Arab
لا يُعدُّ سؤال "الفهم والإدراك" لدى النُخب السياسية العربية، تعبيراً عن موقف عاطفي عابر أو ردّة فعل آنية على حرب أو تصريح، بل هو سؤال فلسفي سياسي يتصل ببنية الوعي العربي تجاه النظام الدولي، وبالخبرة التاريخية المُتراكمة مع القوى المُهيمنة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل. إنه سؤال يتجاوز السياسة إلى نظرية الأبستمولوجيا أو طبيعة المعرفة.
كيف تتكوّن الحقيقة السياسية لدى النُخب العربية؟ وكيف نفهم فجوة إدراكهم ومأزق فهمهم لبديهيات السلوك السياسي؟ ولماذا يتكرّر خطاب رسمي عربي يفصل بين ما يُقال في الغرب وما يُفعل في العرب؟
لا تُقرأ التصريحات الأميركية والإسرائيلية، عربياً، بوصفها مُعطيات مُحايدة، بل تُفككّ ضمن سياق أوسع من التجارب التي أظهرت أنّ الخطاب المعلن ليس سوى واجهة أخلاقية لسياسات تحكمها اعتبارات القوة والمصلحة. وهنا تتشكّل فجوة عميقة بين الخطاب والفعل، تجعل التصديق فعلاً ساذجاً، أقرب إلى إنكار الواقع منه إلى فهمه.
لقد قامت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، منذ عقود طويلة، على ثنائية مزدوّجة: خطاب يزعم الأمن والاستقرار وحماية الحلفاء، مقابل ممارسة فعلية تُظهر أنّ الأولوية الحقيقية هي لإدارة التوازنات بما يخدم الهيمنة الاستراتيجية، وضمان تفوّق إسرائيل كركيزة وظيفية في المنطقة.
التجربة التاريخية والحالية راكمت وعياً عربياً بأنّ الحليف ليس بالضرورة ضامناً للأمن، بل قد يكون جزءاً من معادلة الخطر ذاته
ولا يبدو مستغرباً أن يُنظر إلى الحروب المُتكرّرة، بما فيها الحرب على إيران، كاستجابة لتهديد مُحدّد، بل كجزء من هندسة مستمرة لإعادة تشكيل المجال العربي.
وتكتسب الوقائع التي تقدّمها لنا السياسة الأميركية يومياً، دلالتها العميقة في الساحة العربية، فحين تتحرّك الولايات المتحدة بمفردها ولمصلحتها لضرب إيران من دون مراعاة لحد أدنى من المصلحة الخليجية أو العربية، وتترك مجتمعات عربية كاملة تواجه تداعيات الصراع، فإنّ الرسالة الضمنية تصبح أكثر وضوحاً من أيّ خطاب رسمي: القيمة تُقاس بالمصلحة الأميركية والإٍسرائيلية، لا بالتحالف والاتفاقيات.
وحين تُستنزف اقتصادات دول حليفة من دون اكتراث فعلي، بينما تُعاد صياغة موازين الطاقة بما يخدم شركات ومصالح بعينها، فإنّ مفهوم "الشراكة والحماية" يفقد معناه، ويتحوّل إلى أداة لإعادة توزيع الأعباء لا لتقليلها.
فيما يشكّل الخطاب الإسرائيلي المُتكرّر حول مفهوم "الشرق الأوسط الجديد" نموذجاً واضحاً للفجوة بين مستوى التصريح العلني ومستوى الدلالات الضمنية. ظاهرياً، يبدو هذا المفهوم مرناً وقابلاً لتفسيرات مختلفة؛ غير أنّ قراءته ضمن السياق التاريخي بين العرب وإسرائيل، تكشف أنّه امتداد لسلسلة من المشاريع التي ارتبطت بإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
فاستخدام مصطلح "الجديد" لا يشير إلى تغييرات محدودة، بل إلى تصوّر شامل لإعادة تشكيل البنية الجيوسياسية للمنطقة، بما يشمل مختلف الفاعلين، بمن فيهم الدول العربية المُتحالفة مع الغرب أو المُنخرطة في مسارات التطبيع.
