Arab
خضعت اللغة المستخدمة في توصيف العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان لانضباط صارم داخل غرف الأخبار الغربية طيلة أسابيع من التصعيد الأخير في مارس/آذار الماضي، وامتداداً لنمطٍ يعود إلى عام 2024.
من لندن إلى واشنطن، استخدمت في التقارير الإخبارية مفردات، مثل "غارات محددة" و"توغلات موضعية" و"عمليات برية محدودة"، تتطابق إلى حدّ كبير مع لغة البيانات العسكرية الإسرائيلية، وتؤجّل عمداً استخدام توصيف أكثر دقة: غزو.
ولم يكن ذلك مجرد خيار لغوي، بل تأخير واضح في تسمية واقع ميداني قائم: قوات برية داخل الأراضي اللبنانية، وتدمير واسع للبنية التحتية، واستحضار مباشر لسياسات التدمير الواسع التي طُبّقت في غزة، وتهجير جماعي، وإشارات سياسية صريحة إلى نية السيطرة طويلة الأمد. ومع ذلك، استمر الخطاب الإعلامي في تخفيف الوصف إلى أن تراكمت الوقائع إلى درجة لم يعد معها ممكناً تجاهل الكلمة.
غير أن هذا الحذر اللغوي بدأ عام 2024؛ حين بدأت قوات الاحتلال الإسرائيلي بالتوغل في جنوب لبنان، عنونت صحف كبرى مثل "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز"، وكذلك شبكة "سي أن أن"، تقاريرها بعبارات مثل "إسرائيل تطلق عملية برية" أو "ترسل قوات إلى جنوب لبنان"، فيما استخدمت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" توصيف "غارات برية"، وتحدثت صحيفة وول ستريت جورنال عن "إرسال قوات". القاسم المشترك بين هذه التغطيات كان في تجنّبها كلمة واحدة: غزو.
تجنب الكلمة ليس مجرد اختيار لغوي، بل يؤثر في إدراك المتابعين وطبيعة الاستجابة السياسية، إذ إن "الغزو" في القانون الدولي يعني دخول قوات دولة إلى أراضي دولة أخرى بقصد السيطرة أو الاحتلال، وهو ما قد يترتب عليه التزامات قانونية بموجب اتفاقيات جنيف، ويُعدّ، وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، عملاً من أعمال العدوان.
بعد نحو عامين من هذا الجدل، ومع تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان مطلع مارس/آذار الماضي، وصلت التغطية الغربية إلى نقطة تحوّل. ففي 26 مارس، أعلنت وكالة أسوشييتد برس الأميركية رسمياً اعتماد مصطلح "غزو" عند الحديث عن "العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان".
واستندت الوكالة العريقة في قرارها إلى معايير واضحة، فاستعادت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بخصوص نيتهم السيطرة على كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وعدم السماح للبنانيين المهجرين بالعودة حتى تقرر إسرائيل أن حدودها الشمالية أصبحت آمنة، وكذلك إعلان جيش الاحتلال نشر فرقة عسكرية إضافية في لبنان، لتنضم إلى قوة تضم آلاف الجنود الذين أُرسلوا إلى الجزء الجنوبي من البلاد منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ثلاثة أسابيع.
ما الذي أخذته "أسوشييتد برس" في الاعتبار؟ اتساع نطاق الهجوم، بما في ذلك عدد القوات أو الفرق المشاركة ومدة القتال، وما إذا كان الهدف هو السيطرة على الأرض أو تهجير السكان، وما إذا كان التحرك هجومياً أم دفاعياً، وكذلك مستوى الخسائر والأضرار. وأشارت إلى أن كلمات مثل "توغل" أو "هجوم" مقبولة أيضاً، ولفتت إلى أن إسرائيل غزت لبنان أربع مرات خلال الخمسين عاماً الماضية (1978، 1982، 2006، 2024).
قرار "أسوشييتد برس" تبعه تحوّل سريع في الخطاب الإعلامي. ففي 27 مارس، بدأت "واشنطن بوست" باستخدام المصطلح، بعد أن كانت تتحدث عن "غارات مركزة". أما "وول ستريت جورنال" فكانت قد سبقت ذلك في 16 مارس بعنوان: "إسرائيل تغزو لبنان وتفتح جبهة جديدة ضد إيران"، ثم عادت في 28 مارس لتشير إلى أوامر بتدمير المنازل في الجنوب، في استراتيجية شبّهتها بما حدث في غزة. وكذلك تبنت الإذاعة الوطنية العامة الأميركية (أن بي آر) المصطلح. واعتمدته "بي بي سي" و"سكاي نيوز" و"ذا غارديان" البريطانية. وانضمت إليها أخيراً "نيويورك تايمز"، فعنونت تقريرها المنشور في 31 مارس بـ"إسرائيل تلمّح إلى خطط لاحتلال جنوب لبنان بعد الغزو البري".
تفادي "الغزو" ليس حياداً لغوياً، بل انحياز لإسرائيل وإعفاء لها من المساءلة
يذكر أنه في 25 مارس، أي قبل يوم واحد من إعلان "أسوشييتد برس" قرارها، حذّرت هيئة تحرير "ذا غارديان" من أن التركيز على الحرب ضد إيران "حجب" ما يجري في لبنان، مشيرة إلى مقتل نحو 1100 شخص ونزوح خُمس السكان، وإلى إعلان وزير الأمن الإسرائيلي إسرائيل كاتس عن "منطقة عازلة" حتى نهر الليطاني، في خطوة رأت أنها تمهّد لاحتلال طويل الأمد.
ما تكشفه هذه المسارات مجتمعة هو أن استخدام كلمة "غزو" لم يكن نتيجة اكتشاف مفاجئ للواقع، بل نتيجة تراكم لا يمكن تجاهله، يتضح أن اللغة الإعلامية تمرّ بمرحلة "تأخير محسوب". ويزداد هذا التباين وضوحاً عند مقارنته بتغطية الحرب في أوكرانيا، حيث استُخدم مصطلح "غزو" خلال ساعات من بدء العمليات، بينما احتاج الأمر في الحالة اللبنانية إلى أسابيع من القتل والتهجير.

Related News
مباشر: إيران تنفي طلب وقف إطلاق النار كما قال ترامب
france24
8 minutes ago