Arab
يُعوّل المغرب على خطة جديدة لتعزيز نزاهة المنظومة التربوية، في وقت تنامت فيه على مواقع التواصل الاجتماعي، خلال السنوات الماضية، حملات تسويق أدوات تكنولوجية متطورة، موجهة للمترشحات والمترشحين، من أجل الغش في الامتحانات. وفي خطوة لافتة، أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، عن حزمة من التدابير غير المسبوقة لتنظيم الامتحانات الإشهادية ومحاصرة ظاهرة الغش، وحماية صدقية الشهادات الوطنية، وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
وتقوم الخطة، التي كشفت عنها مذكرة وزارية بتاريخ 31 مارس/آذار الماضي، موجّهة للمسؤولين التربويين ومديري الأكاديميات، في سياق التنزيل الفعلي لخريطة الطريق 2022-2026، عن مقاربة تربوية استباقية لمعالجة الجذور، من خلال عدم تركيزها على الجانب الزجري فحسب، بل أيضا من خلال مقاربة تربوية متعددة الأبعاد تسعى لمعالجة مسببات الغش من جذورها.
وترتكز الخطة على ضرورة تقليص نسب التعثر الدراسي عبر ضمان استغلال الحيز الزمني للتعلم كاملاً، وتفعيل الدعم المؤسساتي الفوري داخل الفصول الدراسية. إلى جانب البعد النفسي من خلال مواكبة المترشحين قبل وأثناء الامتحانات لتحفيزهم على الاعتماد على قدراتهم الذاتية، مع توفير توجيه مدرسي دقيق ينسجم مع مشاريعهم الشخصية.
ومن أجل التوعية بمخاطر الغش وآثاره السلبية على المستقبل الدراسي، ستعمل الوزارة على إطلاق برنامج عمل يشرك جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ عبر دورات للمجالس التربوية، مع تعبئة مختلف الوسائل الإعلامية للانخراط في هذه الحملة التحسيسية الكبرى.
ولضمان الحياد والشفافية، أحدثت الوزارة تغييرا جوهريا في خريطة تنظيم الامتحانات، حيث تقرر بالنسبة لشهادة الدروس الابتدائية نقل مراكز الامتحان إلى مؤسسات التعليم الثانوي الإعدادي أو التأهيلي مع إسناد الحراسة لأساتذة هذه الأسلاك. وبالمثل، ستُجرى امتحانات السلك الإعدادي داخل الثانويات التأهيلية، مع استثناءات محدودة للوسط القروي تفرض استقدام طواقم إدارية وهيئة حراسة من خارج المؤسسة الأصلية للمترشحين.
وفي ما يخص امتحانات البكالوريا، تم إقرار سقف محدد للطاقة الاستيعابية لا يتجاوز 20 مترشحا في كل قاعة، مع تخصيص فضاءات معزولة للمستفيدين من تكييف المواضيع. في حين، نصّت الإجراءات على اعتماد الترقيم السري الإلزامي والمنع الكلي للأساتذة من تصحيح إنجازات تلاميذ مؤسساتهم الأصلية.
ويبقى لافتا في الخطة المغربية الاعتماد المكثف على التكنولوجيا؛ حيث سيتم تعميم نظام إلكتروني متطور لرصد المعدات الدقيقة التي يصعب كشفها بالوسائل التقليدية. في حين، سيكون لزاما على المترشحين تسليم هواتفهم ووسائلهم الإلكترونية قبل الولوج للقاعات ووضعها في فضاءات مؤمنة لا تُفتح إلا بعد نهاية الحصة.
ولتعزيز الرقابة الشعبية والمؤسساتية، استحدثت الوزارة "خطاً أخضر" على مستوى المركز الوطني للامتحانات والأكاديميات الجهوية، يتيح التبليغ الفوري عن أي خروقات ميدانية. في حين، سيعمل هذا النظام التواصلي بالتوازي مع لجان مراقبة متنقلة وتفعيل الدور المركزي للمفتشية العامة لمراقبة الضوابط المهنية.
وبينما تعتمد وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في خطتها الجديدة على نظام للتتبع الآني يوفر معطيات دقيقة حول سير الامتحانات، مما يسمح بالتدخل الفوري في المراكز التي قد تسجل نسب غش غير طبيعية، تؤكد المذكرة التي أصدرتها الوزارة، أن "نجاح هذه المحطة التاريخية رهين بالإشراف المباشر والانخراط الفعال لجميع المتدخلين"، وأن "التصدي للغش ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو معركة أخلاقية وتربوية لإرساء جودة التحصيل الدراسي وحماية مستقبل الأجيال القادمة".