الخطاب المعلن ليس سوى واجهة أخلاقية لسياسات تحكمها اعتبارات القوّة والمصلحة
ويبرز هنا تساؤل جوهري للحرب الراهنة على إيران: هل يمثّل هدف إسقاط إيران نقطة البداية في مشروع إعادة التشكيل، أم إنه مجرّد مرحلة ضمن مسار أوسع يمتد ليشمل إعادة توزيع الأدوار والوظائف الإقليمية؟
هذا السؤال يكشف التناقض بين التحالفات القائمة وبين طبيعة المشاريع المطروحة، حيث إنّ شمول مفهوم "إعادة التشكيل" يطاول نظرياً جميع وحدات النظام العربي من دون استثناء.
من جهة أخرى، يُلاحظ وجود فجوة إدراك لدى بعض النُخب العربية في التعامل مع السردية الغربية المُعلنة حول أهداف الصراع، فالخطاب السياسي الأميركي يلمّح (ويصرّح تارة) إلى دور دول الخليج كشريك في هذا الصراع، وكأنّه يوفّر مبرّرات استراتيجية لإيران، لتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل الموارد والبنى الاقتصادية في دول الخليج.
ويعكس مصطلح "إسرائيل الكبرى"، كذلك، في وعي وإدراك النُخب العربية، ميلاً مُتكرّراً إلى التقليل من دلالاتها العملية والسياسية، فقد جرى التعامل مع هذا الطرح بوصفه خطاباً دينياً رمزياً، أو تعبيراً عن توجّهات يمينية مُتطرّفة، أو حتى كفكرة غير واقعية.
تبدو الدول العربية، مرّة تلو الأخرى، ساحة لإعادة التشكيل لا شريكاً في صياغته
غير أنّ هذا النمط من الإنكار لا ينفي إمكانية تحوّل هذه التصوّرات إلى سياسات تدريجية على الأرض. فالمشاريع الجيوسياسية الكبرى لا تُنفَّذ بالضرورة عبر إعلانات رسمية، بل غالباً ما تتقدّم عبر خطوات تراكمية، ما يجعل تجاهل السردية الحالية، عاملاً مساهماً في تسريع تحقّقها بدلاً من مجابهتها. خاصة وأنّ التجربة التاريخية والحالية راكمت وعياً عربياً بأنّ الحليف ليس بالضرورة ضامناً للأمن، بل قد يكون جزءاً من معادلة الخطر ذاته. هذا الوعي لا يتشكّل من نظرية مؤامرة، بل من تكرار نمط سلوكي غربي: دعم غير مشروط لإسرائيل وتوظيف كلّ الأزمات لخدمة ومصالح الآخرين.
والسؤال الأعمق اليوم، لماذا يستمرّ الخطاب العربي الرسمي في حالة من الاستلاب والاستسلام لسرديتهم المعلنة وهو يدرك أنّ ما خفي منها أعظم. هنا ندخل في مستوى آخر من التحليل، يتعلّق بأزمة الإرادة السياسية، وبالاعتماد البنيوي على الخارج في إنتاج السياسات والأمن.
إنّ ما تكشفه هذه اللحظة التاريخية هو أنّ النظام الدولي نفسه يعيش طوراً انتقالياً، تتراجع فيه الهيمنة الأحادية، وتزداد الفوضى والصراعات، وفي مثل هذه البيئة المُضطربة، تميل القوى الكبرى إلى إعادة ترتيب أوراقها بأقل قدر من الالتزام الأخلاقي، وأكثر قدر ممكن من "البراغماتية المتوحّشة"، وهذا ما يفسر لماذا تبدو الدول العربية، مرّة تلو الأخرى، ساحة لإعادة التشكيل لا شريكاً في صياغته.
Related News
ما الخيارات البديلة لـ«الإغلاق المبكر» في مصر؟
aawsat
3 minutes ago