنتاج، خاصة أن المانجو اليمنية تتمتع بجودة عالية وموسم مبكر. ويؤكد أن فتح أسواق جديدة وتنظيم عمليات التصدير يمكن أن يساهما في تحسين الوضع.

ويخلص الأوزري أن غياب تنظيم عملية التسويق وضع المزارع في موقف ضعيف أمام الوسطاء، ما أدى إلى انخفاض الأسعار بشكل كبير، ويؤكد أن مزارعي تهامة يواجهون هذه التحديات وحدهم، دون دعم حقيقي.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows