قراءة تحليلية معمقة لمقال الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري: «صراع الأقطاب»
Party
1 week ago
share

الرشاد برس | تقريــــر
في وقت يعيش فيه العالم مخاضًا عسيراً لإعادة تشكيل موازين القوى، يأتي مقال الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري -حفظه الله- المعنون بـ«صراع الأقطاب» ليقدم مقاربة فكرية مغايرة، تمزج بين “فلسفة التاريخ” و”الواقعية السياسية”. لا يكتفي العامري في هذا النص برصد الأحداث، بل يغوص في الأسباب العميقة التي تحرّك الجغرافيا السياسية، مقدِّمًا رؤية نقدية متوازنة تتجاوز الخطاب التقليدي إلى فضاء “الوعي السيادي”.
العودة إلى “النمط” لا إلى “الحدث”
ينطلق الدكتور العامري من قاعدة معرفية صلبة، حيث يستدعي القرن السابع الميلادي كمرجع استراتيجي. العودة هنا ليست من باب السرد التاريخي المجرد، بل هي محاولة لفهم “قوانين الصراع”.
التموضع القرآني: يربط العامري بين صراع الفرس والروم (الساسانيين والبيزنطيين) كما ورد في سورة الروم، وبين الصراع الحالي. الفكرة الجوهرية هنا هي أن الصراعات الكبرى بين “الأقطاب الخارجة عن محيط الأمة” تؤدي بالضرورة إلى استنزاف متبادل.
الفراغ الاستراتيجي: يشير التحليل إلى أن انهيار القوى العظمى قديمًا فتح الباب أمام المشروع الإسلامي الناشئ، وهو ما يسقطه العامري على الواقع المعاصر؛ حيث يرى أن الصراع الحالي بين المحاور الإقليمية والدولية قد يخلق “فجوة تاريخية” تسمح للأمة العربية بالانبعاث من جديد، إذا أحسنت القراءة والمناورة.
تشريح “كماشة” المشروعات الإقليمية
يضع العامري المشهد العربي والإسلامي بين فكّي كماشة، محلِّلاً طبيعة المحركين الأساسيين للصراع في المنطقة بنبرة تتسم بالموضوعية والجرأة:
المحور الصهيوني-الغربي (الإرث الروماني المتجدّد):
يُحلِّل المقال المشروع الصهيوني ليس ككيان معزول، بل كـ”أداة وظيفية” للحضارة الغربية بقيادة واشنطن. يرى العامري أن هذا المحور يسعى لإدامة حالة التبعية من خلال إبقاء القضايا المركزية (وعلى رأسها القدس) في حالة نزيف مستمر، لضمان استنزاف الأنظمة العربية وإبقائها داخل فلك التحالفات الغربية الإجبارية.
المحور الإيراني (الصفوية الجديدة والولي الفقيه):
هنا يظهر نضج التحليل عند العامري؛ فهو ينتقد المشروع الإيراني بوصفه “مشروع توسُّع ميليشاويٍّ” يتغطّى برداء المقاومة. يوضِّح المقال كيف تُستخدم أيديولوجيا “الولي الفقيه” لتجاوز حدود السيادة الوطنية للدول العربية، محذِّرًا من الاستغلال الديني لتحقيق مآرب جيوسياسية إمبراطورية. اللافت في صياغة العامري هو ابتعاده عن الطائفية الفجّة، وتركيزه على النقد السياسي للمشروع التوسُّعي الذي يفتِّت الجغرافيا العربية.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث في العلوم السياسية “أكرم الوراد” أن مقال الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري يطرح رؤية عميقة مفادها أن الصراع بين الأقطاب الكبرى (الصهيوني-الغربي من جهة، والإيراني التوسُّعي من جهة أخرى) ليس مجرَّد أزمة للمنطقة، بل هو “فرصة تاريخية”.
