وسط تحولات استراتيجية يمكن أن تعيد رسم خارطة الأمن العالمي، أشعلت الحرب على إيران أزمة جديدة داخل الناتو، بسبب عدم تلبية نداء الرئيس الأمريكي بخصوص مضيق هرمز، أو نظراً لرفض العديد من دول الحلف تقديم تسهيلات لواشنطن أو فتح الاجواء أمام طيرانها.
هكذا، يواجه حلف شمال الأطلسي اليوم “ساعة الحقيقة” حيث لم تعد التصدعات داخل الحلف مجرد تباين عابر في الرؤى، بل تحولت إلى أخطر أزمة وجودية منذ التأسيس عام 1949. تأتي هذه الهزة الارتدادية كأنها امتداد للمواجهة التي فجرت ألغام الخلافات السياسية والعسكرية الكامنة، ودفعت بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو حافة القطيعة النهائية بإطلاقه تهديدات مباشرة بالانسحاب.
في هذا الصدد، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن على الإدارة إعادة تقييم قيمة حلف الناتو.
من جانبه، وصف ترامب بعض الحلفاء بـ"الجبناء" ووصف الحلف بأنه "نمر من ورق". وتبعاً لذلك، يدرس الرئيس ترامب خطةً لنقل القوات الأمريكية المتمركزة في دول حلف شمال الأطلسي التي يعتبرها "غير متعاونة" في الصراع مع إيران.
ويُعدّ هذا المقترح أحد الخيارات العديدة التي يدرسها البيت الأبيض للضغط على حلفائه الذين رفضوا طلباته. في المقابل يعتبر دبلوماسي ألماني ( بلاده معنية بالتلويح الأمريكي) أن" كل طرف يتكتم على نواياه، إذ تناور الولايات المتحدة ، لكنها مصممة على الاحتفاظ بهذه القواعد لشبكتها العالمية. وبينما نحن في أوروبا نخشى بشدة أن تُسحب هذه القواعد، بالرغم من إدراكنا ان الوجود العسكري الأمريكي غير طبيعي".
ومن الاحتمالات أن تتطلع واشنطن نحو بولندا ورومانيا وليتوانيا واليونان، التي تركز عليها واشنطن في أولوياتها على الجناح الشرقي للناتو.
يجد الناتو نفسه إزاء امتحان جديد، مع تراجع الانخراط الأوروبي في مواجهة إيران بحجة التركيز على الجبهة الروسية، بالتوازي مع تهديدات ترامب المتكررة بالانسحاب وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.
هذا التباين يضرب جوهر التضامن داخل الحلف ويضع مبدأ الدفاع الجماعي أمام اختبار حقيقي قد يعيد رسم مستقبل الناتو، وربما يفتح الباب أمام احتمالات تفككه إذا استمر تآكل الثقة بين ضفتي الأطلسي.
بالرغم من هذه الهزة، يبقى الناتو حاجة لواشنطن والامتدادات العالمي، وحاجة ماسة لاوروبا التي لم تشكل قطبا دفاعيا.
في مطلق الأحوال، يتوجب التذكير أن تفكيك الحلف كان هدفًا رئيسيًا للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، وكان فشله في تحقيق هذا الهدف أحد الأسباب العديدة لهزيمة الكرملين في تلك الحرب. ولذلك آخر ما يحتاجه الغرب المترنح الآن هو خدمة المصالح الصينية والروسية من خلال القيام بأعمالهم نيابةً عنهم.
Related News