وفي السنوات الماضية، نشطت على مواقع التواصل الاجتماعي حملات تسويق أدوات تكنولوجية تعزز أساليب الغش في امتحانات البكالوريا، فاضطرت وزارة التربية إلى إصدار قانون في عام 2016، لمنع الغش، تضمن فرض عقوبات تصل إلى السجن من ستة أشهر إلى خمس سنوات، ودفع غرامة بين 5000 درهم (نحو 500 دولار أميركي) إلى 10 آلاف درهم.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم التابعة للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، عبد الإله دحمان، أن التدابير التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة تندرج في سياق سعي متجدد إلى إعادة الاعتبار لصدقية الامتحانات الإشهادية، وذلك في إطار تنزيل مضامين خريطة الطريق 2022-2026، معتبرا أن هذه الخطوة تعكس "وعياً مؤسساتيا متناميا" بخطورة تفشي ظاهرة الغش، لما لها من آثار سلبية على مبدأ تكافؤ الفرص، وعلى القيمة الاعتبارية للشهادات الوطنية داخل المجتمع وسوق الشغل.
وقال دحمان في تصريح لـ"العربي الجديد" اليوم الأربعاء: "يمكن تثمين هذه الإجراءات بالنظر إلى بعدها التنظيمي والزجري، حيث تسعى إلى إرساء قواعد أكثر صرامة لضبط سير الامتحانات، والحد من توظيف الوسائط التكنولوجية في الغش، بما يعزز مناخ النزاهة والاستحقاق. كما أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات الدولية التي تجعل من تأمين الامتحانات رهانا أساسيا في ضمان جودة الأنظمة التربوية".
غير أن القراءة النقدية لهذه التدابير، وفق دحمان، تفضي إلى تسجيل عدد من الملاحظات الجوهرية، ذلك أن المقاربة المعتمدة تبدو، في جوهرها، ذات طابع أمني-تقني، تركز على آليات المراقبة والعقاب أكثر مما تنفتح على المعالجة البيداغوجية العميقة للظاهرة. ويوضح أن الغش ليس مجرد سلوك فردي منحرف، بل هو تعبير عن اختلالات بنيوية في المنظومة التعليمية، تتصل بطبيعة التعلمات، وأنماط التقويم، وضغط الرهانات المرتبطة بالنجاح المدرسي.
وعليه، يرى دحمان أن الاقتصار على تشديد المراقبة دون مراجعة فلسفة التقويم قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الظاهرة بأشكال أكثر تعقيداً. إذ لا يزال التقويم الإشهادي في كثير من جوانبه قائماً على قياس المعارف التذكرية، وهو ما يدفع المتعلمين إلى البحث عن وسائل بديلة لتحقيق النجاح، بدل الانخراط في تعلم ذي معنى. كما أن غياب توازن فعلي بين التقويم المستمر والامتحان النهائي يكرس منطق "النقطة الحاسمة"، بما يحمله من ضغط نفسي واجتماعي.
ويلفت إلى أن أي مقاربة ناجعة لمحاربة الغش تقتضي استحضار البعد القيمي والتربوي، عبر ترسيخ ثقافة النزاهة الأكاديمية لدى المتعلمين، وتنمية وعيهم بأخلاقيات التعلم. وهو ما يستدعي أدوارا تكاملية للأسرة، والمؤسسة التعليمية، ووسائل الإعلام، بدل حصر المسؤولية في الإجراءات التنظيمية داخل فضاء الامتحان.
وإجمالا، يرى أن التدابير المعلنة تمثل خطوة ضرورية لكنها غير كافية، ما لم تُدرج ضمن رؤية إصلاحية شمولية تعيد النظر في نموذج التقويم، وتربط بين جودة التعلمات وصدقية الشهادات، معتبرا أن محاربة الغش ليست رهانا تقنيا فحسب، بل هي في عمقها رهان تربوي وثقافي يتطلب تحولا في تمثلات الفاعلين وسلوكياتهم داخل المنظومة التعليمية.

Related News
أخيراً... يمكنك تغيير عنوان «جيميل» دون فقدان بياناتك
aawsat
4 minutes ago
الموت يفجع الفنان حاتم صلاح
al-ain
8 minutes ago