ويضيف أن انشغال هذه القوى في استنزاف بعضها البعض يقلِّل من قبضتها المركزية، مما يتيح للدول العربية مساحة للمناورة السياسية لم تكن متاحة في عهود القطبيّة الأحادية.
ويضيف الوراد أن المقال يمتاز بالجرأة السياسية في تسمية الأشياء بمسمياتها دون مواربة، حيث ركَّز على:
تفكيك “الوظيفيّة الصهيونيّة”: المقال يُحلِّل الكيان الصهيوني كأداة لإبقاء المنطقة في حالة “انعدام وزن” سياسيٍّ، وهو تحليل يتسق مع مدرسة الواقعيّة التي ترى في الهيمنة الغربيّة وسيلة لتعطيل النهوض العربي.
مواجهة “الإمبرياليّة الأيديولوجيّة”: ينتقد المقال المشروع الإيراني ليس من منطلق عقديٍّ فحسب، بل من منطلق “سيادة الدولة الوطنيّة”. فهو يرى في تمدُّد الميليشيات تقويضًا لمفهوم الدولة، وهو موقف سياسيٌّ بامتياز ينحاز لمركزيّة الدولة العربيّة في مواجهة الفوضى الإقليميّة.
وعي الشعوب ونبض القادة
ينتقل العامري من تحليل “القمّة” إلى رصد “القاعدة”، مستعرضًا تحولات الوعي في المجتمعات العربيّة:
اليقظة السياديّة: يلاحظ المقال أن الشعوب العربيّة لم تعد تنظر إلى العدوِّ من زاوية واحدة، بل باتت تدرك خطر “التمدُّد الإقليميِّ” الذي يهدِّد الهويّة الوطنيّة بقدر ما يهدِّدها الاحتلال السافر.
عقلانيّة النخب الجديدة: يُشِدُّ العامري بما يسمِّيه “البراغماتيّة الحصيفة” لبعض القادة العرب الجُدُد، الذين بدَأُوا في ممارسة سياسة الندِّيَّة مع القوى الكبرى، والبحث عن مخارج للأزمات البينيّة بعيدًا عن التدخُّلات الخارجيّة التي تستثمر في “الخلافات العربيّة” لإدامة الهيمنة.
ركائز النهوض (استراتيجيّة الحلّ)
لا يترك العامري القارئَ في دوامة التشخيص، بل يطرح ثلاثة مرتكزات عمليّة لبناء “القطب العربيِّ” المستقلِّ:
الندِّيَّة الاستراتيجيّة: رفض التبعُّيَّة العمياء والتعامل مع القوى العظمى كشركاء مصلحيِّين.
التكتُّلات الإقليميّة: ضرورة بناء تحالفات أمنيّة واقتصاديّة عربيّة-إسلاميّة صلْبَة تُنهِي زمن الاستقطاب.
القوَّة الذاتيّة: الربط المحكَم بين “الهويّة الثقافيّة” و”السيادة التكنولوجيّة والاقتصاديّة”.
خلاصة وإشادة
إنَّ مقال «صراع الأقطاب» يُثْبِتُ أنَّ الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري ليس مجرَّد فقيه وعالم يقرأ النصوص، بل هو “مفكِّر استراتيجيٌّ” يقرَأُ الواقع بعيون بصيرة. تمتاز كتابتُه بـ:
الرقيِّ اللغويِّ: صياغة رصينة تجمع بين فصاحة البيان ودقَّة المصطَّلَحات السياسيّة الحديثة.
الاتِّزان الفكريِّ: القدرة على نقد الآخَرِ (سواء كان غربيًّا أو إقليميًّا) دون الوقوع في فخِّ التحرِّيض الغوغائيِّ، بل من خلال تفكيك المصالح والمشاريع.
الرؤْيَةُ الاستشرافيّة: تحويل التشاؤُمِ من الواقع إلى طاقةِ عملٍ وتخطيطٍ للمستقبل.
بناءً على ما تقدَّمَ، يُعَدُّ هذا المقالَ نموذَجًا يُحْتَذَى به في الصَّحَافَةِ التحليليَّةِ الرَّفيعَةِ، حيث نَجَحَ العَامِرِيُّ في أَنْ يَكُونَ صَوْتًا لِلْعَقْلِ، وَمُدَافِعًا عَنِ السِّيَادَةِ، وَمُنْظِرًا لِنَهْضَةٍ عَرَبِيَّةٍ شَامِلَةٍ تَنْطَلِقُ مِنْ فَهْمِ التَّارِيخِ لِتَصْنَعَ الْمُسْتَقْبَلَ.

http://قراءة تحليلية معمقة لمقال الشيخ الدكتور محمد بن موسى العامري: «صراع الأقطاب»

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows